; رمضان في زمن “كورونا”.. برنامج عملي للأسرة | مجلة المجتمع

العنوان رمضان في زمن “كورونا”.. برنامج عملي للأسرة

الكاتب فاطمة عبدالرؤوف

تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2020

مشاهدات 74

نشر في العدد 2143

نشر في الصفحة 36

الجمعة 01-مايو-2020

ملف رمضان

  • رمضان هذا العام يمثل منحة عظيمة من الخالق سواء على مستوى الفرد أم الأسرة لو أحسن استثماره.
  • عبادة التفكر تتسع لتشمل تفاصيل الحياة الشخصية مثل العلاقة مع الزوج أو الزوجة أو تربية الأولاد.
  • رمضان شهر صلة الأرحام ولا تعني سياسة التباعد الاجتماعي أن تضعف هذه الصلة.
  • الصلاة جماعة بمكان مخصص في البيت تمنح جزءاً من السكينة تعوض الصلاة بالمسجد.

ربما هو رمضان الأكثر اختلافاً الذي نشهده على هذا النحو؛ بلا جُمع ولا جماعات ولا صلاة تراويح في كثير من بلادنا الإسلامية، رمضان بلا «عزومات» وموائد رحمن وتجمعات عائلية وملتقيات ثقافية.

يبدو رمضان هذا العام ذا مذاق مختلف حقاً، إنه رمضان في ظلال جائحة كورونا وما تمثله من مشاعر قلق تنتاب الكثيرين.

لا يمكننا أن نغفل أن رمضان هذا العام يأتي وقد تضررت كثير من الأسر من جراء الركود الاقتصادي، وما تمخض عنه من فقدان الكثيرين لوظائفهم وتخفيض رواتب بعضهم الآخر.

ولكن على الرغم من هذا كله، فإن رمضان هذا العام يمثل منحة عظيمة من الخالق عز وجل سواء على مستوى الفرد أو على الأسرة إن أمكننا النظر بزاوية مختلفة لكل هذه التغيرات تتجاوز ما فيها من سلبيات وقلق ومخاوف، وتثمن الفرصة التي ربما لم تكن لتأتي أبداً لولا هذه التغيرات القهرية التي تزامنت مع رمضان هذا العام.

وهذه بعض الأفكار العملية التي يسهل تطبيقها واتخاذها قاعدة للبناء عليها، وتصميم برنامج خاص لكل أسرة حسب ظروفها، بحيث يتم استثمار هذه الفرصة السانحة بما يحقق أعلى عائد ممكن.

ويمكننا السير في هذا البرنامج المقترح في مسارين مرتبطين؛ أي أنه سيكون هناك المسار الفردي الذاتي، ومسار الأسرة الجماعي، ولا يخفى مدى الترابط والتقاطع بين المسارين.

الذات المتأملة

على المستوى الفردي، سيكون الهدف هو الخلوة بالنفس وممارسة عبادة التأمل والتفكر؛ فما نمر به من أجواء تدفعنا لممارسة المراجعة، وما نقوم به من عبادات من صيام وقيام وما يستتبع ذلك من صفاء الروح وإشراقها يدعونا للتأمل والتفكر؛ (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 191)، وعن الحسن البصري أنه قال: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة»، فماذا إذا اجتمع القيام والتفكر معاً؟ لا شك أنه خير كثير يرفع المرء مقامات عالية، ورمضان هذا العام يمنح الوقت الكافي للقيام في خلوة، والتفكر بعيداً عن ضجيج الحياة الاجتماعية وما فيها من كثرة حديث وقيل وقال ونحو ذلك.

فالرجل إما أنه في عطلة كاملة، أو تم تقليص ساعات عمله، والمرأة تخلصت من عبء «العزومات» وما يلزمها من وقت وجهد في الإعداد، وما يتبعها من تنظيف وتنظيم كان يستهلك وقتاً هائلاً، حتى إنها لم تكن لتقوى في كثير من الأيام من الخلوة بذاتها وممارسة التفكر.

على أن عبادة التفكر تتسع أيضاً للتفكير في تفاصيل الحياة الشخصية؛ بما في ذلك العلاقة مع الزوج أو الزوجة، والعلاقة مع الأولاد وكيفية الارتقاء بها حتى تحقق الإشباع والرضا للجميع، وكيف تتحول لعلاقة صحية لا علاقة قائمة على المشاحنات والشجار.

تتحدث كثير من التقارير أن ظروف العزل الاجتماعي أحدثت حالة من الأجواء السلبية في البيوت ناتجة من أن الكثيرين لم يعتادوا على قضاء مثل هذا الوقت الطويل معاً فحدثت صدامات، خاصة أن هناك مشاعر غاضبة بسبب فقدان الوظيفة أو تخفيض الراتب أو غياب العادات الاجتماعية المعتادة؛ فكان تنفيس هذه المشاعر الغاضبة على صورة شد وجذب وصدام، لكن آن الأوان في رمضان لمراجعة هذه المشاعر والسلوكيات؛ فالمشاعر الإيمانية العالية وما فيها من وجل القلوب من الله عز وجل، وجميل التوكل عليه تطرد مشاعر الغضب والقلق الخانقة، ويكون حسن الخلق وما يلزمه من تسامح وسلوكيات هادئة هدفاً رئيساً. 

برنامج الأسرة

على أن الخلوة في رمضان وممارسة القيام والتفكر والذكر لا يعني أن يتمحور الإنسان حول نفسه وينعزل عن أسرته؛ فلا بد من التوازن بين الذات والأسرة، بل إن أحد أهم أهداف البرنامج الذاتي هو القدرة على التعاطي بشكل أكثر إيجابية مع الأسرة، خاصة مع غنيمة الوقت الطويل الذي نقضيه سوياً بسبب الوباء.

وهذه مجموعة من المقترحات القابلة للتطبيق التي تساعد في وضع برنامج للأسرة:

- تخصيص وقت كاف ومناسب لجلوس جميع أفراد الأسرة معاً للحوار، بالإضافة طبعاً لوقت تناول طعام الإفطار والسحور، حيث يمتنع الجميع عن التعامل مع الهاتف في هذا الوقت الأسري، ويتم طرح جميع الموضوعات على الطاولة بما في ذلك الحوار حول البرنامج المقترح للأسرة في رمضان.

- مشاركة الجميع في إضفاء جو من البهجة يتناسب مع شهر الصيام، بما في ذلك تعليق الزينة البسيطة وفروع الأضواء الرقيقة بلا إسراف، ويساعد ذلك في رفع الروح المعنوية، والتخلص من وطأة أخبار الوباء المقلقة التي تضج بها نشرات الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي.

- رمضان شهر صلة الأرحام، ولا تعني سياسة التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي أن تضعف هذه الصلة، فمن الممكن جداً أن تخصص الجلسة الأسرية وقتاً للاتصال بالصوت والصورة بأحد الأقارب يومياً؛ للتواصل معه والحفاظ على حياة اجتماعية نشطة، وهي الحالة الوحيدة المسموح بها باستخدام الهاتف في الجلسة الأسرية اليومية.

- لا بد من الاتفاق على ميزانية بالغة الاعتدال والاقتصاد لشهر رمضان هذا العام؛ نظراً للظروف الاقتصادية المستجدة، فإذا كانت الأسرة معسرة فلا بد لها من الاقتصاد مع الرضا حتى يبدل الله الأحوال، وإن كانت الأسرة موسرة فلا بد من الاعتدال مع تقديم الفائض للأسر الأكثر احتياجاً، بالإضافة لتحويل القيمة النقدية لـ»العزومات» والولائم للأسر الفقيرة، وتلك التي يحسبها المرء للوهلة الأولى غنية من التعفف التي ازداد عددها، ولا بد من التفكير في صور مبتكرة لتوصيل هذه النفقات لهم، بحيث تبدو كهدية حتى لا تخدش كرامتهم، مع التذكير بأن الأقربين أولى بالمعروف.

- لا بد أن يشمل البرنامج الأسري تقسيم المهام المنزلية على الجميع كل بحسب طاقته ومهارته، ولذلك فائدة مزدوجة؛ فمن ناحية يخف العبء على الأم حتى تستطيع ممارسة عبادتها بشكل جيد، ومن ناحية أخرى يتم القضاء على الملل الذي يعانيه باقي أفراد الأسرة بسبب تعطل العمل والدراسة وعدم القدرة على مقابلة الأصدقاء ونحو ذلك. 

وفي هذا السياق، لا بد أن يكون لدى الأم مساحة من المرونة لمنحهم الفرصة في المشاركة دون قلق لا داعي له، فإذا أراد الزوج الدخول للمطبخ وإعداد طبق للإفطار أو السحور فلا يحملها القلق من فشل الطهي، أو حتى القلق من اختلال نظام المطبخ من منعه من المشاركة، بل عليها تشجيعه للاندماج والتفاعل.

ومن الممكن عقد مسابقات مرحة بين الأولاد فيمن يقدم طبقاً للسحور اليوم، أو من يحسن تنظيف المطبخ أكثر، أو من يقوم بصورة أسرع بترتيب حجرته.

- إذا كان في الأسرة طفل صغير يصوم للمرة الأولى، وسيكون رمضانه الأول في ظلال جائحة «كورونا»، فلا بد من الاهتمام والاحتفال به، وتقديم الهدايا له، وترك أجمل الذكريات في نفسه عن هذا الشهر.

- ومن الأنشطة الجميلة التي يمكن أن يتشارك فيها الجميع تخصيص غرفة أو جزء من غرفة المعيشة أو بهو المنزل لمصلى منزلي صغير، بحيث يتم تزيينه وتعطيره ووضع المصاحف به، واتخاذه مصلى تقام فيه صلاة الجماعة في البيت، ويمكن أيضاً صلاة القيام فيه، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة؛ (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 87)، فالصلاة جماعة في مكان مخصص في البيت تمنح جزءاً من السكينة التي كانت تظلل الصلاة في المسجد.

- من الأهمية بمكان عقد جلسات قصيرة للعلم والتذكرة، أو جلسات لقراءة القرآن، مع الاهتمام بتصحيح أحكام التلاوة، وإلقاء بعض الأضواء الكاشفة على تفسير الآيات في جلسة أسرية ثابتة الموعد، ولتكن بعد صلاة الفجر أو العشاء مثلاً، وتتمحور حول موضوعات مثل: كيف نتضرع لله سبحانه وتعالى حتى يكشف ما بنا من غم وكرب؟ أحوال الأمم السابقة وأحوالنا.. وغيرها، المهم أن نحرص على الاستماع لما يدور في عقول الأولاد من أفكار وخواطر حول هذا الموضوع، ويتم الحوار معهم في هذه الخواطر؛ فلا نكتفي بأسلوب إلقاء الدروس الجاف دون تفعيل مهارة الإنصات والتفاعل والتشجيع على التفكير والبحث، ومن الممكن منح الأولاد الفرصة لإدارة جلسة، أو أن يكون الابن المتحدث الرئيس فيها حتى نمنحهم الثقة اللازمة للبحث والإلقاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

244

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

165

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 7

160

الثلاثاء 28-أبريل-1970

عودة إلى الشباب المتهم