العنوان رمضان بين بغاة الخير وبغاة الشر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995
مشاهدات 73
نشر في العدد 1138
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 14-فبراير-1995
يأتي رمضان فيملأ النفوس المسلمة بنشوات إيمانية، ويعيش الأفكار
المؤمنة في سبحات قرآنية، ويمد القلوب التقية بإشعاعات ربانية تكشف لها عن تجليات
العطاءات، وترشدها إلى مواطن النفحات والقربات، فتجعله رباني السمات، ملائكي
النزعات، طاهر القلب، نقي الفؤاد، عظيم السمات، رطب اللسان بذكر الله، قريب الروح
بمولاه، إذا دعاه فهو قريب، وإذا ناداه فهو مجيب، يلهم الدعاء المطلوب، ويوجه إلى
النداء المرغوب، فينطلق اللسان بما يوافق جلال الله، ويلهج الفؤاد بما يليق بمقام
القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، وتشعر النفس بهيبة الحي
القيوم الخالق البارئ المصور، وتتضاءل الإنسانية في طينتها، وتحس بحماقتها وضعفها
وفقرها واستسلامها وذلها، فتضرع إليه سبحانه؛ ليغفر الذنب ويجبر الكسر، ويرحم
الضعف، قائلة: "أسألك سبحانك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي أن
تغفر لي، أسألك بغناك عني وفقري إليك، أن تجبر كسري، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة
بين يديك، فاعف عني، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا
إليك، أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف
الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عينه، وذل لك قلبه، أسألك
بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم
الغيب عندك، أن تغفر لي ذلتي، وتتجاوز عن هفوتي يا أرحم الراحمين ويا غياث
المستغيثين، كم ذنب سترته وأنت مطلع عليه، وكم زلة لم تفضحها وأنت مشاهد لها
وناظر، وأنا من جهلي جنيت، وظننت ألا رقيب، وأنت بصير وعليم ومطلع، والآن قد عاينت
جلالك واستبنت علاك، فاغفر لي".
يا مدرك الأبصار والأبصار ** لا تدري له ولكنهه إدراكًا
أتراك عين والعيون لها مدى ** ما جاوزته ولا مدى لمداكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني ** في كل شيء أستبين علاكا
كم عرف أقوام الحقيقة فالتزموا، وعاينوا الجلال فاجتهدوا، وفطنوا إلى
غرور الشهوات والسقطات فاقتلعوا وانزجروا، والتفتوا إلى الباقيات الصالحات فغنموا
وسعدوا، وأيقنوا بالآخرة والعاقبة ففازوا وبلغوا، فكانوا عباد الرحمن النجباء
وأولياء الله الفطناء، وصدق من قال:
إن لله عبادًا فطنًا ** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ** أنها ليست لحي وطنًا
جعلوها لجة واتخذوا ** صالح الأعمال فيها سفنا
فكان هؤلاء هم عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، وأولياء الله
الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والربانيون الذين يعلمون الكتاب ويبشرون
بالخير، تنجلي بهم كل فتنة عمياء، وتنقشع بهم كل كارثة ظلماء، مثلهم في الناس كمثل
الفردوس في الجنة، وكالشمس في الليل البهيم.
عن النعمان بن حميد يقول: "دخلت مع خالي على سلمان الفارسي
بالمدائن، وهو يومئذ واليًا عليها، فرأيته يعمل الخوص"، فسمعته يقول:
"أشتري خوصًا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهمًا فيه، وأنفق
درهمًا على عيالي، وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت".
وعن عبد الله بن بردة - رضي الله عنه - قال: "إن سلمان الفارسي -
رضي الله عنه - وهو والٍ على المدائن، كان يعمل بيده، فإذا أصاب شيئًا اشترى به
طعامًا، ثم يدعو الفقراء والعجزة فيأكل معهم"، هؤلاء هم العباد الذين هدى
الله بهم، وأصلح بأعمالهم، هؤلاء هم الذين عفوا عن أموال الناس وأعراضهم، واشتغلوا
بما يرضى الله لا بما يرضي الشهوات، وكانوا عبيدًا لله لا عبيدًا للكافرين
والضالين، وانتفعوا بالنفحات والتجليات والآيات، ولم يكونوا حربًا على أموال الناس
وأعراضهم ودمائهم، وساسوا الناس فكانوا خدامًا لهم وهم أئمتهم، ورحمة لهم وهم
سادتهم، ساسوا الناس بالعدل والمعروف، وجعلوا الدنيا في خدمة أهدافهم وغاياتهم؛
نفع الناس وسيادة الهداية والعدل والمعروف.
أما الذين يطوف بهم رمضان فلا ينتفعون بنفحاته، ولا يرتشفون من
عطاءاته، فهم الملعونون الذين عناهم الرسول – صلى الله عليه وسلم – بقوله:
"لعن من أدرك رمضان فلم يغفر له"، فانظر - رعاك الله - إلى سجون أقوام
كيف امتلأت ظلمًا في رمضان، وإلى أموال الناس وأعراضهم وحرماتهم ودمائهم كيف
استبيحت في رمضان وغير رمضان، وكيف أبيحت الشهوات في رمضان، وأطلقت الخبائث كأشد
ما يكون في رمضان؟!
وكيف سرحت شياطين الإنس
وزبانية الإفك وجلادو البغي يتجسسون على الناس، ويروعون الآمنين، ويراقبون
المصلين، ويمنعون المعتكفين، ويمتهنون الركع والسجود في بلاد كثيرة إلا من رحم ربك
في رمضان؟! فهل هذا من بركات رمضان؟ أم أنها اللعنات التي تصب على الأمم صبًا،
والكوارث التي تمزق الأمة تمزيقًا وتذهب بها وتفنيها؟ أم أن هذا من سياسات الملك
الصالح والأمم الناهضة؟ وهل هذا تصلح به أمة ويستديم به ملك، وهو مخالف لحكمة الله
وسنن الحياة؟
أعطيت ملكًا فلم تحسن سياسته ** وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسًا ثوب النعيم بلا ** شكر عليه فعنه الله ينزعه
فهل نتوب في رمضان، ونسلك درب الصالحين ونهج الفالحين، ونعمل عمل
المتقين؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل