العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1479
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 50
السبت 01-ديسمبر-2001
رمضان.. في الآداب العربية والفارسية والتركية
الرمضانيات قصائد حافلة بالتضرع والمناجاة والسمو بالروح إلى طريق الأتقياء
لشهر رمضان المعظم مكانة كبرى في قلوب المسلمين في مختلف العصور والبيئات، فقد ظهرت ألوان من الأدب والشعر مقترنة بفريضة الصوم ومكانة ذلك الشهر الفضيل عند الله، وعند المسلمين الذين ارتبطوا به وهاموا في وصفه والتعلق به، والتقرب إلى الله بالعبادة والإنابة والطاعة فيه.
رائد الأدب الإسلامي المقارن د. حسين مجيب المصري يتحدث عن الأدب الرمضاني في البقاع الإسلامية في كتابه «رمضان في الشعر العربي والفارسي والتركي» فيقول: في الآداب الإسلامية المعنية بالحديث عن الإسلام وحضارته، وفي ألسنة الشعوب الإسلامية التي استظلت براية الإسلام، ودخلت فيه طائعة نجد حفاوة بالغة برمضان في الآداب العربية والفارسية والتركية، ونرى مظاهر الابتهاج والحبور من خلال «الرمضانيات» التي سجلت وقع قدوم هذا الشهر بالنسبة للمسلمين في الأصقاع والأمصار التي تدين بالولاء لله عز وجل، كما تطالعنا رؤية هلال رمضان والعادات المتبعة في ذلك وغيرها من ظواهر حضارية ودينية وثقافية ارتبطت في قلوب المؤمنين بمجيء رمضان.
إن النظر في رمضانيات الشعر ليس إلا تدبرًا لما تموج به الروح المؤمنة، وتنطوي عليه النفس المطمئنة، كما قد يكون تأملًا للحيرة بين الهدى والضلال، أو تصويرًا للرغبة والرهبة، والإقدام والإحجام، والدافع والمانع، مصطرعة في سريرة الإنسان. هذا اللون من الشعر نكتشف به موقف المسلم من هدي الإيمان ونزغ الشيطان، كما أنه يتضمن فنونًا أخرى من الشعر كالوصف والمدح، ويعرض علينا صورًا صادقة الدلالة على ما يموج به المجتمع من عادات وتقاليد، ويؤرخ عصورًا للحضارة الإسلامية تتحصل منها مادة سخية قد نعدم ما يضاهيها في أمهات الكتب وعيون الأخبار.
رمضان في الشعر العربي
ومن تتمة القول أن نذكر طرفًا مما قال الشعراء في بعض الأشياء التي ارتبطت برمضان، وذكرها في الأعم الأغلب متصل بذكر الصيام، ولقد أكثر الشعراء من وصف فانوس السحور، وأفضى بهم وصفه إلى ذكر شيء عن الغرض منه، فتداعت أفكارهم، وتشعب خيالهم وقال قائلهم:
ونجم من الفانوس يشرق ضوؤه
ولكنه دون الكواكب لا يسري
ولم أر نجمًا قط قبل طلوعه
إذا غاب ينهى الصائمين عن الفطر
فانوس السحور رسم إذًا في خيال الشاعر عدة صور يجمع بينها رابط الصيام، وما يقتضيه من معرفة المواقيت، والاستعانة على ذلك بالنظر إلى النجوم، وقد وصف ابن بطوطة الاحتفال برمضان في الحرم المكي، فذكر أنهم كانوا يعلقون قنديلين للسحور ليبصرهما من لم يسمع الأذان فيتسحر. وعن آداب الصوم وأفضاله وأحكامه الشرعية نظم الشاعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي قصيدة تعليمية طويلة يقول فيها:
هذا كتاب الصوم وهو جامع
لكل ما قامت به الشرائع
من ذلك المنزل في القرآن
فضلًا على ما كان ذا بيان
ومنه ما جاء عن النبي
من عهده المتبع المرضي
إلى أن قال:
فرمضان شهره معروف
وفرضه مفترض موصوف
والصوم في الظهار إن لم يقدر
مظاهر يومًا على محرر
وهذه القصيدة تشهد لناظمها بعلو الكعب في الإحاطة بأحكام الشرع.
