العنوان رمضان شرع لهذا.. قيام الليل
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008
مشاهدات 58
نشر في العدد 1820
نشر في الصفحة 54
السبت 20-سبتمبر-2008
*كان الصالحون من السلف الصالح يداومون على قيام الليل، وكانوا يتواصون على ذلك حتى إذا جاء رمضان كانوا أنشط في قيامه وأحرص.
أنظرت يومًا في صفحات التاريخ والأيام وقلبتها بجد، وتفكرت لحظة فيما حولك بصدق، وقلبت ناظريك في دنيا الناس لترى عن قرب كيف يكون العبيد مع مواليهم؟ وكيف يكد العمال والأجراء ويسهرون في خدمة سادتهم وملوكهم؟
لا يغمض لهم جفن، ولا يهدأ لهم بال، قلوبهم وجلة خائفة من غضبهم، ونفوسهم متعلقة برضاهم وعدم سخطهم، قد يكون عن حب لذواتهم، واستئناس وعز بالقرب منهم، وربما خوفًا من عقابهم، أو تأدية لوظيفتهم التي سيسألون عنها أمامهم، وقد يكون من باب القيام بواجبهم المطلوب منهم، وأداء عملهم المناط بأعناقهم.
أرأيت كيف يحدث هذا في دنيا البشر من الرعية تجاه سادتهم وكبرائهم، وساستهم ورؤسائهم، مع أنهم جميعهم لا يملك بعضهم لبعض نفعًا ولا ضرًّا: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (الفرقان: 3).
ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه المولى والملك الحق ونحن عبيده وعباده، نقف جميعًا على أعتاب بابه محسنُنا ومسيئنا، رئيسنا ومرؤوسنا، صغيرنا وكبيرنا، رجالنا ونساؤنا، فالجميع على بابه خُدام كادحون، وعند أعتابه ضعاف راجون، وأمام قدرته عبيد عاجزون، وعما أمرنا أو نهانا مسؤولون محاسَبون، والكل يبغي منه نظرة رحمة، وحلول نعمة، وجزيل مثوبة، وزيادة أجر. والجميع يرجو مغفرة ذنب، وأمان روع، ونعيم أنس، وساعة حب، هذا للعباد العاملين الذين يشتغلون في الخدمة، قد صدق فيهم قول القائل:
لله قوم أخلصوا في حبه
فرضي بهم واختصهم خدامًا
قوم إذا جن الظلام عليهم
باتوا هنالك سجدًا وقيامًا
أما غيرهم من اللاهين العابثين المهملين المقصرين اللاعبين المسوّفين، فإنهم لا شك مُبعدون محرومون، ومساءَلون معاقبون، إلا أن يتوب الله عليهم فيتوبوا.
الناس في رمضان أصناف
وساعات الليل في شهر رمضان تشهد كل ذلك؛ فالناس فيها أصناف: فهم بين عامل مغتنم أو مفرط مضيع، والعمال فيها بين ساع مجتهد، أو لاهٍ كسول، وهي ساعات مباركات تفيض بكل خير في العاجل والآجل، لذا فإن عباد الله المخلصين يجدون في لياليه بغيتهم فلا يقصرون، فها هم جموع المصلين قد التحمت صفوفهم، وتساوت أقدامهم، وتحاذت مناكبهم.
يصلون لله عز وجل في بيوته العامرة بصلاة الخاشعين، فيحيون ليلهم بصلاة التراويح التي امتاز بها الشهر الفضيل، ثم يصلون في بيوتهم ما شاء الله ما يكون سرًّا بينهم وبين مليكهم العظيم، يتوددون إليه بذلك ويطلبون رضاه عنهم، وإن كان قيام الليل سنة مؤكدة في غير رمضان، فهو في رمضان أسن وأكد، ولمَ لا وهو شهر تنزل الرحمة، وحلول الرضا، وفيض النور، وموسم الخير، ثواب العاملين فيه أعظم، وتجارتهم أوفى وأربح.
«قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا»
لقد أمر تعالى رسوله ﷺ بقيام الليل، فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: 1-2).
قالت عائشة رضي الله عنها: فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام ﷺ وأصحابه حولًا، وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أنزل أول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها نحو سنة.
وقد حثنا النبي ﷺ على قيام الليل، فقال ﷺ: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل» (النسائي). ورغَّب فيه، فقال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد» (أحمد).
ومدح الله عباده الصالحين الذين يحيون ليلهم بالذكر والعبادة والسجود والصلاة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان:64)، ووصفهم بالعبودية لملكهم الرحمن، إذ تتجافى جنوبهم عن المضاجع لتركهم الاضطجاع للنوم شغلًا بالصلاة وقيام الليل، فقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (السجدة: 16).
