العنوان رمضان في فلسطين.. الشهداء والمعتقلون حاضرون على موائد الإفطار
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 100
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 40
السبت 01-ديسمبر-2001
دماء الشهداء تمتزج بآهات الثكلى.. وقذائف شارون
هذا العام.. تمتزج أيام رمضان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعبق دماء الشهداء وآهات الثكلى وأنين اليتامى وقهر المحرومين. نفحاته المباركة تعكرها طائرات الأباتشي، وقذائف المدفعية قطعت صلة الأرحام جراء تقطيع الاحتلال لأوصال الأراضي الفلسطينية، ونصبها عشرات الحواجز الثابتة والمتحركة التي تجعل من التنقل والحركة مغامرة قد تكلف المرء حياته. وبدلًا من تعليق الزينات احتفاءً بقدوم الشهر الكريم تنتشر صور الشهداء الذين سقطوا بالمئات في انتفاضة الأقصى على جدران المدن والقرى والمخيمات. أما التسوق الرمضاني التقليدي فبات بدوره مؤشرًا على ضيق الخناق الاقتصادي، بعد مضي أربعة عشر شهرًا من الحرب الاقتصادية الخانقة التي تمارسها سلطات الاحتلال.
وبينما تخطت انتفاضة الأقصى حاجز الثمانمائة شهيد، يغدو لحلول رمضان هذا العام وقع خاص، لن يصعب العثور عليه في موائد الإفطار التي افتقدت أرباب الأسر ومعيليها، وخسرت معهم الكثير من المشاعر الدافئة التي يشيعها التماسك الرمضاني بين جدران البيت، فثمة آباء افتقدهم أطفالهم وزوجاتهم بعد أن أضحى مجلسهم على موائد الإفطار خاويًّا ويعيد مآثرهم إلى الأذهان، كما ستنصرف العواطف الرمضانية إلى القابعين وراء قضبان الاحتلال الذين يزيد عددهم يومًا بعد يوم.. هكذا كشفت لنا حواراتنا مع الناس.
بكلمات ممزوجة بالدموع والحزن بدأت السيدة «ألفت الرزاينة» «٢٦ عامًا» زوجة كل من الشهيدين أيمن وعثمان الرزاينة حديثها لـ المجتمع عن كيفية استقبالها لشهر رمضان المبارك قائلة: كم كنت أتمنى أن أنام، فأستيقظ وقد مضت أيام رمضان، لم أدر كيف أجلس على مائدة الإفطار مع أطفالي بدون أبيهم؟ ومن يشتري لهم فوانيس رمضان التي كان حريصًا على إحضارها لهم».. وأضافت الرزاينة، وهي تمسح دموعها التي لم تجف منذ فراق زوجها الثاني عثمان شهيدًا «رمضان في هذا العام يفتح جروحي التي أحاول أن أتظاهر بشفائها منذ اغتيال زوجي الأول أيمن في منتصف شهر رمضان في عام ١٩٩١م، أعتكف في منزلي مع أطفالي الخمسة الذين تجرعوا يتمًا جديدًا مع يتمهم؛ حتى لا يروا أطفال شوارع المعسكر فرحين برفقة آبائهم، ويلعبون بفوانيسهم». وأضافت وهي تمسح دموعها: «عثمان ما زال حيًّا بين جنبات المنزل روحه تشاطرنا»، ولكنها سرعان ما تستدرك قائلة: «إن عزائي الوحيد في هذا الشهر أنه شهر عبادة، وتسنح لي فيه فرصة الذهاب إلى المسجد للصلاة والاستماع إلى دروس ومواعظ قد تخفف جزءًا من آلامي التي أدعو الله عز وجل أن يكون شهر رمضان بلسمًا لها»..
الهلال مع القذائف
بينما كان يستعد الفلسطينيون في مخيم خان يونس للاجئين لاستقبال شهر رمضان شأنهم شأن كافة المسلمين في العالم، توغلت الدبابات الصهيونية ترافقها جرافات عسكرية فجر اليوم الأول من رمضان في عمق أراضي المخيم وسط قصف مدفعي مكثف أدى الى استشهاد فلسطيني وإصابة ١٥ آخرين إضافة إلى تدمير منازل عدة. وبعد أن أنهت قوات الاحتلال جرائمها وقف أسامة أبو أمونة «٤١ عامًا» فوق ركام منزله بين أزقة المخيم -وهو يحتضن اثنين من أطفاله التسعة وبجانبه زوجته- يحاول عبثًا احتباس دموعه وحوله عدد من جيرانه يهدئون من روعه. وقال أبو أمونة -وهو موظف حكومي-: إن منزله المكون من أربع غرف دمرته الجرافات خلال اقتحامها المخيم متسائلًا: «أين سنذهب وقد بدأ شهر رمضان المبارك؟ لقد أصبحنا مشردين».
