; رقعة الشطرنج على هامش الأحداث في إيران.. | مجلة المجتمع

العنوان رقعة الشطرنج على هامش الأحداث في إيران..

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

مشاهدات 341

نشر في العدد 423

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

إن الحركة على رقعة السياسة الدولية تشبه حركة الأحجار فوق رقعة الشطرنج، فكل حجر يتحرك بفعل أثر من أحجار الخصم، أو لفعل أثر مضاد فيها، وبناء على هذه الطبيعة للعمل السياسي يستطيع المرء أن يربط بين التفرد الأمريكي بالإشراف على السلام العربي– اليهودي، والذي سيجعل السوفيات بعيدين عن تحقيق استراتيجيتهم في المنطقة، وبين محاولة السوفيات تحويل الرغبة الشعبية التي تحمل يافطة الشعارات الدينية في إيران، بهدف التخلص من الشاه، إلى حركة إيديولوجية عمالية- فلاحية يتزعمها الشيوعيون، وهذا يعني أن قضية إيران ليست ذات أطر محلية فحسب، وإنما هي قضية يتجاذبها أطراف اللعب الأممي الكبار، وسط دائرة الصراع على اقتسام مناطق النفوذ، فإیران دوله ذات مواقع استراتيجية «جغرافية واقتصادية» هامة، وذلك بحكم إشرافها على منابع النفط في الخليج العربي غربًا، وكونها الطريق إلى المحيط الهندي جنوبًا، ثم لمجاورتها كلًا من الاتحاد السوفياتي من الشمال والحكم الشيوعي الأفغاني من الشرق، أما من الناحية الاقتصادية فإن إيران تملك منابع رئيسية تزود العالم الغربي بالنفط اللازم، وهذه المواصفات الاستراتيجية، تمتد من إيران إلى ما حولها من أقطار الخليج العربي، والتي سوف تكون تحت التهديد السوفياتي المباشر إذا .... تكتيك الشيوعيين في إيران، ولعل أحد الدبلوماسيين الغربيين الذين زاروا طهران مؤخرًا قصد ذلك بقوله: «إذا سقط الشاه فإن الخليج بكامله سيصبح فريسة تتنازعها الجوارح»، على أنه يمكن للإنسان أن يتصور كلًا من التكتيك السوفياتي والأمريكي حول الأزمة في إيران كما يلي: 

• التكتيك السوفياتي: لا يغيب عن بال الإنسان التواجد الكثيف المتزايد للأساطيل السوفياتية قرب شواطئ المحيط الهندي ومداخل الخليج وبوابات النفط العربي والإيراني، ولا يستبعد لهذه الأساطيل أن تقفل الخليج وتجعله بحيرة شيوعية فيما لو كانت نتائج التغيير المرتقب في إيران لصالح السوفيات اللذين يعتبرون إيران امتدادًا استراتیجیًا لأفغانستان، وإذا كانت أساطيل السوفيات بعيدة عن الصراع الداخلي، فإن الشيوعيين الذين يلعبون بورقة التذمر السكاني، يعملون الآن على احتضان الغليان الشعبي الذي حركته المشاعر الدينية، وذلك للإفادة في قطف الثمرة بعد سقوط الحكم الشاهنشاهي المرتقب، ولعل الاضطرابات المستمرة لعمال النفط في إيران، كانت نتيجة لتكتيك اليسار الذي يلوح بتهديد مصالح الاقتصاد الغربي، ومن ثم يدفع بالشاه إلى السقوط تلقائيًا، الأمر الذي سيفتح الباب أمام الشيوعيين لمحاولة القفز إلى السلطة. 

• التكتيك الأمريكي: ولعل هذا التكتيك ما زال هو الأقوى، بحيث أن امتداده وإحاطته بجميع جوانب الأزمة أزعج بريجينيف، وجعله يحذر الأمريكيين مباشرة وذلك بقوله: «ارفعوا أيديكم عن الأزمة التي تعيشها إيران». لكن رد الرئيس الأمريكي كارتر كان قويًا أيضًا، ويبدو أن التكتيك الأمريكي يعتمد على مخابراته المركزية التي تسيطر على السافاك في إيران، والتي وصلت إلى مرحلة جعلت الشاه يكشف حقيقتها في مجلس خاص لبعض الزائرين الأمريكيين حيث صرح أنه تلقى تقارير مفادها «إنه ربما كان الأمريكيون بالاشتراك مع شركات النفط متورطين في إثارة بعض الاضطرابات الأخيرة». ومع ذلك فيبدو أن الشاه يعرف أن مصيره مبني على أساس من التكتيك الأمريكي الذي يستطيع توجيه بعض القيادات الهامة في الجيش الإيراني كيفما شاء، وذلك بواسطة عملاء المخابرات المركزية من رجال السافاك، لكن، هل يعتزم الأمريكيون القضاء على الحكم الشاهنشاهي؟

وللإجابة لا بد من التذكير بتجربة حكام العالم الثالث مع التبعية الأمريكية، أولئك الذين تمتد إليهم يد التغيير فيما إذا عجزوا عن تمرير مصالح سيدتهم «أمريكا» أو حمايتها على أقل تقدير، ولعل الشاه الذي بات يعيش في أحرج ظروفه، لا تتوفر فيه المقومات المطلوبة في وسط يثور عليه ويهدد مصالح الدول الكبرى بسبب وجوده، الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة تبحث عن بديل يحقق لها مصالحها دون أن تتعرض للخطر من فئات المعارضة على اختلاف أنواعها ودوافعها، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التجربة الأمريكية في حكم دويلات العالم الثالث بواسطة الحكومات الثورية الحزبية التي تمتص معارضة اليسار وتقضي على الفئات الدينية تحت اسم العلمية والتقدمية إنما هي تجربة ناجحة في علم السيكولوجية الاستعمارية، فهل ستطبق أمريكا هذه التجربة في إيران أيضًا؟

الرابط المختصر :