العنوان رمضان تونس.. حرية العبادة دون قيود الاستبداد
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1966
نشر في الصفحة 26
السبت 20-أغسطس-2011
- الثورة أنهت عسكرة «بيوت الله » على مدى خمسة عقود
- الشوارع خلت من ممارسات الاضطهاد الممنهج.. والقنوات التلفزيونية تركز على البرامج الدينية
- تغيرت ملامح كثيرة وبخاصة داخل المساجد التي انتعشت روحيا واستؤنفت فيها الدروس الدينية
- العائدون من الخارج يساهمون في توعية المواطنين وتبصيرهم بأمور دينهم بغض النظر عن تخصصاتهم
يختلف رمضان هذا العام في تونس عن غيره من الأعوام، فلأول مرة يشعر التونسيون بالحرية في أداء ع1باداتهم دون وصفات جاهزة ودون مصادرة لحق الاختلاف، حتى أن البعض اخترع اسم «الإسلام التونسي» في الحقبة الدكتاتورية التي امتدت لأكثر من خمسين عاماً، وكانت امتدادا لعهد الاحتلال. وسمى آخرون ذلك التنميط المريب وعملية اختطاف الدين وتمييعه وتطويعه «المقاربة التونسية»، ولم يكن ذلك سوى فلسفة للاستبداد والبحث له عن مشروعية مزيفة تحت أسماء منمقة.. فمنذ بداية الاحتلال الفرنسي للبلاد عام ۱۸۸۱م، تعيش تونس في نكد مركب بسبب التدخل المباشر في عقائد الناس وسلوكياتهم تحت لافتة العلمانية .
يتوجه التونسيون إلى المساجد في رمضان بعد الثورة دون خوف من الإيقاف في الشوارع وعلى أبواب المساجد التي تمت عسكرتها على مدى يزيد على نصف قرن فيسأل المصلون وبخاصة الشباب الملتحين عن هوياتهم، بينما كانت الكثيرات من المحجبات يقضين فترة صلاة التراويح في أقسام الشرطة للتوقيع على تعهدات بعدم ارتداء الحجاب، وكثيرا ما كان يتم إشراك الأسرة في ذلك الاضطهاد؛ لأن المرأة لم تكن تتمتع بالحق في اختيار نوع الحرية التي تؤمن بها، وهي قاصر ويجب أن تخضع للهيمنة والوصاية إذا اختارت الإسلام والالتزام بدينها الحنيف!
لقد خلت من شوارع تونس وطرقها عمليات الاضطهاد الممنهج، الذي وصل إلى إنزال المواطنين من الحافلات والسيارات ونقلهم إلى مراكز الشرطة إذا كان على ملامحهم سمات التدين، وكان يتم التدخل في حريتهم الشخصية، فيسألون عن اللحية وعن الحجاب وعن طريقة اللباس وحتى نمط التفكير .. وبدا ذلك اليوم من مخلفات الماضي الأليم، وممارسات هي في الأساس محاولة لإشغال الرأي العام بمسائل أبعد ما تكون عن القضايا الأساسية التي يجب أن تشغل الحكومات والرأي العام، وهي عمليات البناء والتشييد والتنمية والعدالة والحرية والتنافس في نفع البلاد والعباد. وكانت محاولات بائسة، حيث يشهد التاريخ أن الاضطهاد لم يقض على دعوة أبدا، بل كان ذلك إيذانا بصعودها ونصرها.
المساجد
لم تنعم المساجد بالحرية طوال خمسة عقود، وفي أول رمضان بعد الثورة، تمتلئ المساجد في تونس بالمصلين، وينشط الدعاة دون خوف من النظام الاستبدادي البائد ودون خوف من المنع والاعتقال، وأذكر أنه في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبعد خروجي من السجن، وصلني تهديد مباشر بأني سأعود إليه إذا واصلت الدروس بالمساجد كما وصلني استدعاء إلى مقر الشرطة ولكن بدل الذهاب إليهم توجهت إلى المطار ولم أعد سوى عام ۱۹۹۱م، ثم ما لبثت أن تركت ،تونس، وعندما قدموا لاعتقالي كنت قد غادرت البلاد ولم أعد إليها سوى بعد الثورة.
لقد ساهم العائدون من الخارج في عمليات التوعية وتبصير الناس بأمور دينهم بغض النظر عن تخصصاتهم، فمنهم الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والإعلامي .. كما تنفس من ظلوا واقفين على الجمر الصعداء واستأنفوا نشاطهم داخل المساجد، ولا يخلو مسجد من داعية يعلم الناس دينهم طوال شهر رمضان المبارك.
تغيرت ملامح كثيرة في أول رمضان في تونس بعد الثورة، ولا سيما داخل المساجد التي عادت إليها الروح، واستؤنفت فيها الدروس الرمضانية وغيرها، كما تواصلت فيها حلقات تحفيظ القرآن للكبار والصغار ... وأصبحنا نرى ونسمع عن معسكرات الحفظ سورة البقرة، وأجزاء من القرآن الكريم، في إطار سعي دؤوب لحفظ القرآن الكريم كله وما كان ذلك ليتسنى لولا فضل الله تعالى، ثم الثورة التونسية التي فتحت آفاق التغيير في البلاد العربية، وأصبح الحلم حقيقة.