ويقول الشاعر معين التميمي عن مكانة شهر الصيام في نفسه ونفوس الآخرين:
شهر الصيام أجل شهر مقبل
وبه يمحص كل ذنب مثقل
وقوله:
لئن كان شهر الصوم أفضل حوله
لفضلك في أبناء جنسك أفضل
وفي قصيدة أخرى يقول:
صوم وبر ونسك فيه متصل
بصالح وخشوع غير منفصل
يا ليت شهرك حول غير منقطع
وليت ظلك عنا غير منتقل
رمضان في الشعر الفارسي
لرمضان عظيم الأثر والمكانة لدى شعراء الفرس، حيث أفردوا له الكثير من أشعارهم، ونظموا فيه خير القلائد المليئة بالمواعظ، ومن ذلك ما قاله الشاعر «قاآني» المتوفى في منتصف القرن التاسع عشر: أيها التركي، يا من لك من الياسمين صدر ريان، قم وجئني بمسبحتي وسجادتي، فقد جاء شهر رمضان، نح كل ما ينبغي للطرب عن مجلسنا، وهذا المصحف أحضره إليّ وأعطني إياه، حتى أقرأ ثلاث سور أو سورتين، وأسأل الله المغفرة والرحمة للوالدين. ويقول الشاعر مزجي وهو من أهل القرن الخامس الهجري: «قضيت هذا الشهر في التراويح والتسبيح، شهر العبادة والقربى والزلفى والسكينة، شهر العام وزاد العمر لمواصلة المسيرة روح رمضان تسري في كيان صاحبها».
أما الشاعر الإيراني معزي فيقول في رائعته عن رمضان: إنا وإن كنا في حقه هذا العام من المقصرين، لقادرون في عام آخر على أن نكون من المعتذرين المخبتين، وأن تكون لنا صلة برمضان، أنوار الصوم سوف تشع في أفئدتنا، هلال رمضان سيكون محلقًا في جوانح من يحبون رؤيته، وينعمون بسريرته وهدايته. ویرى الدكتور حسين المصري رمضان صديقًا يؤوب إلى صديقه مرة في العام يعتني به، ينقيه من الأوصاب، وينتشله من أعلاق الأرض، فيقول في شعر فارس: رمضان صديق يجيء مرة في العام، يحل لينزع المضغة العفنة من قلب المرء، ويحوله إلى صومعة التهجد والعبادة، وينتقي منه السيئات والأمراض، ويجعله عامرًا بالقربات والأعمال الصالحات.
رمضان في الشعر التركي
الترك من الشعوب المسلمة المرتبطة -عضويًّا ونفسيًّا- بشهر رمضان وبروابط إيمانية متينة، فهم أكثر ولوعًا من غيرهم بالأخذ بالأسباب التي تؤكد على رغبتهم في التعبير عما تموج به سرائرهم من أحاسيس تمتزج فيها البهجة بالورع والخشية، كما أن الترك أكثر ميلًا إلى الإبانة عن شعورهم الدافئ نحو رمضان، والجنوح نحو التزهد والتعبد والتقلل من الدنيا، بالنزوع إلى الطيبات من الرزق وعدم نسيان النصيب من الدنيا، ولا غرو فقد أخذ الأتراك العثمانيون بالحضارة الإسلامية في أوج عظمتها، وعزوا بالإسلام كما عز بهم، وتحصل لديهم تراث عظيم في شتى المناحي، فكان لهم فضل غير مجحود، فلا عجب بعد هذا أن يولي شعراؤهم رمضان الاهتمام، لشعر رمضان عند الترك كيان خاص يميزه، الشعر الذي يذكر فيه رمضان معروف عندهم برمضانية.
ومن شعراء الترك المرتبطين برمضان الشاعر نابت الذي عاش أوائل القرن الثامن عشر، وله رمضانية كتب فيها:
لما جاء رمضان قبع الزاهد في خلوته، وليس له ما يوسوس في خلوته، فلقد حُبس الشيطان، سيظل حبيسًا إلى آخر شهر رمضان.
