; ركام السنين وأعباء العمل الإسلامي (2 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان ركام السنين وأعباء العمل الإسلامي (2 من 2)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

من تصور أن هناك حقًا لا يقابله باطل، أو جهادًا لا يتعرض له عدو، أو لبنة صلبة بدون ضغط أو نار، يكون قد أوغل في الوهم، وبالغ في الشرود.

ومن تصور بناء أمة بعد انهيار يكون سهل المنال وتربية شعوب بدون نصب، وإقامة صروح بغير كفاح أو مشقة، لا بد وأن يكون ذاهلا عن السنين، وغائبًا عن التاريخ، وغائمًا عن طبائع الأشياء، يعرف المسلم ذلك من آي قرآنه: ﴿كَذَٰلِكَ يَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلحَقَّ وَٱلبَٰطِل فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَآء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمكُثُ فِي ٱلأَرض كَذَٰلِكَ يَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمثَالَ  [الرعد: 17] وهذا هو الطريق الذي سار عليه الرسل وقطعه الأنبياء والصالحون، ورسمه المجاهدون والشهداء، وتخطاه أولو العزم من البشر، ولأجل هذا أمر الله أصحاب الحق بالاستعداد للباطل: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِم لَا تَعلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعلَمُهُم  [الأنفال: 60]، لأن الباطل لا يندفع إلا بإعداد، ولا يندحر إلا ببأس، وسطوة الإيمان قاهرة، ويمين الحق باطشة إذا أُحسن الإعداد، وأُحكم التدبير، واستُغِل العقل، وصدقت النيات، وشرة الباطل ضعيفة لا تغلب إلا في غفلة، وكيد الضلال خائب، ويده مرتعشة، ولكنه لا يضرب إلا في فراغ، أو في نومة، وجند الشياطين مندحرة لا تعلو إلا في تخاذل أو عماية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّه وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَولِيَآءَ ٱلشَّيطَٰن إِنَّ كَيدَ ٱلشَّيطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76] ولا يتصور إنسان أن يُكتب في صفوف المجاهدين بغير كفاح، أو ينال وسام الإيمان بدون مجالدة للباطل، أو يكتب في الحزب الإلهي بدون صبر أو بلاء: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم حَتَّىٰ نَعلَمَ ٱلمُجَٰهِدِينَ مِنكُم وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبلُوَاْ أَخبَارَكُم [محمد: 31] ولكنه والحق يقال كفاح يؤدي إلى نصر، وجهاد موصل إلى فلاح، وتضحية قائدة إلى بشرى وعز: ﴿وَأُخرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصر مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتح قَرِيب وَبَشِّرِ ٱلمُؤمِنِينَ  [الصف: 13] وركام السنين اليوم وإن تجمعت سحبه، وتراكم ليله، لكنه قد أذن بإصباح، وانفلق عن إشراق، وارتعدت تحت مطارق الحق جند الضلال، وارتعشت أمام مواكب الإيمان شخوص الأبالسة، وجاء الحق ليضيء الطريق، وصحت العزائم لتمسك المجداف، وتدير الدفة، واستيقظ الربان ليقود السفينة، لقد التف المسلمون اليوم حول دينهم من جديد، وفقهوا رسالتهم بعد طول غياب، وعرفوا الطريق بعد تيه وشرود، والتفت الزمان إليهم بعد تنكر، وأصغى إلى ندائهم بعد صمم وإدبار:

تنكَّرِ لي دهري ولم يَدْرِ أنني
 

أعزُّ وأحداثُ الزمانِ تهونُ
  

فباتَ يُريني الخطبَ كيف اعتداؤُه
 

وبتُّ أريهِ الصبرَ كيفَ يكونُ
  

إلى أن انبثق الفرج، واشرأب الأمل، وأذنت المآذن من جديد: حي على الفلاح، فأقبلت الجموع المؤمنة المشتاقة ملبية: لبيك اللهم لبيك.. لا شريك لك لبيك، ورفعت منهجه في مشارق الأرض ومغاربها، فولى مسيلمة، وانكفأت سجاح، وتوارى الأسود العنسي، واندحر أبو رغال، ولم يبق اليوم بيت مدر ولا وبر إلا كان حديثه الإسلام، ولا سياسي ولا باحث إلا هاجسه المد الإسلامي، والذي دخل عليه من أقطاره وهز كيانه، وهدد حضارته، وحرك وساوسه، وفي هذا يقول تيودور فون لاي: (إن حضارة الغرب ليست حضارة الحقيقة، ولكنها حضارة الغالب التي سيتخذها المغلوب طوعًا أو كرهًا، وقد فرضت نفسها على العالم فرضًا، وإن أمرها واقع لا محالة، وإنه لن تمر سنوات حتى يرتدي الناس جميعًا من مدينة "سيول" إلى مدينة "سانت باولي" سراويل رعاة البقر "الجينز" وسيلتهمون شطائر الهمبورجر السريعة الخفيفة، وسيشربون الكوكاكولا، ويدخنون سجائر مارلبورو، وسيتحدثون الإنجليزية، ويرون برامج البث التليفزيوني الأمريكي "سي. إن. إن"، وسيسكنون البيوت على النظام الأمريكي الثائرة على المعمار التقليدي، وسيعيشون في بلاد تحكمها ديموقراطيات مزيفة حرصًا على مسايرة الغرب، وسيصابون بالإلحاد، ولكن ما هي نتيجة ذلك؟).

يجيب على ذلك ألفريد ميللر، فيقول: (إن الإنسان سيدفع ثمن ضياعه شيئًا باهظًا، يدفع ثمن إنكاره وإلحاده، واعتناقه لآلهة أخرى من الأوثان والأصنام والطواغيت، فإن قصة الإيمان لا تكمل فصولها إلا قصة الكفر، إن الله هو العلي الأعلى إذ يستبدله الكافر بآلهة أو أرباب أخرى لا بد أن تمزقه وتتعسه، لأن قصة الأديان الزائفة هي في الحقيقة قصة اندلاع الشر المخربة التي تطلق الكوارث من مرقدها، والصواب الذي لا بد أن نتبينه أن العالم الغربي الآن قد قضى نحبه، وانتهى إلى طور عقيم، وغير قويم، ولا بد أن يتحلل)، ثم يقول دكتور مراد هوفمان في كتابه "الإسلام كبديل" شارحًا كيف يكون البديل هو الإسلام: (فالإسلام الذي نزلت به الكوارث الدامية، والأزمات الطامية لم يقض نحبه بعد ولم يقبر، بل على العكس انطلق زاخرًا بالحياة والنشاط، أقوى ما تكون الحياة، حتى لقد بدأ البعض في الغرب يعتقد أنه لا بد مرة أخرى أن يحسب للإسلام حسابًا، وأن يخشى بأسه، لأن المجتمعات الصناعية الغربية قد أخذت الأزمات الاجتماعية والنفسية بخناقها، ونحن مقتنعون أن تلك نتيجة حتمية، لأن النجاح الاقتصادي بدون روح قد قوَّض القيم الخلقية ونسفها نسفًا، ولا يخفى على المتأمل البعيد الرؤية أن يرى الزحف الإسلامي في القرن الحادي والعشرين سيكون مسيطرًا، وممكن انتشاره ليكون دينًا لأغلبية البشر، أما كون هذا الزعم الذي تؤكده مجريات الأمور حقيقة واقعة فهذا شيء لا شك فيه، إن الإسلام لا يطرح نفسه بديلاً "خيارا" للمجتمعات الغربية الصناعية، إنه بالفعل هو البديل الوحيد)، وبعد هذا، هل سيفهم قومنا؟ وهل سيعقل هذا الضاربون للإسلام والمطاردون لتعاليمه من بني جلدتنا؟ وهل سيتركون الداعين إلى الله بالحسنى وشأنهم، فلا يلوثون سمعتهم أو يهدمون جهدهم وهم الصابرون المكافحون المخلصون العاملون لأمتهم ولمجدها وعزها وكرامتها؟!!

وَإِن الَّذِي بيني وَبَين بني أبي
 

وَبَين بني عمي لمختلف جدا
  

فَإِن أكلُوا لحمي وفرت لحومهم
 

وَإِن هدموا مجدي بنيت لَهُم مجدا
  

وَإِن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
 

وَإِن هم هووا غيبي هويت لَهُم رشدا
  

إن ركام السنين الطوال قد هزته اليوم عزائم الرجال الذين ﴿صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيه فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِر وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلا﴾ [الأحزاب: 23]، وخرجت التعاليم القرآنية لتسطع في الآفاق، وتتجلى في الأكوان، وتقرع الأسماع، وسيعرف من بقي في غفلة، ومن ظل في عماية إلى اليوم أنه لا يستطيع أن يغالب قدر الله إذا جاء، أو يطفئ نوره إذا أشرق، أو يرد جند الحق إذا حملوا الراية، أو يقاوم الجموع إذا سمعوا التلبية، وهتفوا النشيد وردد الزمان: ﴿وَقُل جَآءَ ٱلحَقُّ وَزَهَقَ البَٰطِل إِنَّ ٱلبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقا  [الإسراء: 81].

الرابط المختصر :