العنوان رقابة الله هي الضمانة ضد الطغيان والفساد
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980
مشاهدات 101
نشر في العدد 475
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 25-مارس-1980
يهول الإنسان الأمر عندما يلقي نظرة على الصحف السيارة في هذا العالم المترامي الأطراف ويقرأ أخبار الجريمة جرائم كثيرة تقع في كل يوم في كثير من المدن والقرى، سفك الدماء وهتك للأعراض وسرقة للأموال وتدمير للممتلكات، وقد وصلت أصابع المجرمين إلى الرؤوس الكبيرة، فسفكت دماء رؤساء الدول وأثريائها، وحادثة اختطاف «الدمورو» في إيطاليا لا تزال قريبة العهد، وبالأمس اختطف سليم اللوزي في بيروت لقد أصبح الأثرياء ورجال الدولة في بلد كإيطاليا لا يتنقلون إلا في حراسة مشددة.
ويعجب الإنسان وهو يطالع تاريخ الإسلام، ويقرأ صورًا عن المجتمع الإسلامي خاصة في الفترات التي طبق فيها الإسلام وسادت روحه وتشريعاته، يعجب من انخفاض مستوى الجريمة، ومن الحياة الآمنة التي كان يعيش فيها الناس آنذاك.
اليوم تسن القوانين في الدول على اختلاف نظمها لمواجهة الجريمة، وتعقد المؤتمرات، ويجتمع العلماء هنا وهناك على اختلاف نظمها لمواجهة الجريمة، ومع ذلك فإن القوانين لا تردع المجرمين، بل تزداد الجريمة في كثير من الأحيان.
ولا شك أن التشريع الجنائي الذي سنه الإسلام كان له أثر كبير في التقليل من الجريمة، ولكن العامل الأول الذي حد منها إنما هو تلك العقيدة التي غرسها الإسلام في نفوس المسلمين.
وأعني بها اعتقاد المسلم بأن الله عليم به يراقبه وينظر إليه ويراه، وأنه يسجل عليه أعماله وسيحاسبه على ذلك كله.
الإسلام يغرس في حس المسلم أن رقابة الله شاملة للكون كله، وهي رقابة دائمة وهيمنة مستمرة، وهذه الهمينة وتلك الرقابة مبنية على علم الله الواسع المحيط بحيث لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ونحن البشر من جملة هذه العوالم التي أحاط الله بها علمًا في كل أمر من أمورنا وفي كل شأن من شئوننا، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس: 61).
وعلم الله محيط بفعل الإنسان البادي الظاهر، والخافي الذي يجول في منحنيات الصدور، ويتردد في أعماق القلوب، قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (البقرة: 77)، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: 19).
وليس ذلك فحسب، فإن هذه الأعمال وتلك الخواطر والأفكار تسجل في كتاب ويقوم على التسجيل علماء لا يفوتهم شيء مما يعمل أو يقال، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 16,17,18).
وهذا الكتاب يحفظ كي يكون حجة على صاحبه في يوم العرض والنشور، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 13,14).
ويذهل الإنسان في ذلك اليوم من دقة التسجيل وإحاطة كتابه المسجل بعمله وما وقع منه، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).
وفي ذلك اليوم تسفر وجوه الصالحين الذين ابيضت صحائفهم بصالح الأعمال وتسود وجوه الظالمين الذين قذرت صحائفهم بالأعمال الخبيثة، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (عبس: 38,39,40,41.42).
وينادي أصحاب اليمين في الموقف معربين عن سرورهم وفرحهم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: 19,20,21,22,23).
وأما أصحاب الشمال فموقفهم مختلف، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (الحاقة: 25,26,27,28,29,30,31,32).
وتكون المفاجأة الكبرى في ذلك اليوم عندما تشهد على الإنسان أعضاؤه وما كان يتوقع ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 22).
واستمع إلى هذا الحوار العجيب الذي يدور بين الإنسان الكافر وأعضائه حينما يرد النار، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 19,20,21).
إن الذي تغلغل في قلبه هذا الاعتقاد، الاعتقاد بأن الله يراقبه ويسجل عليه أعماله، الاعتقاد باليوم الآخر الذي تعرض فيه الأعمال، وتشهد عليه أعضاؤه - ليهتز كيانه عندما يهم بالإفساد في الأرض، وظلم الآخرين لأنه يعلم أن العليم الحكيم مولاه وإلهه ينظر إليه ويراه، والملائكة الكرام الكاتبين تشاهده، وعند ذلك يخجل ويخاف ويتراجع عن غيه.
وصاحب هذه العقيدة لا يتعالى في الأرض ولا يطغى ولا يبغي، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (النجم: 32).
وهذه العقيدة دافعة لمحاربة الباطل غير هياب صاحبها ولا وجل لأنه يصول ويجول بحول الله وقوته الذي يراه ويشاهده وينظر إليه.
وصاحب هذه العقيدة لا يقعده عن فعل الخير استتاره عن العيون، لأنه يعمل لرب يعلم السر وأخفى ولا يضيع عنده مثقال حبة من خردل، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 16).
إن هذا الاعتقاد هو الذي يتسامى بصاحبه نحو الكمال في كل أمر من أموره وفي كل عمل من أعماله، وتلك هي المرتبة العليا في ديننا وهي الإحسان وسبيلها كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، (رواه البخاري ومسلم).
فإلى الذين يريدون أن يعيش الإنسان في هذه الأرض نظيف القلب، سوي الخلق، قويم العمل، قاصد الخير، متجافيًا عن الشر.
إلى هؤلاء نقول: عليكم بالإسلام الذي يغرس في العباد رقابة الله فتلقي ظلالًا هانئة على نفس صاحبها، وتبدو آثارها من حوله، وفي كل شئونه.