العنوان رمضانيات (2085)
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015
مشاهدات 81
نشر في العدد 2085
نشر في الصفحة 38
الأربعاء 01-يوليو-2015
مرَّ الحسن البصري رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إنَّ الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون.
الـصـوم جُـنــة أقـوام مــن الـنــار
والصوم حِصْنٌ لمَنْ يخشى من النار
والـصـوم سِترٌ لأهـل الخـير كلهم
الــخــائـفــيـن مـن الأوزار والـعـــار
فـصـام فـيه رجـال يـربـحــون به
ثــوابَـهـم مـن عــظـيم الـشـأن غـفار
فأصبحوا في جنان الخُلد قد نزلوا
مــن بـيــن حُـوْر وأشــجـار وأنـهـار
(2)
الحكمة في فرض شهر رمضان، أنَّ الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع؛ لأنَّ الجوع مَلاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء، فما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، والحكمة مَلك لا يسكن إلا في بيت خالٍ.
قال يحيى بن معاذ رحمه الله مرّة لأصحابه: مَنْ شبع من الطعام عجز عن القيام، ومَنْ عجز عن القيام افتضح بين الخـُدّام، وإذا امتلأت المعدة رقدت الأعضاء عن الطاعات، وقعدت الجوارح عن العبادات.
(3)
قيل: مثل شهر رمضان كمثل رسول أرسله سلطان إلى قوم، فإن أكرموا شأنه وعظموا مكانه وشرفوا منزلته وعرفوا فضيلته، رجع الرسول إلى السلطان شاكراً لأفعالهم، مادحاً لأحوالهم، راضياً لأعمالهم، فيحبهم السلطان على ذلك، فيحسن إليهم كل الإحسان، وإن استخفوا برعايته وهونوا لعنايته، ولم ينزلوه منزلته من الإكرام، وفعلوا به فعل اللئام، فيرجع الرسول إلى السلطان وقد غضب عليهم من قبيح أفعالهم وسيئ أعمالهم، فيغضب السلطان لغضبه، كذلك يغضب الله سبحانه وتعالى (ولله المثل الأسمى والأعلى) على مَنْ استخف بحرمة شهر رمضان.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:183).
(4)
إنَّ أعظم هدية حملها إلينا رمضان، بل حملها إلى البشرية جمعاء هي القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى في هذا الشهر المبارك على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) (البقرة:185).
كما أنَّ هدية رمضان الثانية هي ليلة القدر، وهي ليلة نزول القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم، قال جل شأنه: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (القدر).
كيف لا تكون هدية عظيمة وفيها انطلقت أنوار العلم والمعرفة ماحية ظلمات الجهل والجاهلية؟!
(5)
قال أحد الصالحين: أدوية الروح خمسة، وهي كلها من متطلبات شهر الصيام: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
يا ذا ما كــفـاه الـذنـب فــي رجـــب
حتى عصى ربّه في شهر شعبان
لــقـد أظلك شـهــر الصـوم بعـدهـما
فـلا تـصـيره أيضاً شهر عصيان
واتــل الـقـرآن وسبِّح فـيـه مجــتهداً
فـــإنــه شــهـر تـسـبـيـح وقــرآن
كم كنت تعرف ممن صام في سلف
مـن بـيـن أهـل وجـيران وإخوان
أفـنـاهـم الـمـوت واسـتـبـقاك بعدهمُ
حيّاً فما أقرب القاصي من الداني
(6)
أيام شهر رمضان كالتاج على رؤوس الأيام، وهي مغنم الخير والبركات لذوي الإيمان، وللصيام آداب يجمعها: حفظ القلوب عن الخطرات، واللسان عن قبيح المقالات، والسمع عن الاستماع إلى المنكرات، والجوف عن المطاعم والمشارب المحرمات.
مَنْ كان يشكـو عِـظم داء ذنوبه
فليأت من رمضان باب طبيبه
ويفوز من عرف الصيام بطيبه
أو ليـس قـول الله في ترغـيـبه
"الصوم لي وأنا الذي أجزي به"
(7)
كان سفيان الثوري رحمه الله إذا دخل رمضان ترك جميع العباد وأقبل على قراءة القرآن.
يا غافلاً وليالي الصوم قد ذهبت
زادت خطاياك قف بالباب وابكيها
واغنم بقية هذا الشهـر تحـظ بما
غــرسـتـه مـن ثمار الخـير تجنيها
وتبْ لعلك تحظى بالقبول عسى
أن تـبـلـغ الـنـفـس بالتقوى أمانيها
وقلْ: إلهي أنا العـبد الـذليل وقـد
أتيت أرجـو أجــوراً فـاز راجـيها
فلا تكلني إلى علمي ولا عـملي
واغـفـر ذنـوبـي فـإني غارقٌ فيها
(8)
لقد حفل شهر رمضان بأحداث مهمة في التاريخ، كلها تدل على أن رمضان كان على مدى التاريخ شهر عمل وانتصارات وبركات.
في رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى.
في رمضان من السنة الثامنة للهجرة كان الفتح الكبير فتح مكة.
في رمضان سنة 15 للهجرة كانت موقعة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
في رمضان سنة 92 للهجرة فتح المسلمون الأندلس بقيادة طارق بن زياد رحمه الله.
ويبقى أهم الأحداث الرمضانية قاطبة، نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء.
(9)
قال ابن الجوزي رحمه الله: شهر رمضان شهر فيه تُزهر القناديل، وينزل فيه بالرحمة جبريل، ويُبتلى فيه التنزيل، ويسمح فيه للمسافر والعليل.
وورد عن ذي النون المصري رحمه الله قوله: تجوَّع بالنهار وقُم بالأسحار، ترَ عجباً من الملك الجبّار.
قيل للأحنف بن قيس رحمه الله: إنك شيخ كبير، وإنَّ الصوم يضعفك، فقال: إني أعدِّه لسفر طويل، والصبر على طاعة الله، أهون من الصبر على عذابه.
سئل بعض السلف: لِمَ شُرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع، فلا ينسى الجائع.
قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: رمضان شهرٌ جعله الله تعالى مصباح العام، وواسطة النظام وأشرف قواعد الإسلام، المشرف بنور الصلاة والصيام والقيام.
(10)
لما كانت القلوب تصدأ، كما يصدأ الحديد، وجلاؤها ذكر الله، فإنَّ شهر رمضان فرصة للذكر والشكر، وبذلك يمتلك الشهر الفضيل أدوية الروح والقلب.
يا فوز مَنْ للصوم قام بحـقه
وأتى بحُسن القول فيه وصدقه
ومن الجحيم نجا وفاز بعتقه
فالله قــال عــن الـصـيام لخـلقه
"الصوم لي وأنا الذي أجزي به"