الصلاة في الأقصى
ويبدي المواطنون الفلسطينيون خارج القدس المحتلة حزنهم الشديد لمنعهم من التوجه إلى المسجد الأقصى الذي جعلوه عنوانًا لانتفاضتهم المتواصلة، فقد اعتاد الآلاف منهم خلال رمضان أداء صلواتهم في رحابه. في مدينة نابلس - كبرى مدن الضفة الغربية- لا يبدو الحال مختلفًا عما سواه في الضفة والقطاع، فقد تلاشت البهجة المعهودة ولم تُرصد أجواء من الفرح الشعبي التي كانت معروفة من قبل. ويمكن استقاء التفسير المنطقي السريع لغياب أجواء الغبطة التقليدية من الجدران ذاتها، بما يفترشها من صور لمئات الشهداء، أما ما تختزنه المنازل الفلسطينية من آلام إنسانية؛ فتتجاوز الفاقة والعوز الاقتصادي إلى عشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين الذين كانوا جميعًا مجالًا للانتقام الصهيوني من انتفاضة الأقصى، وهو الانتقام الذي تخللته الفظائع الدامية.
ويلاحظ الزائر أن الباعة لم يفلحوا في استقطاب الزبائن إلى محالهم التجارية، رغم تفننها في عرض البضائع المتعلقة بهذا الموسم. ويكتفي الفلسطينيون هذه الأيام بإلقاء نظرات استطلاعية على المعروضات، وقد ينتهي بهم الأمر إلى الاستفسار عن أسعارها دون الشراء غالبًا. وبينما تركد الحركة التجارية في جانب، تنتعش مع دخول رمضان على الجانب الآخر مظاهر الاحتفاء بالشهداء الذين يذكرهم الفلسطينيون جيدًا، ونظم خمسون طفلًا من مخيم بلاطة عرضًا كشفيًّا في شوارع المخيم احتفاء برمضان، وتكريمًا للشهيد محمد البيشاوي الذي أطلق اسمه على فرقة الكشافة هذه، وفي المسيرة رفعت الأعلام الفلسطينية والرايات الخضر إلى جانب عشرين شعلة نارية تعكس التصميم على مواصلة الانتفاضة.
رمضان في الخليل
وفي مدينة خليل الرحمن اعتاد سكان المدينة أن يجعلوا لرمضان رونقًا خاصًا خلال السنوات الماضية، حيث تزين الشوارع والطرقات وخاصة شوارع وأزقة البلدة القديمة وتضاء بحبال الزينة، وتطوف فرق الإنشاد وتنشد مدائح نبوية، حيث يتجمع الصبية والغلمان خلف المنشد، فيطوف بهم حارة السواكنة وحارة بني دار وحارة القزازين، ويمرون بقناطر سوق اللبن، وينتهي بهم المطاف في ساحات المسجد الإبراهيمي الخارجية فيوزعون الحلوى، ومن ثم يدخلون إلى المسجد ويصلون صلاتي العشاء والتراويح.
أما هذا العام، فيقول الحاج عبد الرزاق أبو سنينة الذي ما زال يسكن في منزله القديم الذي يكاد يسقط فوق رأسه ورأس عائلته بسبب منع المستوطنين ترميمه.. يقول: وضع الاحتلال الصهيوني على أبواب المسجد الإبراهيمي الكثير من الحواجز.. فأعاقت ذهابنا وإيابنا إلى الصلاة، وأصبح الإنسان يخضع للتفتيش والاعتداءات صباح مساء حتى لا يعود مرة أخرى إلى المسجد، ويصبح المسجد بالتالي فارغًا من المصلين والرواد، وبذلك يفرح المستوطنون ويحولونه إلى كنيس.
هكذا تحول الوضع داخل مدينة خليل الرحمن، وأصبحت مهددة بالطمس والتهويد.