وسماهم محسنين لأنهم قائمون مستغفرون، فقال عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذريات: 17-18). قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا. وقال مجاهد: قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح يتهجدون. وقال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدُّوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر.
وهم القانتون الساجدون، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9)، لذا فهو عز وجل ينظر إليهم ضاحكًا راضيًا عنهم متعطفًا عليهم، كما قال النبي ﷺ: «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل إذا قام من الليل يصلي...» (أحمد).
أعظم وأشرف ليلة
ولما كان شهر رمضان موسمًا للعبادة والتقرب إلى الله تعالى، كان لقيام ليله ثواب عظيم، وأجر مضاعف، قال ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (البخاري). كما أن فيه ليلة جليلة القدر، إذ تنزل فيها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).
وقيام هذه الليلة قد يساوي قيام العمر كله أو يزيد. ومن هنا اغتنم الصالحون كل لحظة في العشر الأواخر من شهر رمضان في القيام، والذكر، والدعاء، والتسبيح؛ عسى أن يوافقوها فيفوزوا الفوز الأكبر.
ومن هنا سَن رسول الله ﷺ لنا صلاة التراويح في ليالي رمضان وصارت سنة مؤكدة، وكان من هديِه أن يصليها كل ليلة. قالت عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» (البخاري).
فرصة للتعود على القيام
لقد كان الصالحون من السلف يداومون على قيام الليل حتى إذا ما جاء رمضان كانوا أنشط في قيامه وأحرص، فكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا هدأت العيون قام فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح، وكان «عبد العزيز ابن داود» إذا جن الليل يأتي فراشه فيمر يده عليه ويقول: إنك للين ووالله إن في الجنة لأليَن منك، ولا يزال يصلي حتى يصبح. وكان «طاوس» يرحمه الله إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة، ثم يثب ويصلي إلى الصباح، ثم يقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين.
وكانوا يتواصون على ذلك وهم يعرفون أنه يحتاج إلى مجاهدة كبيرة، كما قال «الحسن» يرحمه الله: ما نعلم عملًا أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال، فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره. كما أنهم بقلوبهم الطاهرة ونفوسهم العالية لا يتصورون أحدًا ينام ليله كله من غير أن يحيي بعضه بصلاة وذكر، بل يعدونه من المحرومين، كما قال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم، وقد كثرت خطيئتك.
أما نحن الآن فقد شغلتنا أمور دنيانا عن قيام الليل إلا من رحم الله، ولكن بفضل الله فإن أمامنا فرصة طيبة للتعود على القيام والتدرب عليه في مدرسة رمضان، لنعود بعده إلى سالف عهدنا تأسيًا برسول الله ﷺ الذي كان يقوم حتى تتورم قدماه الشريفتان، واتباعًا لما كان عليه أصحابه والتابعون من بعده.
وصايا ذهبية
- إذا أردت ذلك فخذ بأسبابه واعقد العزم، وأخلص النية، واطلب من الله العون.
- تذكر أمام مَن ستقف، ومع من تتناجى، واملأ قلبك بحب ربك العظيم، تتلذذ بالوقوف بين يديه، ولذلك قيل: إن لذة المناجاة ليست من الدنيا، إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم.
- طهر قلبك من الشرك، والكفر، والغل، والحسد، والشحناء، والعداوة، وأقبل على الله في صلاتك بقلب سليم، واعلم «إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» (مسلم).
- قدّم بين يديك توبة صادقة وعملًا صالحًا، واستعن بنوم القيلولة إن أمكن، ولا تجهد نفسك في العمل أو السهر بلا حاجة أو ضرورة، واعلم «أن شرف المؤمن قيامه بالليل» (الحاكم).
- لا تُدخِل في جوفك طعامًا حرامًا؛ فإن ذلك مانع وحاجز لك عن الطاعات، ولذلك قال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر، وعلى أي شيء تفطر، فإن العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه عما كان عليه ولا يعود إلى حالته الأولى، فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل.
- احذر الشبع وامتلاء المعدة حتى لا تثقلك عن القيام، فقد كان «لقمان الحكيم» يقول لولده: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة.
- احذر الذنوب والمعاصي، فإنها سد منيع يقف في وجه الخير. قال الحسن: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل. وقال له رجل: إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعدَّ طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.
ولذلك قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل أكلة، أو يفعل فعلة، فيحرم بها قيام سنة، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات.