; رمضان شهر النصر والبطولة | مجلة المجتمع

العنوان رمضان شهر النصر والبطولة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 12-سبتمبر-2009

مشاهدات 70

نشر في العدد 1869

نشر في الصفحة 24

السبت 12-سبتمبر-2009

كان شهر رمضان فاتحة خير على المسلمين أولًا : بنزول الرسالة وصدق الله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥)، وثانيًا: بالنصر على المشركين في بدر، وفي فتح مكة، وغيرهما من الانتصارات التي كانت في رمضان، وأعز الله بها دينه، ونصر عباده المؤمنين، ولذلك كان يقول عنه ابن القيم رحمه الله هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجًا... لم يكن رمضان شهرًا للعبادة بمختلف صنوفها وألوانها وفقط، ولكنه كان شهراً للبطولات والتضحيات أيضا، فلقد حفظ لنا تاريخنا المجيد صفحات مضيئة من البطولات والتضحيات سطرت وقائعها في شهر رمضان المعظم.

 ولا يسعنا إلا أن نفتح بوابة التاريخ لندلف إلى أرجائه نستنشق سويا عبير بطولاته وأريج فتوحاته لعلها تكون سلوى لنا في زمن الانكسار والضياع.. وإذا ذكر رمضان فلابد وأن تذكر معه غزوة بدر الكبرى.. كبرى العلامات المضيئة في شهر الصوم والخيرات، ولم لا؟! فلقد سماها المولى عز وجل بالفرقان.. نعم.. كانت فرقانا بين الحق والباطل بين الهداية والغواية، فرقانا على طريق انتصار الإسلام وذيوع صيته وانتشار دعوته... كانت فرقانا بين عصرين عصر صبرا آل ياسر وعصر الآن نغزوهم ولا يغزوننا، كانت البداية رغبة من المسلمين في توجيه ضربة اقتصادية لقريش عن طريق الاستيلاء على عير القريش كانت راجعة من الشام، لعلها تعوض المسلمين ما تركوه في مكة من أموال وتوجه لقريش ضربة اقتصادية قاصمة لذلك أعلن رسول الله ﷺ قائلا: «هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. 

خرج رسول الله ﷺ ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فلم يعزم رسول الله ﷺ على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة؛ لأنه لم يكن يتوقع هذا الاصطدام الرهيب، أما أبو سفيان قائد عير قريش فقد علم بأمر خروج رسول الله ، فأرسل إلى قريش مستنفرًا لهم، طالبا للعون والنجدة، فاستجمعت قريش قواها في ألف وثلاثمائة رجل، وخرجوا كما قال الله فيهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال)، ولكن أبا سفيان أفلت بالعير وكان من المفترض أن تعود قريش أدراجها، ولكن طاغيتها آنذاك أبا جهل رفض ذلك بشدة وقام في كبرياء وغطرسة قائلًا: والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجزور ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا. انطلق المسلمون كالأسود في قتال المشركين حتى تصاغرت أبطال قريش أمامهم، قال عبد الرحمن بن عوف وكان معي أدراع استلبتها من معركة بدر أي فأنا أحملها، فلما رآني «أمية» ناداني باسمي الأول يا عبد عمرو فلم أجبه لأنه كان قال لي لما سماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن أترغب عن اسم سماك به أبوك؟! فقلت: نعم، قال: الرحمن لا أعرفه، ولكني أسميك بعبد الإله كما تقدم، فلما ناداني بعبد الإله، قلت: نعم.

وعرفت أني المراد بذلك، وعند ذلك قال له أمية هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراعالتي معك؟ قلت: نعم، فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه علي، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، ثم قال لي: يا عبد الإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ أي كانت في درعه بحيال صدره. قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل ثم خرجت أمشي بهما، فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام، فقال بلال رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. فقلت: أي بلال 

أفبأسيري؟ أي تفعل ذلك بهما، قال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا.. وكرر ذلك، فأحاطوا بنا فأصلت رجل السيف (أي: سله من غمده)، وذلك الرجل هو بلال، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلهاقط، فضربوهما بأسيافهم فهبروهما. أبطال النزال والكفاح في سبيل الغايات العظام والأهداف الكبار يقودهم رسول الله. ويحرضهم على القتال والنزال، ويذكرهم بما أعد الله لهم من الثواب الجزيل والأجر العظيم فلماذا لا يكونون أبطالًا كرامًا، وقد قال رسول الله وهو يحضهم على الجهاد والقتال في سبيل الله: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ، وحينئذ قال عمير بن الحمام بخ بخ فقال رسول الله: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال : لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل، وسأله عوف بن الحارث ابن عفراء، فقال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسرًا ، فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. وهكذا فقد سطر الصحابة رضى الله عنهم بطولات رائعة في هذه الغزوة، وأمدهم الله بالملائكة، يقول أبو داود المازني: إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: «اسكت فقد أيدك  الله بملك كريم»، وكان هلاك طاغية قريش أبي جهل على يد شابين من شباب الأنصار، وهما معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعوذ ابن عفراء.

إن بدرًا ستظل منبعا للدروس والعبر.. كلما هل علينا شهر الخيرات.. تذكرناها والأسى يملأ قلوبنا على حال أمتنا تذكرناها.. وتذكرنا عطاء جيل حمل هم الإسلام وسار يبلغه للعاملين..

جيل استعذبوا الآلام واستقلوا البلاءات فنصر الله بهم الدين، وأعز بهم الملة، ورفع بهم راية التوحيد عالية خفاقة.

الرابط المختصر :