العنوان ركن تكوين الداعية: إخلاص الداعية- الحلقة الثانية
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1984
مشاهدات 100
نشر في العدد 661
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-مارس-1984
سبق أن ذكرنا في مقالنا السابق أن الإيمان بالله هو أول سلاح يتسلح به الداعية في مواجهة الحياة. وفي مجابهة مغريات الدنيا... فبدونه يبطل كل سلاح. وتبطل كل ذخيرة... وفي مقالنا اليوم نتكلم عن صفة أخرى من صفات الداعية ألا وهي الإخلاص، فبعد الاستعانة بالله والتوكل عليه نقول:
الإخلاص في حقيقته -أخي الداعية- قوة إيمانية، وصراع نفسي... يدفع صاحبه -بعد جذب وشد- إلى أن يتجرد من المصالح الشخصية، وأن يترفع عن الغايات الذاتية. وأن يقصد من عمله وجه الله لا يبغي وراءه جزاء ولا شكورًا... وإذا استمر المخلص على هذه الحالة من المجاهدة والتغلب على وساوس الشيطان، والنفس الأمارة... يصبح الإخلاص في أعماله كلها خلقًا وعادة، بل تصبح الأعمال التي تصدر عنه خالصة لله رب العالمين... دون أن يجد في ذلك أي تكلف أو مجاهدة!!
وهذا المعنى للإخلاص هو المقصود من قوله
جل جلاله في هذه الآيات:
- ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: 4).
- ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110).
- ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الدهر: 8 - 9).
وهو المقصود أيضًا من قوله عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث:
- روى الشيخان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها. أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
- وروى أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه».
- وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن معاذ بن جبل أنه قال حين بعث إلى اليمن: يا رسول الله أوصني، قال له عليه الصلاة والسلام: «أخلص دينك يكفك العمل القليل».
ولكن ما حقيقة العمل الخالص؟
أي عمل يقوم به المسلم في الحياة لا يكون مقبولًا عند الله عز وجل، ولا يكتب في سجل الحسنات... إلا أن يتصف بشيئين:
الأول: أن يكون موافقًا للشريعة.
الثاني: أن يكون خالصًا لله.
فإذا كان العمل موافقًا للشريعة ولم يكن خالصًا لله لم يقبل، وإذا كان خالصًا لله ولم يكن موافقًا للشريعة لم يقبل... لم يقبل العمل إلا إذا كان على وفق الشريعة وكان خالصًا لله!!
وهذا المعنى لقبول العمل عند الله هو ما بينه علماء السلف وقرروه لتلامذتهم، ولقنوه جيل الإسلام... لينشأ الجيل على الاتباع الكامل، والإخلاص الصادق... ويتصف أيضًا بالعمل الصالح، والسمعة الطيبة.
إليك -أخي الداعية- هذا الحوار الذي جرى مع أحد السلف: سئل الفضيل بن عياض عن أحسن العمل في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ﴾ (الملك: 2) قال: أحسن العمل أخلصه وأصوبه!! قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالص لم يقبل، لم يقبل العمل حتى يكون خالصًا صوابًا!!
وقال: والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على الشريعة، ثم قرأ قوله تعالى في آخر سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110) والداعية إلى الله هو أولى من غيره في التحقق بالعمل الصالح المقبول عند الله عز وجل.
فما عليك -أخي الداعية- إلا أن تنظر في أعمالك التي تصدر منك:
- هل هي موافقة لشريعة الله، وداخلة في تعاليم المنهج الذي رسمه الله لك؟
- وهل هي خالصة لوجه ال الكريم لا تبغي من ورائها جزاءً ولا شكورًا.
فإذا كان كذلك فاسأل الله سبحانه الثبات وتطلع دائما إلى المزيد والتدرج نحو الكمال، وإذا كانت غير ذلك فتب إلى الله عز وجل، وصحح النية. وأخلص لله، واجتهد بكليتك على أن يكون العمل على وفق شريعة الله، وعلى أساس المنهج الذي رسمه الله لعباده...
ما هي مواصفات المخلصين الدعاة؟
سبق أن ذكرنا قبل قليل أن أي عمل لا يتصف بالصلاح والقبول حتى يكون على الشريعة، ويكون خالصًا لله، فبناءً على هذا المعنى لقبول العمل، واتصافه بالصلاح، يجب على الدعاة أن يدركوا الحقائق التالية:
أولًا: أن يقصدوا من دعوتهم وجه الله.
ثانيًا: أن تكون جميع تصرفاتهم وأعمالهم وسلوكهم الاجتماعي... على وفق شريعة الله.
ثالثًا: أن يحاسبوا أنفسهم بشكل دائم وأن يتساءلوا: ماذا يريدون من تبليغ الدعوة وماذا يقصدون من دعوة الناس؟
رابعًا: أن ينظروا إلى أفعالهم هل هي مطابقة لأقوالهم ولسان حالهم؟
خامسًا: أن يحذروا مكائد الشيطان، ووساوس النفس والهوى، وفتنة العجب ومزالق الرياء... فبتقديري إن الدعاة إلى الله إذا أدركوا هذه الحقائق، واتصفوا بهذه المواصفات... ساروا صادقين في درب الإخلاص، ومضوا مخلصين في طريق الدعوة... وحقق الله سبحانه على أيديهم إصلاح البشر، وهداية الشعوب... بل الناس يتأثرون بهم ويستجيبون لدعوتهم ويقبلون هدى الله عز وجل طائعين مختارين...
ولتعلم -أخي الداعية- أثر الإخلاص في الدعوة، وأثر المخلصين المخبتين في الناس... أسوق لك هذه القصة التي تستشف من وراء كلماتها ومعانيها ماذا يفعل الإخلاص؟ وماذا تفعل الأهواء؟
كان عابد من العباد في الأمم السابقة يعبد الله دهرًا طويلًا. فجاءه قوم فقالوا:
- إن ههنا قومًا يعبدون شجرة من دون الله تعالى.
- فغضب لذلك. وأخذ فأسه غلى عاتقه، وقصد الشجرة ليقطعها. فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال:
- أين تريد... رحمك الله؟
- قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة. قال: وما أنت وذاك؟ تركت عبادتك، واشتغالك بنفسك، لغير ذلك؟!!
- قال: إن هذا من عبادتي
- قال: فإني لا أتركك أن تقطعها، فقاتله، وما هي إلا لحظات، حتى طرحه العابد على الأرض، وقعد على صدره...
- فقال إبليس له: أطلقني حتى أكلمك... فقام عنه. فقال إبليس: يا هذا... إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا، ولم يفرضه عليك، وأنت لا تعبدها، وما عليك من غيرك ولله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض، ولو شاء لبعثهم إلى أهلها، وأمرهم بقطعها!!
- فقال العابد: لا بد لي من قطعها. ونابذه القتال، وتصارعا، فغلبه العابد ثانية، وصرعه، وقعد على صدره، فلما رأى إبليس عجزه وضعفه سلك طريق الاحتيال، وعلم أن هذا العابد ما دام مخلصًا لله فلن تكون قوة في الأرض تغلبه، أو تثنيه عن عمله. وبالفعل... فقد لجأ إلى أن يغير العابد نيته، وأن يريد شيئًا غير الله وثوابه...
- فقال له: هل لك في أمر فصل بيني وبينك، وهو خير لك وأنفع؟
- قال العابد: وما هو؟
- قال إبليس: أطلقني حتى أقول لك، فأطلقه.
- فقال إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك... إنما أنت كل على الناس يعولونك، ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسي جيرانك، وتشبع وتستغنى عن الناس؟
- قال العابد: نعم!!
- قال: فارجع عن هذا الأمر، ولك علي أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين، إذا أصبحت أخذتهما، فأنفقت على نفسك وعيالك، وتصدقت على إخوانك، فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانها، ولا يضير عبادها قطعها شيئًا، ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها!!
فتفكر العابد فيما قال: ثم قال: صدق الشيخ، لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة، ولا أمرني الله أن أقطعها، فأكون عاصيًا بتركها، وما ذكره أكثر منفعة، ثم وضع يده في يد الشيخ وتعاهدا... وقد عاهده إبليس على الوفاء بذلك، وحلف له.
ورجع العابد إلى صومعته، فبات، فلما أصبح رأي دينارين عند رأسه. فأخذهما وكذلك في الغد. ثم أصبح في اليوم الثالث وما بعده. فلم ير شيئًا!! فغضب. وأخذ فأسه على عاتقه. ومضى إلى الشجر يريد قطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال له:
- إلى أين تريد؟
قال: أقطع تلك الشجرة. فقال: كذبت! والله ما أنت بقادر على ذلك، ولا سبيل لك إليها. فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، فقال: هيهات!! وما هي إلا لحظة حتى أخذه إبليس وصرعة، فإذا هو كالعصفور بين رجليه، وقعد إبليس على صدره، وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك... فنظر العابد. فإذا لا طاقة له به، قال:
- يا هذا غلبتني... فخل عني... وأخبرني كيف غلبتك أولًا، وغلبتني الآن؟
- فقال إبليس: لأنك غضبت أول مرة الله، وكانت نيتك الدار الآخرة فغلبتني بقوة الله، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدينار... فصرعنك (1)
فبالإخلاص إذن يكون التأثير، ويكون الاحترام. وتكون الثقة... ألا ليتحل الداعية بالإخلاص... وليتجنب مواطن الانزلاق والزلل...
وليحذر مكائد الشيطان. ودبيب الرياء، وحبائل الهوى. ووساوس النفس الأمارة... إن أراد لهذه الدعوة الانتشار، ولهذا الإسلام العزة والفخار ولهذه الأمة الإسلامية الكيان والسيادة... وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
أما عن جرأة الداعية فسنتولى الحديث عنها في العدد القادم، فإلى العدد القادم والسلام عليكم ورحمة الله.
(1) من كتاب «صفات الداعية» للأستاذ محمد الصباغ ص 4٥ نقلًا عن الأحياء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل