الثلاثاء 20-مايو-1980
في إحدى مكتبات الصحف والمجلات المحلية والدولية في الكويت وفي صباح الخميس 15/5/1980 كنت أتصفح في العنوانات الرئيسية لإحدى الصحف وبينها المنانشيت العريض الأسود: (السادات مشبهًا حكمه بحكم عمر بن الخطاب في خطاب استغرق أربع ساعات: «سأتخلى عن الحكم في أکتوبر ۱۹۸۲». كان يقف إلى جانبي شاب مصري مثقف لعله ذكر لي أنه حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية...
سألني الشاب بثقة بادية في النفس:
ما رأيك بالذي قاله الرئيس في خطابه يوم أمس؟ قلت له: تعال نستخرج عناصر الخطاب الأساسية. وكانت كما يلي:
1-ادعاء التشبه بالخليفة الإسلامي الراشدي الثاني في السياسة والحكم والنظام.
۲ - اتهام الجماعات الإسلامية بالعبث والفوضى والتخريب والانحراف عن جادة الإسلام.
3- حل الجمعيات والتنظيمات الدينية.
4- إلغاء الأحكام العرفية واستبدالها بمحاكم أمن الدولة.
ه - تقسيم الإدارة المصرية إلى ستة قطاعات، وتنصيب السادات نفسه رئيسًا لمجلس الوزراء الجديد.
٦ - ترسيخ الفكرة العلمانية الخبيثة القائلة: لا سياسة مع الدين، ولا دين مع السياسة.
إضافة إلى عناصر أخرى لیست سوى هراء في هراء.
بعد هذا قال محدثي - وهو مسلم مصري الجنسية -: هل تعرف ما هي نسبة الغباء المركب في عقلية رئيس مصر؟ وهل تعتقد أن في الشعب المصري رجلًا واحدًا يصغى إلى هذه الترهات والافتراءات؟ وهل تظن أن الشعب المصري المسلم سيصبر على هذا الرجل فترة أخرى من الزمن:
أكبرت صراحة الرجل وصدقه مع نفسه، ثم انتقلنا إلى بحث الأسباب والمسببات والدواعي التي حدت بالسادات الى اتخاذ فعليات جديدة أعلن عنها في خطابه هذا.
- فالسادات الذي بدأ يسمع صرخات شعبه المسلم في الشارع والسوق والجامعات، وهو يشبه رئيسه بالملك فاروق؛ بل هو أضل سبيلًا في الطريقة الاستغلالية المبنية على شيئين:
- إشباع مركب النقص في نفسه وشخصيته، والعودة إلى سلوك الملكية في حياته الخاصة.
۲ - اعتماد الحاشية المنافقة التي تأتمر بأمر سلطانها وتحرص على بقائها تحت كرسيه، وهذان الشيئان هما حقيقة واضحة في ذهن الشعب المصري الذي استنتج منهما أن الرئيس السادات رجل كرسي فقط. إذًا لقد ناسب السادات الآن أن يعلن تخليه عن الحكم عام بعد عامين ونصف من الآن في محاولة يائسة منه لتغيير ما يجول في أذهان مواطنيه..
- -والسادات الذي يتهمه المسلمون بالعمالة للمخطط اليهودي الصريح، يجد نفسه بحاجة إلى تنفيس القاعدة الشعبية المضادة لحكمه. ولكنه لم يحسن السلوك الذي يخدم رغبته، فهل ينفع الشيطان يومًا إذا شبه نفسه بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟
- - أما تقسيم الإدارة المصرية إلى قطاعات ستة، فقد فندها السياسي المصري المثقف بأنها محاولة من السادات للاستيلاء المباشر على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومن أجل هذا نصب السادات ستة من الوزراء نوابًا له، بحيث يشرف كل منهم على قطاع من القطاعات الستة.. وجميع هؤلاء الستة هم من أنصاف الرجال الذين لا يملكون من الشخصية المستقلة إلا أن يقولوا للسادات إزاء كل شيء: «حاضر يا بيه، وتحت أمرك يا سيادة الرئيس، الله ما يحرمناش منك!!!» هذا على حد تعبير محدثي المصري المثقف. وهو أعرف مني بطبيعة وزراء بلده ومستوزريه.
- - وأما مسألة السياسة والدين، وتأكيد السادات أنه لا سياسة مع الدين ولا دين مع السياسة، فهي القاعدة التي يحاول الرئيس المؤتمر بأمر سادته اليهود من أجل ضرب العمل الإسلامي. وقد صرح السادات وأعلن في خطابه حظر النشاط الإسلامي في الجامعات المصرية؛ لأنه يرفض أن يكون إلا مزورًا لأحكام الدين، ومع ذلك فإنه يشبه نفسه بالخليفة عمر بن الخطاب.
- - يبقى هنا سؤال:
ماذا يريد السادات الذي يتشبه زورًا وباطلا بابن الخطاب من الحركة الإسلامية؟ ولماذا كشف عن نيته الخبيثة إزاء التحرك الإسلامي في مصر؟
وقبل الإجابة لا بد من الإشارة إلى أن السادات يعلم بأن الزخم الإسلامي لن يسكت على موقفه المشين، فعرض قليلًا بالأقباط امتصاصًا للفيض الزائد من نقمة شباب المسلمين في الأخيرة؟ الجامعات وغيرها.. ولكن السادات الغبي لم يدرك أن هذا التكتيك لا يخفى على الشباب المسلم في مصر الإسلامية.
إذا فالذي يُشتَم من خطاب السادات ووقوفه عند الجماعات الدينية هو الخوف الشديد الذي يتزايد يومًا بعد يوم من حركة الشباب المسلم الذي لا يخاف في الله لومة لائم، وهذا يعني أن الرئيس المصري بات يعد الآن العدة التي يعتقد أنها ناجعة لضرب التيار الإسلامي في مصر، في محاولة يائسة للتخلص من الخطر الأكبر الناجم عن المعارضة الإسلامية لجميع تصرفاته، ومن أجل هذا ألغى السادات قانونًا ميتًا وهو قانون الأحكام العرفية الذي سنته بريطانيا عام «١٩١٤» ميلادية، وأبدله بمحاكم الإرهاب والعنف، وهي التي سماها «محاكم أمن الدولة»
ترى لمن يعد السادات هذا النوع من المحاكم؟ وما هو معنى محكمة أو محاكم أمن الدولة؟ ولماذا؟
إن المسلم في مصر وخارج مصر يعرف تمامًا أن السادات الذي يعاني من تضخم مزمن في هستريا الأعصاب بسبب تصاعد المعارضة الحقيقة الوحيدة في الساحة المصرية.. يعرف أيضًا السر في الموقف الساداتي الذي أعلنه في خطابه من الجماعات الإسلامية والهيئات الدينية في مصر؟ وإذا كان المصريون يتندرون اليوم بغباء السادات. فإن أقل مصري في حظوظ الثقافة هو أذكى من أن تنطلي عليه خرافات السادات الأخيرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل