; رمضانيات بواعث الفرحة بشهر الصوم | مجلة المجتمع

العنوان رمضانيات بواعث الفرحة بشهر الصوم

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

مشاهدات 0

نشر في العدد 266

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

رمضانيات

بواعث الفرحة بشهر الصوم

بقلم الأستاذ: عمر سليمان الأشقر

هل نشأت في ديار المسلمين؟ وهل عشت في بيت مسلم؟ إذا كنت كذلك فسل نفسك كيف كنت تشعر وأنت في ريعان الصبا حين يقبل هذا الشهر الكريم؟ وإذا لم تكن كذلك أو كنت لا تذكر فانظر في وجوه صغار المسلمين حين مقدم هذا الشهر لترى البشر والسرور الذي يغمرها.

 ولقد عدت إلى نفسي أسألها عن مشاعري وأحاسيسي أيام الصبا حين مقدم شهر رمضان فتذكرت أن فرحتنا بمقدمه لا تقل عن فرحتنا بعيده حين ينقضي، ومهما يقال في دوافع تلك الفرحة التي تغمر نفوس الصغار. إذ قد يظن أنها تسري إليهم من الكبار، أو هي فرحة تجلبها ما اعتادوه من المطاعم الشهية والولائم الكثيرة التي تقام للأرحام والإخوان والأصدقاء أو غير ذلك مهما يقال فإن ذلك دلالة على أن لرمضان مقدمًا يختلف عن مقدم بقية الشهور ويؤثر حتى في نفوس أكبادنا التي تمشي على الأرض.

 وإذا غضضنا النظر عن بحث دوافع فرحة الصغار فإن دوافع أفراح الكبار التي تبدو لدى مقدم شهر الصوم يمكن أن تبحث ويتأمل فيها.

 

فمن العجيب أن يترك العبد شهوة الطعام والشراب والنكاح طيلة النهار لمدة شهر كامل ثم يكون فرحًا بذلك مع العلم أن هذه الثلاث هي التي تملك على المرء نفسه غالبًا. ومن العجيب أن يعاني المرء الجوع والعطش والتعب ويفرح بذلك.

 فما السر وراء تلك الفرحة؟

 إن الإنسان لا يقبل على الأعمال الشاقة إلا إذا وجد من وراء فعلها خيرًا له فماذا وراء الصوم؟

 وراءه خير الدنيا والآخرة.

 الصيام تشريع رباني فرضه خالق الكون ضمن تشريع متكامل يفي للإنسان بصلاح متكامل.

 ويقوم تشريع الصوم بعلاج جانب مهم يحس الإنسان بإثارة في نفسه وهو يقوم به ويدرك أمورًا أخرى بفهمه لكلام رب العالمين الذي شرع الصيام وأول ما يدفع العبد للصوم ذلك الأجر العظيم الذي يعد الله به الصائمين- من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه - وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ذلك أن الصوم من الصبر ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(الزمر:10)

 قد يكون ذلك هدفًا، ولكن الهدفين العظيمين هما اللذان حددهما الحديث إيمانًا واحتسابًا وعلى الموجهين والمرشدين أن يعنوا بإيضاحهما وتذكير الناس بهما. وهذا يبين لنا أن الذين يرفضون طلب الأجر والثواب بالأعمال مرددين قول تلك العابدة - ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك..  مخطئون كثيرًا، إذ طلب الثواب والخوف من العقاب هدف أصيل شرعه الله من وراء التعبد بالتكاليف التي ضمنها كتابه وجاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم.

 ولا يكفي لننال الأجر والثواب الوافي بصيامنا القصد الصحيح الخالص لله سبحانه، بل لا بد من القيام بالصيام على وجهه المشروع من تبييت النية من الليل في كل يوم لقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهذا في صيام الفرض خاصة أما النفل فيجوز أن يحدث النية من النهار ما لم يطعم أو يشرب وعليه أن يمتنع من المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا يتم صومه ما لم يترك الحرام من سباب وشتائم وغيبة ونميمة وهمز ولمز -من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه-.

 وحتى يتكمل الأجر والثواب عليه أن يأخذ بالمستحبات في الصيام فيعجل الفطر ويؤخر السحور لقوله عليه السلام «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور»،  وتعجيله بأن يكون عند الغروب لا عند اشتباك النجوم كما يقول بعض الناس. وقال عليه السلام في السحور «تسحروا فإن في السحور بركة» وأهل الكتاب ليس في صيامهم سحور ولذلك قال عليه السلام «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» ويستحب للصائم أن يفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور وكان صلى الله عليه وسلم يعجل الفطر قبل الصلاة على شيء خفيف ثم يصلي كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسى حسوات من ماء -. وكان يقول صلى الله عليه وسلم عند فطره «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» وأحيانًا يقول: - «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله»، ومما يعظم به الأجر أن تفطر صائمًا من فطر صائمًا أو جهز غازيًا فله مثل أجره -.

 وجملة القول إن الصائم ينال الأجر العظيم الذي وعد الله به على الصوم إذا صح قصد الصائم وخلصت نيته وأتى بالصوم على وجهه المشروع بأن يجتنب ما نهى عنه ويفعل ما أمر به ويحرص على فعل المستحبات وترك المكروهات والله المستعان.

الرابط المختصر :