; من الحياة.. رفاق البحار.. وفك الحصار | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. رفاق البحار.. وفك الحصار

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010

مشاهدات 66

نشر في العدد 1906

نشر في الصفحة 54

السبت 12-يونيو-2010

رفاق البحر.. أسطول الحرية.. قافلة شريان حياة الأمة.. أبابيل تصدح على سطح الماء.. ترقى فوق قرارات القمة والاستجداء.. جاءت تركب البحار، وتناصر الأحرار، وتفك الحصار.. أتت تبدد ظلمات اليأس والإحباط وتبث الأمل الذي لدى الكثير مات، تسأل في غزة عن المؤمنين وتؤيد بصبرها المجاهدين الصامدين المرابطين أتت تناصر الأقصى والقدس وغزة وفلسطين، وتسأل عن قيد الأسرى في السجون، وتؤيد أهل الزعتر والزيتون، وتطعم الطعام على حبه المسكين واليتيم والأسير.

أجل.. فهذه سيدة تطلب الصدقات، يلفت نظرها جمع كبير من الناس في تركيا.. وترى الناس يجمعون الإعانات الإنسانية لأهل غزة المحاصرين، فماذا فعلت؟ لقد جادت بما تملك على غير ما يتوقع الناس، فرغم حاجتها الشديدة لم تطلب الإعانة، لكنها لان قلبها، وفاضت مشاعرها، فنبذت ما جمعته لطعامها وقضاء مطالبها، وآثرت إخوانها وأخواتها وأولادها المحاصرين في غزة على نفسها!! وضربت بذلك مثلا مؤثرا في الإيثار.

لقطات مؤثرة من سفينة الحرية

 ضربت لنا قافلة الحرية أروع الأمثلة في القيم الإنسانية، وشاهدنا فيها صورًا مؤثرة فجاءت أحداثها دروسًا تربوية عظيمة. وفي السطور التالية أحاول أن ألتقط بعض هذه الصور.

١ - بوارق الأمل:

إن حادث قافلة الحرية بث الأمل في نفوسنا، فبعد أن ضاقت الأمور، وعم الظلم والظلام، وبلغت القلوب الحناجر، وسُدت كل الأبواب وأوصدت، اتسع الأفق، وبزغ نور العدل، وسكنت القلوب، واطمأنت وفتحت الأبواب، فتحها الأقارب والغرباء، وهلَّت تباشير النصر، وانفراج الأزمة... لقد أصيب كثير منا بالإحباط، بعد أن رأينا العالم كله صامتًا إزاء ما يحدث لأهلنا في غزة، وبعد أن أحكم الحصار، وأُسدل الستار على جرائم الفجار، اليهود ومن عاونهم من الأشرار، بعد هذا كله رأينا الصبح يتنفس، وجاء دعاة السلام والحق والعدل والإنسانية من الغرب، أتوا ليفكوا الحصار عن أهلنا في غزة، ومعهم المساعدات الإنسانية، ليطعموا أهلنا الجائعين، ويضمدوا جراح المجروحين، وليربتوا على أكتاف البائسين، ويدخلوا البسمة على اليتامى والأرامل والمساكين، فإذا بهم يواجهون ببطش الظالمين، وأسلحة الحاقدين، من اليهود المجرمين، فمنهم من فاضت روحه إلى خالقها ومنهم من جرح واعتقل الأعداء الباقين، وإن كان قد أصاب هؤلاء الأخيار قرح وضرر، لكنهم بثوا الأمل، وخلخلوا هذا الحصار، وفضحوا الأشرار، وبينوا للعالم أجمع من هم الإرهابيون بحق، ومن هم أهل السلام.

۲- بروز قائد:

هكذا نرى قادة المسلمين والإسلام، تلك القيادة التي تجسدت في «رجب طيب أردوغان»، ذلك الرجل الأبي، الذي فرض احترامه على البعيد والقريب، والعدو والحبيب، وما حقق ذلك إلا لأنه تربى على قيم الإسلام، وشرب من معينه الشجاعة والإقدام، والشهامة، والإباء، فكال لليهود الصفعات بكل حنكة واقتدار، وعارض اليهود في حزم وإباء، وعراهم وفضحهم بجلاء، فأعاد تركيا الأبية إلى أصلها، فهي التي حمت - كثيرًا - المسلمين والإسلام.. إنه القائد الذي نسج بأصابعه المتوضئة هالات من الخير والنور والأمل، فوقف الجميع أمامه بكل حب وأدب واحترام، فصار نبراسًا لكل قائد، ولقّن غیره ممن يقبلون الأعداء الصهاينة المجرمين دروسًا عظيمة في كيفية التعامل مع سفاكي الدماء، وقاتلي النساء والشيوخ والأطفال. 

3- إباء غزة الحرة:

درس يعلمنا عزة المسلم، هؤلاء الذين شربوا عزة الإسلام، نجدهم يرفضون أن تأتيهم الإعانات الإنسانية التي أتت بها قافلة الحرية، لأن اليهود سيطروا عليها وسفكوا دماء العظماء، واعتقلوا الشرفاء.. هل تصورت نفسك وأنت جائع تحتاج إلى ما يسد جوعتك وترفض الطعام بعزة وإباء؟!! هل تصورت نفسك جريحًا أو مريضًا تحتاج إلى العلاج ثم ترفض العلاج بعزة واباء؟!!

أدعوك - أخي القارئ - إن رأيت نفسك في حاجة إلى زيادة جرعات العزة في نفسك أن تنظر إلى وجوه أهل غزة المجاهدين الصابرين فقد كان أحد الصالحين يقول: «كنا ننظر إلى وجه محمد بن واسع فنظل نعمل بها شهرًا». 

أشهد الله أنني كلما أصابتني شدة تذكرت أهل غزة وسعيت سعيًا إلى النظر في وجوههم، لأحوّل فشلي وإحباطي إلى نجاح، وشدتي إلى فرج، وقنوطي ويأسي إلى أمل واستبشار، فأرى أهل غزة وجوههم ناضرة مستبشرة برغم ما بها من جراح وآلام، وبرغم جبروت الأفعى الصهيونية، وبرغم شدة الحصار، وآلام النفس من تنكر الإخوة وصمتهم، وتأمر بني جلدتهم عليهم.. برغم ذلك كله نجد أهلنا في غزة مجاهدين، مصابرين، مرابطين آخذين بتوجيهات ربهم معينهم وناصرهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران:200).

4- لدينا طاقات كامنة:

علمتنا هذه الأحداث أن لدى الشعوب طاقات كامنة، تحتاج إلى من يفجرها لتظهر وتُزهر، وتنضج وتثمر، فبعد عدوان تآمر المنتفعين من السلطة الفلسطينية على أهلهم في غزة من الشرفاء ففشلوا، وبعد فشل العدوان الصهيوني على غزة العز، وبعد أن أحكم الحصار وصمتت الأنظمة، ونسيت الشعوب القضية أو تناستها إذا بفكرة إبداعية تنبثق من عقل متفتح، ويجتمع عليها أهل العدل والخير من المسلمين وغيرهم، وهي فكرة شعبية تخطيطًا وتنفيذًا، تؤكد لنا أن لدى الشعوب طاقات عظيمة، وبيدها أن تحقق إنجازات كبيرة، كتلك التي نسجها رفاق البحار لفك الحصار، فحققوا الكثير بجهودهم وعرقهم ودمائهم.

5 - فتح معبر رفح

فقد كان فتح معبر رفح من أهم النتائج المترتبة على صلف العدو الصهيوني واعتدائه على قافلة الحرية، حيث فتح المعبر حتى إشعار آخر، دون التقيد بسقف زمني، لتمر المعونات الإنسانية المتجهة إلى غزة، والسماح بمرور الأفراد من الاتجاهين، وقد لقي هذا القرار ارتياحًا على كافة الأصعدة العربية والإسلامية والعالمية.

٦ - أهمية المبادرة بالخير:

 فما أشبه الليلة بالبارحة.. فقد ذكرتني أحداث قافلة الحرية بفك الحصار الظالم الذي فرضه المشركون على المسلمين وذويهم في شعب أبي طالب لمدة ثلاثة أعَوام، ولم يسمحوا بوصول الطعام إلى المسلمين، حتى كان يُسمع - من وراء الشعب - أصوات نساء المسلمين وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا واجتمع أهل الظلم في حيف بني كنانة وتحالفوا على ظلم المسلمين وأقاربهم ومقاطعتهم، فاتفقوا على ألا يزوجوهم وألا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى أكل المسلمون الأوراق والجلود من شدة الجوع وضيق ذات اليد.

كان هشام بن عمرو هو المبادر بنقض الميثاق الظالم وفك هذا الحصار، حيث ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب – وقال: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال: ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال: قد وجدت رجلًا، قال فمن هو؟ قال أنا، قال له زهير: ابغنا رجلًا ثالثًا.

فذهب إلى مطعم بن عدي، فذكَّره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم ويحك، ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد قال: قد وجدت ثانيًا. قال: من هو؟ قال: أنا، قال ابغنا ثالثًا. قال: قد فعلت، قال من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال ابغنا رابعًا.

 ظل هشام بن عمرو - ذلك الرجل الإيجابي المبادر بالخير – يتنقل، حتى انضم إلى قافلة فك الحصار أبو البختري بن هشام، وزمعة بن المطلب، فلما أصبحوا كان أول المتحدثين في الناس زهير بن أبي أمية، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يُباع ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة فجادله أبو جهل، ورد عليه المتضامنون الرفع الظلم.

كان أبو طالب جالسًا، ذلك أن الله عز وجل كان قد أطلع رسول الله ﷺ على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من قطيعة وظلم، ولم تبق فيها إلا ذكر الله تعالى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمه بذلك، فخرج أبو طالب إلى قريش، وأخبرهم بما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو طالب لقريش: إن كان ابن أخي كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا. قالوا: قد أنصفت.

وبعد أن دار الحوار بين مناصري الحق وبين أبي جهل عليه لعنة الله، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، وكانت مُعلَّقة في جوف الكعبة، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا «باسمك اللهم»، وما كان فيها من اسم الله، وبذلك نقضت الصحيفة وفك الحصار عن رسول الله ﷺ ومن معه في الشعب.

7- ما أكثر الآيات التي تحثنا على الوحدة ونبذ الفرقة:

وأحداث أسطول الحرية تؤكد أن الفكرة مهما كانت عظيمة فإن بلورتها وتنفيذها يحتاج إلى تعاون بين أهل الخير وتلاحم بينهم فما كان لهذا العمل العظيم أن يتم بفرد، ولكن اجتمع عليه أناس عظماء من عشرات الدول جمعهم مبدأ واحد فاستطاعوا أن يقدموا الكثير، فما أحوجنا إلى العمل بهدي قوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة:2).

وما أحوجنا إلى أن نطيع رسولنا العظيم في قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم).

8- التربية بالأحداث:

ما أحوجنا إلى تربية أنفسنا وأولادنا بالأحداث، فما حدث لأهل قافلة الحرية ينبغي أن نستثمره في تربية أنفسنا تربية ذاتية وكذلك تربية أولادنا، فينبغي أن نفهمهم ما يعانيه رفاقهم في غزة، ومن ثم يجب عليهم شكر النعمة التي هم فيها، ومن أهم ضرائب هذه النعمة ووسائل شكرها أن يساعدوا المحتاجين وأن يواسوا المهمومين كما ينبغي لنا أن نعرفهم بعدوهم.

 وليعلم الناس جميعًا أنه لم يعد مجال للسلبية أو الخوف، فقد رأينا الشيخ الكبير ضمن قافلة الحرية، وقد تجاوز عمره الثمانين، وهو يتوق إلى إحدى الحسنيين، إما النصر بفك الحصار وإما الشهادة، وعلى شاكلته رأينا الرجال والنساء والأطفال، فهل المسلم عذر بعد ما شاهدناه؟ وهل الخوف من عواقب نصرة أهلنا بغزة سينجينا من عقاب الله تعالى؟!

أيها القراء الكرام، استجيبوا لقول رازقكم ومن بيده أرواحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الصف:10-13).

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 12

294

الثلاثاء 02-يونيو-1970

يوميات المجتمع - العدد 12

نشر في العدد 18

206

الثلاثاء 14-يوليو-1970

أوقفوا هذه المهازل!