; رمضان بين الماضي المجيد.. وَالواقع الهزيل.. وَالمستقبل المشرق | مجلة المجتمع

العنوان رمضان بين الماضي المجيد.. وَالواقع الهزيل.. وَالمستقبل المشرق

الكاتب أبو الوليد

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

مشاهدات 75

نشر في العدد 221

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

أشرق الوجود بما فيه.. وفتحت أبواب السماء.. وازينت الأرض بحلة قشيبة وهبت على الكون نسمات ربانية عطرة تمثل بعض ما في شهر رمضان من الخير والبركة.. فقد أقبل رمضان ليفيض على الوجود من خيره وعطائه.. فتجاوبت معه السموات والأرض والملائكة والبشر.. والحجر والشجر.. كل يلهج بذكر الله: حمدًا و تسبيحًا وتكبيرًا.. فنشأ عن ذلك كله أجمل قربى في أعظم شهر في أروع مناسبة. وإني لألمح الفرحة مرتسمة على الوجوه ترحب بالشهر المبارك.. وهي فرحة تبعث الانشراح في ظاهرها.. غير أن دوافع هذه الفرحة قد تباينت واختلفت في أذهان الناس وتصرفاتهم.. إن الناس يغشون الأسواق والمتاجر لابتياع ما لذ وطاب من المأكل والمشرب وكأنما هي فرصة سانحة لأمثال هؤلاء- وهم الاكثرية للأسف- كي يشبعوا غرائز الجوع والعطش بينما هم في شغل شاغل عن ربهم ودينهم، وعن المعاني السامية المستوحاة من الفريضة العطرة... والشهر المبارك. يا لها من صورة غريبة لمجتمع يدعي أهله الإسلام!! صورة لا تمثل جوهرًا بل ولا مظهرًا للحقيقة.. وإنما هي دعاوى زائفة لا تحفل إلا بالقشور.. وذلك ولا شك زيف وخداع! وبينما العين تبصر الواقع الأليم.. وتذرف الدمع السخين.. والقلب تدميه الجراح.. يعود بي الذهن إلى قرون خلت.. لأتتبع الرعيل الأول والصفوة المختارة في استقبالها للشهر المبارك.. فأرى وجوهًا مشرقة باسمة.. وعيونًا يلح فيها الرجاء وصدق العزيمة.. وآذانا ترهف السمع إلى نداء ربها.. وألسنة تلهج بذكر الله.. وقلوبًا قد وصلت ما بينها وبين الله.. إنما هي العبودية الطلقة والحب والصدق.. أراهم يصولون في ميدان الحرب صولة ملؤها العزيمة والقوة.. و العزة والاستعلاء.. وقد حمي الوطيس.. حتى لتكاد الأرض تتفطر من تحتهم ليولد في العالم نصر رائع أحرزته القلة المسلمة أمام الكثرة الكافرة في معركة بدر الكبرى. ذلك حدث.. وما في الأمر من عجب.. فقد كان نهارهم جهادًا باسم الله.. وليلهم قيامًا وركوعًا وسجودًا.. قد غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة.. والوجود من حولهم يشاركهم.. فهو ساكن هادئ يسبح بحمد الله.. وأفقت من سبحاتي عبر الماضـي المجيد لأجد نفسي أمام الواقع الهزيل!! ترى.. هل أجد فيه غيضًا من فيض الماضي.. أو نسمة من نسماته؟ هل للشجرة الباسقة في روعتها وعظمتها أن تتحفنا بغصن من أغصانها أو ثمرة من ثمارها؟!! ها أنذا ألمح من بعيد أنوارًا خافتة تحاول هتك حجب الظلام وهي تستمد جذورها من جوهر المجتمع المسلم الحق الذي ترتئيه في أفئدتها بعد أن عايشه سلفنا الصالح في عالم الواقع وتستهويني نسمات هذه الأنوار وتدفعني للدنو منها.. وكلما ازددت قربا منها شعرت بمزيد من السكينة والأمان وكأني بملائكة الرحمن تحف بي.. حتى إذا ما انتهيت إلى موضع النور أحسست بفيض من الرحمة والسكينة يغمرني مما يغمر به أرجاء هذه البقعة التي اصطف فيها شباب عفيف طاهر قد رغب بنفسه عن زحمة المفاسد والرذائل.. وأتى إلى هنا عابدًا متنسكًا.. وقد خلع نفسه من رتعة هذا الضلال الطاغي الذي بت أواصر الصلة بالله ووضع هذا الشباب نفسه في الجو الأرحب حيث يستمد زاد التقوى والصبر.. وزاد العزة والعزيمة.. لينطلق بعد ذلك نورًا يهدي في المجتمع.. ينتشله من حمأة الجاهلية ويرسم له معالم الطريق.. عند ذلك أيقنت أن نصر الله آت وأن المستقبل المشرق في الأفق إذ إنني قد لمحت في وجود أولئك الفتية صورة الغد الباسم ورأيت في عيونهم الفجر المنتظر.. والهدف المنشود!! أبو الوليد- الكويت
الرابط المختصر :