; رمضان.. شهر الانتصارات (العدد 865) | مجلة المجتمع

العنوان رمضان.. شهر الانتصارات (العدد 865)

الكاتب عبدالجبار الزيدي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 865

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 03-مايو-1988

ها هو شهر رمضان المبارك يستحث الخطى، يلتقينا بعد أحد عشر شهرًا من غيابه، وإنه لخير غائب ينتظر.. فيجيء محملًا بنفيس الهدايا من الأجر والخير والبركة والإيمان. ولسنا نحن معشر المسلمين في القرن العشرين وحدنا من يشتاق إليه ويحن للقياه.. وينتظره بفارغ الصبر، بل سبقنا إلى ذلك نبي الرحمة ورسول الأمة محمد بن عبد الله - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - حينما كان يدعو بهذا الدعاء فور دخول شهر رجب من كل عام: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان"، ويستمر على ذلك شهرين كاملين وهو يردد هذا الدعاء بين الفينة والأخرى. وما أن يدخل الشهر الكريم حتى يتطلع المسلمون إلى رؤية هلاله، وألسنتهم وحناجرهم تردد بينما الأكف مرتفعة إلى بارئها: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلم والإسلام، والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى". وتثوب النفوس إلى ربها، وتنشط الهمم التي خيم عليها غبار الأيام، وتهيمن على الناس السكينة، وتظللهم بظلالها الوارفة، فما أسعدنا برمضان شهر الخير والبركة، شهر الصبر والقرآن، شهر الله الكريم.

ومن ذا الذي يحصي جوانب الخير ومزايا الفضيلة في هذا الشهر العظيم؟ إن الإنسان يقف مشدوهًا أمام العديد من سماته المتنوعة المستفيضة. ولئن فاتنا أن نحيط برمضان في كل مزية، فلن يفوتنا أن نذكر أنه شهر الانتصارات الظافرة على مدار التاريخ.. وليس عبثًا أن نحط الرحال عند هذه الخصيصة الفذة، لأننا إن كنا بحاجة إلى شيء، فلن تساوي جميع حوائج الحياة الدنيا مِعْشار حاجتنا إلى النصر بعد الهزيمة، والفوز بعد الإخفاق، والغلبة بعد القهر، والعزة بعد الذل، وما أتعس الذل!! لا سيما على النفوس التي رضعت لبان الكرامة.. كرامة الإسلام.

وتعالوا بنا نقلب صفحات التاريخ ابتداءً من غزوة بدر الكبرى، ومرورًا بفتح مكة العظيم، وما توالى من المعارك الظافرة في تاريخنا الزاهر العامر وإلى يومنا هذا.. فماذا نجد في ذلك الأمس العابر؟ إننا نجد - ودونما ريب أو شك - أن شهر رمضان كان شهر الانتصارات؛ لأنه شهر الصبر، وبالصبر تعلم المؤمنون كيف ينتصرون على شهوات البطن والفرج، لأنهم تساموا عاليًا نحو الله - جل جلاله - فسعدوا بمتعة القرب منه - سبحانه - فصغرت عندهم الشهوات الأرضية، وتضاءلت أمام أنظارهم حاجات طالما احتلت من قلوبهم رفيع المكانة، ومن هنا كان مفتاح الصبر بأيديهم.

أجل! لقد ملكوا مفاتيح الصبر؛ لأن من انتصر على نفسه التي بين جنبيه كان على عدوه أقدر، وأعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك؛ لأن عدوك يظهر أمامك بارزًا، فقد تتخذ له العدة، وتستنفر لقتاله شاكي السلاح؛ أما النفس في خفائها.. أما النفس في التصاقها وديمومتها.. أما النفس في إلحاحها، أما النفس في تبريراتها وحيلها.. أما النفس في دعوى نصحها.. أما النفس: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف:53)، فلا يقوى على قهرها إلا من ملك قوة تهزأ بالجبال الراسيات، وهمة عالية تنطح السحاب في عليائها... وما أندر أن يتحقق ذلك إلا للندرة القليلة من الرجال، والذين تربوا في مدرسة الإسلام، فكان لشهر الصيام في حياتهم وسلوكهم النصيب الأوفر والحظ الأكثر.

فلماذا لا يغتنمون رمضان؟ لماذا لا يغنمه المسلمون وهم في الدرك الأسفل من الذل والمهانة؟.. وهل أعظم من أن تتكالب عليهم قوى الشرق والغرب!؟ أنى التفت وأجلت ناظريك تجد المجازر على رقابهم تقوم وتقعد، وفي سبيل تجريدهم من كل ما يعتزون به تنعقد المؤتمرات، ويُدبر الشر في الجلاء والخفاء لهم شباك المكائد. ولو استعرضت التاريخ فلن تجد وضعًا هو أسوأ مما انحدروا إليه الآن، انظر إلى الحروب الطاحنة في أفغانستان وسورية وفلسطين ولبنان والهند والفلبين، وانظر إلى المسلمين في كل مكان، انظر إليهم فماذا تجد؟ لن تجد إلا أن المسلمين هم هدف تلك الحروب الطاحنة، وإذا ما فكرت دول الكفر باجتثاث المسلمين، حلمت بعدئذ بأن تستأصل شأفة العقيدة الحقة، فلا إسلام بدون مسلمين.

ولكن هل يتحقق لهم ذلك؟؟ كلا وألف كلا؛ لأن حقيقة الأمر بعد انجلاء الغبار الثائر تترجم عنها الفكرة القائلة: "لو اقتصر على عشر القوة المسخرة لحرب المسلمين لكي يحارب كل الملل والنحل قديمها وحديثها دفعة واحدة، لما بقي شخص واحد يحارب المسلمين على وجه الأرض، ولصارت أثرًا بعد عين". ونفهم من هذه الفكرة أو الخاطرة أن الإسلام الذي هو دين الله، وأن القرآن الذي هو عماد هذا الدين وكتابه الحق، لن تقوى عليه قوى الشر مهما تآلبت وجمعت فلولها، لأن الله العزيز القهار يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "والله ليتمن الله أمر هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

ألا وإن الزحوف الهادرة من طلائع البعث الإسلامي المتفجر - في كل مكان من بلدان العالم - ليبشر بجدوى هذه الصحوة المتفائلة، وإلى أبعد ما يكون بعد ذلك التفاؤل. وكما قال صاحب "جاهلية القرن العشرين" الأستاذ محمد قطب حفظه الله تعالى: "فبقدر ظلام الطاغوت، بقدر الكفر الحال، بقدر عذابات الناس، سيعود الإنسان إلى الله، سيعود شديد الإيمان". ولا سيما بعد أن جرب العرب كل الأفكار والأنظمة، وأعلنت إفلاسها.. أشد ما يكون الإفلاس، سيجيء دور الرجل المسلم، وسيكون المسلم هو ذلك الفارس المُجلي في حلبة الصراع المقدس، والجهاد الكريم الذي لا ينشد من دنياه إلا العزة والسيادة والمجد لهذا الإسلام الشامخ العظيم.

وأعظم به من غاية تتهاوى دونه كل الغايات الهابطة في الوحل، والغارقة في حمأة الشهوات.. ورب سائل يقول بعد هذا: متى يكون ذلك، فلقد طال انتظارنا؟.. وبدورنا نقول ما قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء:51).

وها هو المناخ الطيب، وهاتيكم الروحانية الشفيفة، وذلكم هو الظرف المناسب: شهر رمضان المبارك المجيد. إذا أراد العاملون المخلصون أن يغتنموا فرصته الثمينة، وقد رجعت النفوس إلى الله، وبسط الشهر على الكون سلطانه، ودحر من بعد السعار شيطانه، ولعل المسلمين يربطون مشاعرهم المضطربة بماضيهم الزاهر، ويستمدون لواقعهم المرير من تاريخهم العامر، ويذكرون لأنفسهم ولأولادهم وهم على انتظار مدافع الإفطار.. أن الله سينصرهم عندما ينتصرون على نفوسهم وشهواتهم، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر:17).. وإن غدًا لناظره قريب.

اللهم - يا رب - أبدل ضعفنا بقوة من عندك، وهزيمتنا بنصر من عندك، إنك نعم المولى ونعم النصير.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 36

109

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

يا معشر.. الشباب

نشر في العدد 77

107

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

مع القراء (العدد 77)