الحاج عوني أبو مرخية مؤذن مسجد القزازين في قلب البلدة القديمة التي يسيطر عليها الاحتلال يقول: «الناس هنا يعيشون في وضع صعب للغاية جراء اعتداءات المستوطنين على المصلين وعلى المسجد، وكان آخرها تكسير زجاج النوافذ فوق رؤوس المصلين، حيث تناثر الزجاج على السجاد، وحاول المعتدون حرق المسجد بمن داخله لكن لطف الله حال دون ذلك، حيث هب المصلون بالتكبير والصراخ فمنعوا جموع المستوطنين من الاقتراب من المسجد» ويضيف الحاج عوني «الناس في كرب ووضعهم لا يحسدون عليه، والأمر لا يخرج عن كونه معركة، إما أن نحافظ على مساجدنا ونعمرها بالمصلين، وندافع عنها، وإلا فإن اليهود سيحولونها إلى كنيس».
وفي ظل انتفاضة الأقصى تحولت المدينة إلى مدينة أشباح، حيث تعرضت إلى الإغلاق الشامل والكامل عشرات المرات، وعاش الناس نحو ٩٠% من أيام السنة تحت نظام منع التجول، فأغلق الاحتلال المساجد والمتاجر والأسواق والمدارس. وشدد الاحتلال من إجراءاته العسكرية على مداخل المدينة، ومنع تنقل السكان منها وإليها، فعاش أربعون ألفًا من سكانها تحت الحصار والألم والضنك والمعاناة.. ولا يزالون.
وبالقرب من تلة الرميدة التي تسمى بـ «جبل الرحمة» اعتاد الناس سماع مدفع رمضان «مدفع العم أبو حربي» عند دخول وقت الإفطار ليشعرهم بدخول الوقت، وهذا تقليد تراثي يستمتع به الأطفال والغلمان، ويعود تاريخه إلى عهد العثمانيين، لكن ذلك لم يرق لليهود الصهاينة فقاموا بمنع استعمال هذا المدفع، بل قاموا بمصادرته أيضًا، وأصبحت المنطقة منطقة عسكرية، حيث قام الجيش الصهيوني بالسيطرة على عدد من المنازل المجاورة، وقاموا بنصب الرشاشات الثقيلة فوق أسطحها، وأصبحت مكانًا للموت.
الدكتور تيسير زاهدة أحد أصحاب المنازل المحتلة قال: «نحن في عذاب ورعب يومي منذ سنوات، لا نستطيع أن نفتح نافذة أو نقوم بالصعود على سطح منزلنا لأن الجنود هددونا أن من يقترب من سطح المنزل سيقتل» يضيف: «لقد خرب الجيش كل شيء، دمروا خزانات المياه.. وضعوا الأوساخ فيها... نصبوا المدافع الثقيلة على السطح حيث يقومون بقذف الأحياء المقابلة لنا برصاص من عيار ۸۰۰ ملم وصواريخ «لاو» وغيرها.
افتقدت العشرات من الأسر في المدينة أبناءها، فكان رمضان بالنسبة لهم محطة حزن جديدة.. تذكر المصلون من كانوا يقرؤون لهم القرآن في رمضان، وتذكر من يؤمون مسجد الزاهد إمامهم الشاب إمام الشريف نجل القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف.. هذا الشبل الذي حفظ القرآن الكريم كاملًا.. فكان يصلي بهم ويرتل آيات الكتاب بصوت شيخ المقرنين محمد رفعت، ولكن حال رصاص الاحتلال بينه وبين مصليه، فقد أصابته رصاصة غادرة اخترقت قلبه الرؤوف بينما كان يصلي صلاة الجمعة في مسجد الشيخ علي البكاء».
ورغم كل هذا الألم وشدة الحصار يواصل أبناء المدينة فرض إرادتهم وتحديهم للاحتلال، فيخترقون الحواجز العسكرية، ويؤمون مساجدهم، ويخضعون للتفتيش والرقابة المشددة على الأبواب الإلكترونية عند مداخل المسجد الإبراهيمي دون أن يفت ذلك في عزيمتهم، ويعتقل أبناؤهم جهارًا نهارًا، بل ينتزعون من أيدي آبائهم وهم في شوارع وأزقة البلدة القديمة، ورغم ذلك يواصلون مشوار الحياة في محنة وكبد ومشقة، لكن أملهم واحد أنهم مرابطون إلى يوم القيامة.
بطولات الانتفاضة كانت حاضرة أيضًا في صلاة التراويح في مختلف المساجد بفلسطين، فقد أعقبها الدعاء للشهداء والابتهال بالشفاء للجرحى وبالإفراج عن الأسرى، ولكن الفلسطينيين في محنتهم المريرة لم ينسوا أن يرفعوا أكف الضراعة إلى مولاهم أن يرفع الأذى عن أشقاء العروبة والإسلام في مرحلة يستشعر الجميع ما يكتنفها من مخاطر.