; رسالة من حماة إلى طرابلس | مجلة المجتمع

العنوان رسالة من حماة إلى طرابلس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1983

مشاهدات 69

نشر في العدد 645

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 15-نوفمبر-1983

لم تجف بعد دموع من بقي من أطفال حماة التي هدم النصيريون معظم أحيائها على رؤوس أهلها، ولم تجف بعد أنات الثكالى والأرامل والعجائز والشيوخ، إثر تلك المجزرة الدموية الرهيبة التي قامت بها الوحدات الخاصة النصيرية في مدينة حماة السورية، وتبقى حماة رسالة من الدم والخراب والدمار والثكل إلى كل البشرية، تنبئ أن فاعل المأساة لا يمكن أن تردعه الدماء البريئة عن مواصلة فعل الإجرام، وتبقى حماة أيضًا رسالة إلى شعوب المحنة العربية، والمحنة الفلسطينية واللبنانية، محنة المخيمات الفلسطينية والمسلمين في أحياء طرابلس التي تشبه أحياء حماة، ومحنة المساجد التي تشبه حتى في أصول عمارتها ثمانين مسجدًا هدمت في حماة. 

إن كثيرا من المراقبين يحذرون من حماة الثانية في طرابلس، حيث ترتكب المجزرة هذه المرة باسم معارضي السيد عرفات من الفلسطينيين، وإذا كان معارضو عرفات قد أخطأوا في مواقفهم التي أدت إلى خسائر دموية ومادية ومعنوية كثيرة على المستوى الفلسطيني، فإن الوجه الأخطر للخطأ سيظهر بعد أن يتم حسم الأوضاع في شمال لبنان، فمعارضة عرفات تورطت مع دمشق، ولا يمكنها الآن أن تتراجع، وهي بذلك موضوعة أمام خيارات عدة، كلها سوف يؤدي إلى تدمير المقاومة الفلسطينية، ذلك بأن هدف سورية في الحقيقة ليس رأس عرفات وحسب، ولا السيطرة على منظمة التحرير وحسب، وإن كان هذان الأمران هدفين، لكن الهدف التالي هو إسقاط المقاومة الإسلامية في طرابلس، وهذا في الحقيقة هدف استراتيجي لسورية، لاعتقاد النظام السوري أن مستقبل الساحل السوري رهن بسيطرته على طرابلس، وكسر شوكة المقاومة المعارضة للنظام السوري وخططه المستقبلية، وفق ما يذكر عن «نظرية للتقسيم» اتفق عليها بعض النصيريين مع إسرائيل، والذي يجعل هذا السبب أكثر تأثيرًا، هو أن طرابلس تبدو الآن معقلًا للمقاومة الإسلامية المتلاحمة مع عرفات، ولا ريب في أن النظام السوري يعتبر أن من مهامه الاستراتيجية ضرب أي حركة إسلامية في المنطقة، من ههنا يظهر أن المعارضة الفلسطينية ستستمر في كونها الأداة والغطاء ضد المقاومة في طرابلس، وذلك لأن سورية بحاجة إلى غطاء فلسطيني لاستمرار صراعها في الشمال اللبناني، ومن المحتمل أن تحول سورية صورة الصراع فتضفي عليه سمة المعركة بين اليسار واليمين، وقد أشار إلى ذلك مصطفى طلاس- وزير الدفاع السوري- الذي صرح بأن تصفية الشيوعيين في طرابلس لن تمر دون رد على المقاومة الإسلامية، وهكذا فإن النظام السوري في هذه الحالة وبغطاء يساري يرضي السوفيات، الذين قد لا يسرهم خسران الورقة الفلسطينية، بينما يتمتع الإجراء في الوقت نفسه بتأييد كبير من الولايات المتحدة وإسرائيل، في القضاء على معقل المقاومة الإسلامية في طرابلس، وإنهاء الوضع العسكري الفلسطيني والتمهيد للتسوية، ومن المدهش أن يسوغ أحد قادة المعارضة الفلسطينية تحالف المنشقين مع النظام السوري، بأن الطرفين يشتركان في هدف تكتيكي، ويختلفان فيما بعد: فهما معًا يشتركان في معارضة المشاريع المطروحة، النظام السوري يعارض للوصول إلى تسوية، والمعارضة تعارض للوصول إلى التحرير! وإذا تجاوزنا عن الأسلوب التسويفي في هذا العرض، فإننا نعتقد دون شك بأن التحول- بعد المعارضة- من التسوية إلى التحرير مسألة وهم لا أساس له.

ووسط هذا التداخل تبرز تصريحات الشيخ سعيد شعبان- مسؤول حركة التوحيد الإسلامي بطرابلس- لتؤكد أن معركة طرابلس حاصلة لا محالة، فرغبة المسلمين في بقاء عرفات بطرابلس تعني الاستفادة من القوة العسكرية التي يملكها عرفات ومؤيدوه، في مقاومة الغزو السوري للمدينة، وتدرك حركة التوحيد والمسلمون بطرابلس أن الخيار الوحيد أمامهم هو قتال الوحدات السورية في طرابلس، إن هجمت الوحدات السورية على المدينة، ولكن المشكلة هي مدى تكافؤ القوى، فالنظام السوري قد لا يضطر إلى اقتحام المدينة في البداية، ويمكنه الاستمرار في قصفها واستنفاد قواها وذخائرها فترة طويلة، كما فعل في حماة تمامًا، بينما لا نستطيع الجزم بأن طرابلس تستطيع التزود بالسلاح والذخائر طويلًا، لأن البواخر الإسرائيلية تحاصرها من البحر، من ناحية أخرى يتمتع النظام السوري بتغطية خارجية واسعة، فالسوفيات يرغبون بالانتقام من الإسلاميين الذين أنهوا النفوذ الشيوعي في طرابلس، والأمريكان وإسرائيل راضيان، لأن تصفية المقاومة الإسلامية والفلسطينية هي هدف أساسي لا بد منه لاستقرار نفوذهما في المنطقة، بينما معظم العرب الرسميين صامتون، بل إن بعضهم راض في السر عما يجري.

 وبناء على الشريحة السابقة يمكن أن نقول: إن طرابلس تقف في الساحة تقاوم وحدها، وإذا تم خروج عرفات من طرابلس فهذا يعني بقاء المسلمين في طرابلس وحدهم في مواجهة القوات السورية.

إن خيارًا آخر قد يكون موضوعًا للمناقشة في هذه الحال، وذلك إذا افترضنا أن القوات السورية أكبر حجمًا من قوات الطرابلسيين، وأن قدرتها على الإيذاء والتدمير أشد من دفاع أهل طرابلس، وأن قابلية مدينة ملأى بالأطفال والنساء للخسائر أكبر أيضًا، فإن الحؤول دون غزو السوريين لطرابلس من خلال استنهاض النخوة العربية عند بعض رجالات الأنظمة في المنطقة، قد يكون حلًا سريعًا الآن على الأقل، ولكن إذا أصر السوريون على استسلام المدينة، وتجريد المقاومة من السلاح وهذا أمر متوقع لأنه يدخل ضمن خطط سورية، ويتمتع برضا بعض الأطراف الدولية والعربية المعنية، فإن خوض المعركة أمر لا مناص منه: فالأسلوب السوري في اقتحام المدن لا نظير له، هناك تدمير للبيوت على رؤوس المدنيين العزل دون تمييز، وهناك انتهاك للأعراض عار عن كل نخوة، وهناك نهب للمدينة بأسرها.

وفي اعتقادنا أن المجال ما زال مفتوحًا أمام خيار الضغوط الخارجية على سورية، ذلك بأن انتصار النظام السوري على منظمة التحرير وحيازته معظم أوراق اللعبة مسألة لا يرتاح لها بعض العرب.. ولعل الروس- كما صرح مصدر روسي مطلع لصحيفة لوموند الفرنسية- يدركون أن مشروع النظام السوري «يخدم في المقام الأول مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل» ولهذا قام الاتحاد السوفياتي- حسب اللوموند أيضًا- بمساع سرية لدى سورية لحثها على التراجع عن مشروعها كاملًا، وهذا هو الذي أدى إلى وقف إطلاق النار الأخير في شمال لبنان، وكذلك فإن بعض الأنظمة العربية ليس من مصلحتها أن تترك معظم الأوراق في يد سورية، وإلا فسوف تضطر أكثر فأكثر إلى الانقياد لرغبات دمشق، ولن تتمكن من اتخاذ أدنى الإجراءات تجاهها، ومطالب سورية كثيرة جدًا كما ثبت بالتجربة.

على أن تغطية «أمريكية- إسرائيلية» يتمتع بها النظام السوري، وذلك من خلال التلويح بالتصعيد العسكري في المنطقة، وتشبه هذه التغطية على نحو كبير أزمة صواريخ البقاع ومناورات الطيران المتبادلة بين السوريين والإسرائيليين في إبان تدمير مدينة حماة ونهبها وانتهاكها، فهل ستكون هذه التغطية هي المقدمة لتدمير مدينة طرابلس؟؟ 

هذا هو باختصار الوضع المحيط بطرابلس، وستبقى رسالة حماة إلى طرابلس: حي على جهاد المعتدي، وتبقى القضية في كل تطوراتها محكًا للأنظمة العربية التي أعلنت مرارًا عن حرصها الزائد على إيقاف سفك الدماء، لنرى في النهاية: هل يهب هؤلاء فيضربون يد الظالم ويقتصون منه، ثم يقطعون عنه كل عون ومدد؟ أم أن ما سيجري لن يكون على أساس من هذا الأمل؟

الرابط المختصر :