وسائل الإعلام
رغم أن وسائل الإعلام في مجملها لم تتطهر كليا من رجز الماضي، ومن محاولات ربط رمضان بالفوازير والمسلسلات والحفلات والسهرات، فإن هناك تغييرات واضحة من بينها ظهور مشايخ ملتحين على القنوات وكان ذلك ضربا من المستحيل قبل الثورة وبعض المشايخ أطلق لحيته بعد الثورة...
كما شاهدنا على إحدى القنوات الشيخ المحامي «عبد الفتاح مورو» - أحد قيادات حزب حركة «النهضة» - يلقي درساً رمضانياً بعد الإفطار مباشرة، وقد أثار ذلك حفيظة الحرس القديم فأصدروا بيانا يدينون فيه «خلط الدين بالسياسة»، ونسي الأشقياء أن الدين والسياسة لم يتفرقا أبدا، ولم يترك أحدهما الآخر حتى في أحلك الخصومات المفتعلة في التاريخ بينهما، بما في ذلك الثورة الفرنسية التي اختلقت دينها الخاص بها «عبادة العقل»!
ولا تخلو قناة تلفزيونية من برنامج ديني كما تم تفعيل «إذاعة الزيتونة» التي أصبحت أكثر فعالية بعد الثورة، ولا سيما في رمضان المبارك.. وكثيرا ما تستضيف علماء من الجمعية «التونسية للعلوم الشرعية»، وهي جمعية فتية أسست بعد الثورة لمواجهة حالة «التصحر الديني» التي خلفتها سنوات القحط الثقافي بفعل مشروع تجفيف الينابيع الذي اضطلع به «بورقيبة» وخلفه المخلوع «بن علي» على مدى أكثر نصف قرن.
الأسواق
تعلم الناس من نفور الطيور من الطعام إذا أحست بخطر الأسر أن «الحرية قبل الخبز»، ولكن أول ما تطلبه المخلوقات بعد الحرية هو الخبز، والإنسان لا يعيش بالخبز وحده كما نقل عن المسيح عليه وعلى نبينا السلام، ولكنه لا يستطيع العيش بدون خبز ... لذلك، كان الإسلام وسطا بين روحانية زائفة ومادية مجحفة، فالتمحور حول المادة ليس هو الأسلوب الطبيعي؛ إذ إن الإنسان روح ومادة وما جاوز الحد انقلب إلى الضد، وكانت تلك قصة اليهودية والنصرانية المحرفتين. بعد الثورة شعر التجار الذين كانوا يتعرضون للابتزاز بالحرية، فلم تعد تسلط عليهم المخالفات المجحفة، ولكن بعضهم لم يستشعر نعمة الثورة فظلوا في طغيانهم يعمهون.
في أول رمضان بعد الثورة، لم نشهد أزمات مفتعلة كافتقاد البطاطس على سبيل المثال أو غيرها من الخضر والغلال كما كان الحال سابقا، رغم ضغط الحاجة لدى الإخوة الليبيين الذين يتزودون بحاجياتهم من المواد الغذائية من تونس.. لكن الفقر لم يتغير وزادته حالة الانفلات على عدة مستويات ولا سيما السياسية منها ضراوة، إضافة إلى هروب الكثير من رؤوس الأموال الخاصة بالأجانب الذين استغلوا العمال طويلا وكانوا يعاملونهم كالرقيق، وعندما طالب العمال ببعض حقوقهم بعد زوال الدكتاتورية التي کرست المهانة على جميع المستويات هددوهم بإغلاق المصانع أو أغلقوها فعلا وفروا في جنح الظلام.
ويتساءل المرء عن غياب المؤسسات الخيرية الإسلامية عن الساحة التونسية للمساعدة في توفير الحاجيات للطبقات الفقيرة؛ حيث تبلغ نسبة الفقر المطلق في تونس %۱۱ حسب الإحصاءات الرسمية وهناك إحصاءات تحدد نسبة الفقر في تونس بـ ٢٤.٥%، ونسبة الفقر المدقع تصل إلى %٥٣.
كما يتساءل كثيرون عن غياب مؤسسات التمويل الإسلامي المشاريع الإنتاج الربحية سواء في قطاع الصناعة أو الزراعة، وبما أن أهم ما يوجد في الريف هو الزراعة، فلا بد من أن تساهم في توفير الأيدي العاملة والعيش الكريم لسكان الأرياف، وتساهم بالتالي في التخفيض من نسبة الفقر وزيادة المساهمة في تحسين اقتصاد البلاد.
إن الإسلام الذي جاء بالصلاة وقيام الليل والحج والذكر والأخلاق الحميدة والكلمة الطيبة، جاء أيضا بالزكاة والصدقة والهبات فالزكاة والصدقة والمال عموما قوام الأعمال، ولا يستقيم زرع الآخرة على مستوى الدنيا (المشروع الحضاري) بدونه، فيا لها من حرية لو كان لها تمويل!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل