العنوان رمضان المغرب: صلوات وتلاوة وعمل تطوعي
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015
مشاهدات 114
نشر في العدد 2085
نشر في الصفحة 24
الأربعاء 01-يوليو-2015
صلاة التهجد أضحت سلوكاً راسخاً في المدن والبوادي المغربية
الإقبال على المساجد وصلاة التراويح والعكوف على المصاحف وكثرة الصدقات.. أبرز المظاهر الرمضانية بالمغرب
الأجواء الاجتماعية لشهر رمضان تجعل الكثيرين يُقبلون على المساجد
معتنقو الإسلام من الأجانب يزداد عددهم في رمضان متأثرين بأجوائه الإيمانية
رمضان شهر العودة إلى الله والانطلاق نحو تغيير منشود فيه يزرع المرء ما يود حصاده في العام
المدارس القرآنية العتيقة والمنتشرة في البوادي المغربية تحرص على زيادة وتيرة قراءة القرآن
يتميز شهر رمضان المبارك في المملكة المغربية بأجواء إيمانية خاصة، وتتغير العادات اليومية للمغاربة في هذا الشهر الفضيل، حيث يجتهد الكثير من الرجال والنساء والشباب، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، في قضاء فترات من الليل في المساجد وفي المعتكفات، وفي حين يفضل بعضهم أداء صلاة التراويح في أول الليل بعد صلاة العشاء لارتباطهم بمهام مهنية، يقصد آخرون المساجد في آخر الليل من أجل صلاة التهجد التي أضحت سلوكاً راسخاً في المدن والبوادي المغربية.
وتستقطب المساجد التاريخية الكبرى مثل مسجد الكتبية بمدينة مراكش، وأخرى جديدة مثل جامع الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء مئات الآلاف من المصلين في هذه الليالي الرمضانية بقرائها المتميزين، وأيضاً بمساحاتها الواسعة والتنظيم الجيد، كما تتحول بعض الساحات العمومية وملاعب كرة القدم في مدن أخرى إلى فضاء للعبادة خلال رمضان لتزايد أعداد المصلين خلال هذا الشهر الكريم، كما أن العديد من المساجد الصغيرة تعرف أيضاً حالة من التحول الجميل في رمضان، وتبرز فيها معاني الأخوة والتضامن وتتزين بزي خاص جميل لاستقبال المصلين.
ويقول الداعية المغربي محمد عبدالوهاب رفيقي، المعروف بـ"أبو حفص" في حديث لمجلة "المجتمع": إن من أبرز المظاهر الرمضانية في المغرب الأجواء الروحانية التي تطبع هذا الشهر، والطابع الإيماني الذي يطغى عليه، إقبال الناس على المساجد وأجواء التراويح والعكوف على المصاحف، وكثرة الصدقات وهي مناظر مبهجة تسر العين والقلب، دون أن ننسى اجتماع الأسر وتكافلها والتئامها في جلسات يومية أصبحت تنقرض يوماً بعد يوم بفعل وتيرة الحياة المتسارعة.
شهر الألفة والتواصل
الإقبال المكثف للمصلين في رمضان يفسره أحمد محمد السالم، باحث في علم النفس الاجتماعي، بالقول: إن الأجواء الاجتماعية التي يوفرها شهر رمضان، تجعل الكثير من المصلين يقبلون على المساجد، إذ يجدون فيها ذاتهم ويرجعون بها إلى صورتهم الاجتماعية الأصلية، ويضيف أن المناسبات الدينية هي فعلاً مناسبة لتصفية الخواطر، وتنقية النفوس من الأحقاد، كما هي مناسبة للتواصل الفردي والجماعي.
ويوضح أن أداء نفس الشعائر في نفس الوقت ونفس المكان يشعر المرء بالانتماء إلى الجماعة، وهو شعور قد يفتقده في أماكن أخرى وأوقات أخرى.
ويقول يونس الزهير، الناشط الإعلامي والطلابي: إن رمضان هو أعظم فرصة للتغيير والانطلاق نحو النجاح، سواء تحدثنا على تغيير الأوطان وحال الأمة والتقدم بها نحو نهضة حضارية واسترجاع مكانتها في مقدمة الأمم، أو تحدثنا عن التغيير الفردي والذاتي الذي هو أساس التغيير الأول.
وأشار إلى أن رمضان شهر تحسين وتجويد العلاقات، وتصالح وطي صفحات الماضي لبداية جديدة عنوانها الصفاء والنقاء والوفاء، بداية بعلاقة الإنسان مع ربه، فهذا شهر مغفرة ورحمة وعتق من النار، وفرصة للتعاون الجماعي على الطاعة، وكذلك علاقة الإنسان بالإنسان بداية بالأرحام ثم الصحب والزملاء فعموم المعارف.
قراء رمضان
ويتنافس المصلون في البحث عن مقرئين متميزين ومساجد عتيقة يجدون فيها أثر الصالحين الأولين، كمسجد "الكتبية" بمراكش الذي بني في عهد دولة المرابطين، ويؤم المصلين فيه خلال التراويح المقرئ وديع شكير، وهو من أشهر القراء المغاربة، إلى جانب المقرئين عبدالرحيم نبولسي، وعمر القزابري.
ويقول الشيخ شكير لـ"المجتمع": أستعد لرمضان وتراويحه شهراً قبل بدايته، إذ آخذ إجازة من عملي، وذلك لتلاوة القرآن الكريم ومراجعة الحفظ، ومراجعة الحزب اليومي، ولا أشغل نفسي بكثرة أو قلة حضور المصلين ورائي، فأن يصلي وراءك صف واحد ويتقبله الله خير من مائة صف ولا يقبلها منك.
وفي شهادة عن القراء وأئمة التراويح بمختلف المساجد يقول شكير: وأنا أعترف للقراء أنهم يضحون بالكثير من أجل القرآن الكريم، ففي الوقت الذي يتنعم الناس بملذات الأكل بعد الإفطار، يسعى القراء إلى التخفف من ذلك، كما أني أراجع الحفظ في سيارتي وفي طريقي من العمل إلى المنزل، وهذا حديث كل الحفاظ والقراء طيلة السنة، وبالخصوص في رمضان.
الاستعداد للشهر الفضيل
أما الاستعداد لرمضان عند الداعية المغربي محمد عبدالوهاب رفيقي (أبو حفص)، فله جوانب متعددة، منها استعداد نفسي باستحضار فضائل هذا الشهر ومعانيه والتهيؤ لعباداته، واستعداد فكري بحكم أني أقدم برنامجاً إذاعياً، فأحتاج لتقديم مادة مختلفة خلال شهر رمضان تتناسب مع الأجواء التي ترافقه، ثم استعداد مادي بحكم الأعراف التي تجعل من رمضان موسماً لإعداد أنواع خاصة من الطعام.
ويقول الباحث الاجتماعي كمال أحود: إن لرمضان في المغرب سمة مميزة، تبدأ قبل ثبوت رؤية الهلال ثبوتاً شرعياً، إذ يتحول صانعو الإسفنج المغربي إلى صناعة الحلوى الشباكية، وأصناف أخرى من الحلويات، المرتبطة بهذا الشهر الفضيل.
ويضيف الباحث الاجتماعي: ولا تخطئ العين في أحياء ودروب المدن العتيقة علامات رمضان، فالصبية يتسابقون بأواني الدقيق إلى المخابز للتحميص، وباتجاه الأسواق ترى واحدة من الأدوات التي ترتبط برمضان ارتباطاً وثيقاً وهي "المغرف" الخشبي، وهي الأداة المفضلة لدى المغاربة عموماً لشرب الحريرة (نوع من الشوربة).
وأوضح أنه عندما يُعلن عن ثبوت الرؤية، يجوب صاحب النفار (آلة موسيقية نفخية نحاسية) دروب المدينة إعلاناً بحلول رمضان، ومن عادته أن يتلقى الصدقات من الناس وهو يبارك لهم حلول الشهر الفضيل، وفي تلك الليلة الأولى، لا ينام الأطفال، ويتسامرون في الدرب إلى أن يحين وقت السحور، خاصة عندما يكون رمضان صيفاً.
ويواصل أحود قائلاً: من الأمور الأخرى التي ترتبط برمضان باعة الحبوب المختلفة القمح بنوعيه الصلب والطري والشعير، وهي غالب قوت أهل المدينة وهي زكاة فطرهم، وتعج ساحة "الرحبة القديمة" بلعب الأطفال منذ ليلة النصف من رمضان، وهو ما يضفي على الساحة حركة عجيبة، ويضفي الصبية بألعابهم المختلفة على أيام رمضان الأخيرة مسحة من الفرحة والبهجة، تزداد مع تسارع الآباء إلى الأسواق لاقتناء ملابس العيد لأطفالهم.
اعتناق الإسلام
ومما يلفت الانتباه خلال هذا الشهر المبارك، تزايد المعتنقين من الأجانب للإسلام، متأثرين سواء بالأجواء الإيمانية، أو ببحثهم في حقيقة الإسلام، أو في مخالطتهم لبعض المغاربة المتدينين، وقد سجل مسجد واحد خلال الأيام الثلاثة الأولى من هذا الشهر الكريم لهذه السنة إعلان اعتناق الإسلام لحوالي 6 أجانب في مسجد واحد من جنسية فرنسية وأمريكية وإيطالية وبلجيكية، وفي كل مرة وحسب ما عاينته "المجتمع" يتم تلقين الشهادتين للمعتنقين الجدد وسط تكبيرات المصلين على يد إمام المسجد، ويعبر هؤلاء عن سعادة لا توصف بدخولهم للإسلام وسط أجواء روحانية كبيرة، وتتنوع أسباب اعتناقهم الإسلام بين ما هو اجتماعي أو عائلي لكن البحث عن الأمان الروحي يبقى أهم هذه الأسباب، حسب ما يصرح به الكثيرون منهم.
العمل التطوعي
ولا يفوت الملاحظ الانتباه إلى ما يعرفه شهر رمضان من زيادة في العمل التطوعي المدني، ويتجلى بشكل بسيط بعد أذان المغرب؛ حيث يتسابق أطفال إلى تقديم التمر والحليب إلى المصلين، كما يتجند العشرات من الشباب والمحسنين في المساجد التي تعرف إقبالاً كثيفاً عليها في التراويح وصلاة التهجد، من أجل السهر على تنظيم الصفوف وخدمة المصلين وتوفير شروط طيبة لصلاة خاشعة، وهو ما يعتبره الداعية أبو حفص من المظاهر الإيجابية؛ إذ يقول: ما أصبحنا نراه من المبادرات الشبابية في هذا الشهر لدعم المعوزين وإفطارهم مما يتلاءم مع مقاصد الدين من هذا الشهر، وكذا موائد الخير التي نراها مبسوطة للعموم خلال هذا الشهر، كما أن تفاعل الأطفال مع هذا الشهر من المظاهر المبهجة ومما يغرس فيهم معاني التدين وقيمه، فالأجواء كلها مشجعة على التدين والإقبال على الله تعالى.
ويشير يونس الزهير، الناشط الإعلامي والطلابي بدوره، إلى أن رمضان في المغرب شهر التكافل الاجتماعي والتعاون على الخير، والتراحم، والتواد.. وهو شهر ما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي يرحمه الله بشبكة العلاقات الاجتماعية التي تمثل مفتاح تحقيق النهضة وبناء الحضارة.
ولخص الزهير وصفه لرمضان في ختام حديثه بأنه شهر عودة وتمرين للانطلاق نحو تغيير منشود، منه تبنى الحضارة وفيه يزرع المرء ما يود حصاده في العام.
وتقول فاطمة بومجمد، إحدى الناشطات بالجمعيات الخيرية، وعيناها شاخصتان تراقب عملية توزيع "قفة رمضان" (سلة غذائية): إنه لم يمنعها بُعد المسافة من المجيء راجلة إلى مقر جمعيتها، لتدقق بنفسها الحالات التي تستحق المساعدة، وتخصص جزءاً من وقتها لمساعدة صديقاتها في الإعداد المبكر لكل عمل تطوعي قادم.
وتعتبر فاطمة أن عملها من خلال مساهمتها في توزيع "القفة الرمضانية" هو عمل إنساني تحتسب أجره عند الله، مشيرة إلى أنها أحست بفضل الله عليها، وهي تعاين الحالات التي تستفيد من بعض طعام يكفي لسد الحاجة لبعض أيام، وتشرح فاطمة عن أن قيم التضامن مازالت منتشرة في المجتمع المغربي، وهي تكمل جهود الاهتمام المؤسسات الرسمية بالمحتاج والفقير.
سهرات إيمانية
ويستثمر عدد من الجمعيات المدنية شهر رمضان لتقديم عروض إيمانية ذات بُعد تأطيري وتربوي في تجمعات عمومية، تضاف إلى صلاة التراويح وصلاة التهجد والتي يغلب عليها البعد التعبدي والتي تعرف أيضاً إقبالاً كبيراً بكل مساجد المدينة، وهي سهرات رمضانية قد تمتد لساعات من القراءات الشجية يتفاعل معها الجمهور من خلال التزامه بالهدوء التام والاكتفاء بالإنصات الواعي والملتزم، وغالباً ما يتفوق المقرئون في اختيار المقاطع والمشاهد القرآنية العظيمة التي تخاطب الروح وتحرك الوجدان وتدفع إلى مزيد من التدبر في آيات الله في خلق الكون والأنفس والآفاق.
وحين تنتقل إلى المدارس القرآنية العتيقة والمنتشرة في البوادي المغربية تجد الأجواء الإيمانية ذاتها، وفي هذا الشأن يقول الفقيه محمد وهو معلم قرآن بإحدى المدارس: لرمضان أجواء خاصة في المدرسة العتيقة تميزه عن باقي أيام الله، وبما أنه وكما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أجر الأعمال مضاعفة في رمضان، تحرص المدرسة على الزيادة في وتيرة قراءة القرآن، دون احتساب الورد اليومي العادي، ويشمل البرنامج الدراسي اليومي في رمضان دراسة الميراث بنظمه الرسموكي، وتفسير القرآن الكريم بحاشية الصاوي وابن كثير، والسملالية في الحساب، ودراسة صحيح البخاري، ولهذه الختمة يقام احتفال واسع.
وحول ما إذا كانت الأنشطة داخل المدرسة تقتصر على الدراسة وحدها، يقول محمد: إن هناك مسابقات في الحفظ والتجويد، ورحلات ترفيهية، إضافة إلى تنظيم مباريات في كرة القدم والعدو الريفي، دون أن ننسى الحديث عن الحملات البيئية التي تنظم في فضاء المدرسة، والتي تغرس في نفوس الطلبة الإحساس بالجمال.