ثم يحدثنا عن عادة الترك في قراءة المصاحف، فقد كانت تعرض على كراسي تحملها في المساجد، يقرأ فيها القراء بالتناوب، وعلى كل راغب في القراءة أن ينتظر حتى يفرغ القارئ الذي سبقه يحل محله، وكان الناس يتزاحمون على تلك المصاحف في رمضان، ومنهم من كان لا يصبر على الانتظار، فيقرأ في مصحف خاص. كما أحسن ثابت أيما إحسان في وصف القناديل التي تزين المساجد، وتصور أنها تذهب كتاب حسنات المؤمنين، ورأى في قناديل القباب وما أحيط بها من أنوار سقفًا مفعمًا بزخارف الذهب تظلل العاكفين في المساجد فقال: ولقد ذهبت القناديل كتاب الحسنات، ونثر معلقوها ذهبها والمساجد كقلب المؤمنين معمورة، أما الحانات فكقلب الفاسقين خاوية مهجورة.
أما الشاعر التركي حشمت فيقول:
وتجلى من عزة شهر الصوم الجمال، وقد جعلت سريرة الصائمين على شكل الهلال فالتوبة التوبة، إنه شهر عظيم البركات، نزلت فيه من وحي الحق آيات، وبينما يلقي في مخدع الدنيا الضياء، إذ به يطلع صبح اليمن في الظلماء، ويجعل من شمعة أطفأتها ريح العصيان، مشعلًا للمغفرة ينير السبيل للإنسان، وشعاعة صاعقة تحرق الإثم والضلال، أما غرة رمضان فمنجل لمزرعة البر والكرم والنوال.
وفي رمضانية أخري نجد حشمت يقول: ولقد أنارت قنديل القلب شعلة لشمعة الغفران، بظهور الأشعة من غرة شهر رمضان، وأصبح كل مسجد نظيرًا لجبل من النور، ورفعت كل شعلة فكأنها جبل الطور، إن ظفرًا بعفو الرحمن يحل عقدة العصيان، يعلم الصائم أنه يبدو في هيئة الهلال للعيان، إن تلك القناديل التي تنير المدينة كالنجوم في الحلك، جعلت من قبة المسجد ما يشبه الفلك، وكل ليلة من ليالي إسطنبول كالنهار تطلع من البهجة الأنوار، وكل نهار كالعيد الميمون ينعم فيه الصائمون. ويتضح مما سبق مدي العناية والحفاوة والاحتفاء البالغ بشهر الصيام، لدى الشعوب الإسلامية التي تراه موسم الطاعة والعمل الصالح والتقوى، فجادت قرائح شعرائهم برمضانياتهم التي تعظم هذا الشهر وتمدحه، وتتناغم معه في لحمة إيمانية وروحانية ليس لها نظير لدى الأمم الأخرى والملل المغايرة.
النسر والعصفور
شعر: محمد أسامة أحمد حسين
مَنْ حطّم أعشاش النسر؟
لا أحدٌ في الغابة يدري
وطيور الغابه في خوفٍ
والصمت يخيِّم في صمت
والهمس هنا
ممنوع من وقت الإصباح إلى الفجر
مَنْ حطّم أعشاش النسر؟
أخبارٌ في الغابة تسري
والبومة تنعق صارخة:
عصفور الدوح هو الجاني
فبلابلها
دومًا نسمعها تتهامس
تأتمر على قتل النسر
عصفور الدوح رأى الأنقاض
فحلّق مبتعدًا فرقًا
أفراخ النسر رأته يحلّق في فزعٍ
فدنت من مخبأٍ والدها
يبكي هيبته المنهارة
همست في صوت يتهدّجْ
البومة قد قالت صدقًا
إن العصفور هو الجاني
قد شوهد فرحانًا جذلًا
وبلابله طربت معه
وتُهَنَّئُهُ
تشدو بأرق الألحان
ما أكذب أفراخ النسر
عصفور الدوح هو الجاني؟!!
النسر يصدق أفراخه:
البومة دومًا صادقة
كم نصحتني:
أن بلابلنا أشرار
فلنتخلص منهم أبدًا
لتعيش الغابة بأمان
وتجمع كلُّ الغربان
القاصي منهم والداني
وبدا كل غراب منهم ينعب فيصمُّ الآذانا:
الموت لعصفور الدوح
سمع الأطيار نعيق البوم
فطارت تستمع الخبرا
قلبتِ الأمر لتفهمهُ:
كيف لعصفور يتجرأ
ليهدِّم أعشاش النسر؟
من أين له تلك القوة
ليواجه منفردًا نسرًا؟!
هو لغز لسنا نفهمهُ
فليفهمه أهل العقل
وأولو الأمر
من كل غراب أو نسر
أما نحن
فَلْنبْق جميعًا نتعاون
لننال رضاء أولي الأمر