الاثنين 25-ديسمبر-1978
«إننا نعرف أنك قمت بمجازفات رئيسية، ولكن من المهم جدًا التوصل إلى معاهدة سلام من أجل المنطقة ومصالح الغرب وشعبك».
بهذه الكلمات رد وزير الخارجية الأمريكية سايروس فانس على مناحيم بيغن الذي كان غاضبًا من التكتيك الأمريكي الأخير في محادثات السلام بين مصر والدولة اليهودية.. لقد كان الوزير الأمريكي صادقًا مع بيغن عندما أشعره بأن التكتيك الأمريكي يسعى إلى استراتيجية جديدة تحقق بآن واحد (مصالح الغرب- والشعب اليهودي)، وكنا قد أشرنا على هذه الصفحة في الأسبوع الماضي أن الإحساس الأمريكي بفشل الرئيس المصري في احتواء تكتيك الدول الرافضة لمبادرته، والتي تطمع (القوى الأوروبية التقليدية) أن تدخل لعبة المصالح في المنطقة عن طريقها، سوف يضطر الولايات المتحدة أن تغير من تكتيكها، بحيث تمتص رفضا أوروبيًا علنيًا لانفرادها في الإشراف على السلام. ويبدو أن كارتر صار الآن أميل للبحث عن صيغة لسلام جماعي يحقق في المنطقة مصالح الكتلة الغربية الراغبة في الممارسات المصلحية في الشرق الأوسط، وذلك لاعتبارات كثيرة منها:
الواقع الجديد للسلطة السياسية في المناطق الاستراتيجية الدولية بعد أن تمت تسوية العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، والتي تعتبر تتويجًا للاستراتيجية الأمريكية في شرق آسيا، الأمر الذي يدعو حكومة كارتر للتفاهم مع القوى الأوروبية التقليدية، والتي أصبحت قلقة بسبب الطريقة التي أقامت بها واشنطن علاقاتها مع الصين وتخلت بسرعة عن التزاماتها تجاه إيران.
نجاح القوى الأوروبية التقليدية بالتفاهم مع الدول العربية الرافضة للانفراد الأمريكي بالإشراف على السلام العربي –اليهودي في حمل الولايات المتحدة على مراجعة حسابها لمبادرة السادات من جديد، ولعل التحركات الدبلوماسية بين (بغداد- موسكو) و(عمان- باريس- لندن) يدعم هذا الاتجاه.
وإذا كان الخلاف الأمريكي –اليهودي الذي طغا على السطح يثير بعض الأسئلة، فإنه يعود إلى فوارق التصورات الجديدة بين الولايات المتحدة وحكومة بيغن حول قدرة المعاهدات المنفردة على استيعاب مشاكل المنطقة.
1- فالتصور اليهودي يركز على حصر مصر في اتفاق مفرد يغري سوريا باللحاق والسير على خطا السادات، بحيث يتم السلام على أساس معاهدات منفردة متتابعة، على غرار النجاح الإسرائيلي في حمل كل من مصر وسوريا لتوقيع على فض اشتباك منفرد في سيناء والجولان بعد حرب 1973، وهذا أمر يجعل حكومة بيغن حريصة جدًا على استئناف المفاوضات الفردية مع مصر، وهو الأمر الذي جعل موشى دايان يصرح بأنه: «إذا لم تستأنف المفاوضات مع مصر على الفور، فإننا سنضطر للعودة إلى البداية».
2- أما التصور الأمريكي، فبعد أن فشل كارتر في اللعب على المصالح الأوروبية بإدخال الدول العربية في سلام تحت إشرافه فقط، أدخل في حسابه دبلوماسية التعاون بين بعض الأقطار العربية، وكل من إنكلترا وفرنسا وهما صاحبتا المصالح العريقة في المنطقة، الأمر الذي يدعو الأمريكيين للاقتراب من الالتزامات التي تربط بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية التي ما زالت بعض القوى فيها تعتبر نفسها أولى بالتفاهم مع حكومات المنطقة العربية مع كارتر نفسه.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات، يستطيع المراقب أن يحدد المعالم الجديدة للتكتيك الأمريكي في المرحلة المقبلة وفق ما يلي:
البحث عن صيغ جديدة قد يمهد لها سايروس فانس بجولات مكوكية ينتقل فيها بين معظم العواصم العربية هذه المرة، ولا يستبعد أن ينادي بجنيف ثانية أو بصيغة مشابهة تعتمد على قرار مجلس الأمن 242 وهو مشروع إنكليزي في الأصل.
لا يستبعد ظهور ردات فعل إسرائيلية خلال مرحلة الانتقال من الصيغة الفردية للسلام إلى صيغ أخرى أكثر شمولًا للمنطقة، وذلك بتحريك الحرب اللبنانية والتدخلات العسكرية المباشرة في جنوب لبنان، مع بث غيوم وهمية في سماء دمشق وعمان بتكثيف حالات الاستنفار على كل من الجبهة السورية والأردنية.
وإلى أن تصل المنطقة إلى مرحلة الصيغة الجديدة للسلام، لا بد وأن تظهر مفاجآت جديدة قد يكون لها أثر في تغيير بعض الواجهات العربية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل