; رسالة من السلطان عبد الحميد إلى شيخه | مجلة المجتمع

العنوان رسالة من السلطان عبد الحميد إلى شيخه

الكاتب عبد القادر أحمد عبد القادر

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2001

مشاهدات 66

نشر في العدد 1454

نشر في الصفحة 46

السبت 09-يونيو-2001

هذه رسالة وجهها السلطان الصالح عبد الحميد - آخر سلطان للمسلمين في الخلافة - إلى شيخه أيام أن كان للأمراء والسلاطين شيوخ يربونهم ويوجهونهم، لا شيوخ يوجههم السلاطين والأمراء إلى ما يشتهون.

اعرض الرسالة، ثم اتبعها ببعض التعليقات لعلنا نستفيد أشياء تنفعنا بين يدي انتفاضة القدس، وما يتوقع أن يتبعها من مؤتمرات، أو مؤامرات، في صورة اتفاقيات بتوقيعات.. ولنبدأ بالرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين إلى يوم الدين. أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية، إلى موقظ الروح والحياة، إلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات وأقبل يديه المباركتين راجياً دعواته الصالحة.

بعد تقديم احترامي أعرض أنني تلقيت كتابكم المؤرخ في ٣٢ مايك السنة الحالية، وحمدت المولى وشكرته أنكم في صحة وسلامة دائمتين.

 سيدي.. إنني بتوفيق الله مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليل نهار، وأعرض أنني مازلت  محتاجاً لدعواتكم القلبية بصورة دائمة. بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثال أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآتية أمانة في ذمة التاريخ: إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني - بسبب المضايقة من رؤساء الاتحاد المعروفة باسم جون تورك، وتهديدهم - اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة.

 إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة «فلسطين»، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيراً بتقديم (١٥٠) مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً.

وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الأرض ذهباً - فضلاً عن (١٥٠) مائة وخمسين مليون ليرة ذهباً - فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية، والأمة المحمدية، ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أسود صحائف المسلمين أباني وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضاً.

وبعد جوابي القطعي، اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى «سلانيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير، هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن الطخ الدولة العثمانية، والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة «فلسطين»، وقد كان بعد ذلك ما كان، ولذا أكرر الحمد والثناء على الله المتعال واعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع المهم وبه أختم رسالتي هذه. اقبل يديكم المباركتين وأرجو أن تتفضلوا بقبول احترامي سلامي إلى جميع الإخوان والأصدقاء يا أستاذي العظيم.

لقد أطلت . ولكم التحية - ولكن دفعني لهذه الإطالة أن تحيط علم سماحتكم، وتحيط جماعتكم علماً بذلك أيضاً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته خادم المسلمين عبد الحميد بن عبد المجيد.

٢٩ رمضان ١٢٣٩ هـ ٢٢ أيلول - سبتمبر ١٩١١م

إضاءات من الرسالة:

1 - لم يكن شيوخ الصوفية مجرد معلمين للذكر والأوراد، بل كانوا معلمين لشؤون الأمة، فهذا الشيخ محمود أبو الشامات مهتم بأمر الخلافة اهتمامه بأمر الأذكار والأوراد، وإنه يراجع السلطان في أمور السياسة مثلما يتابعه في أمور العبادة، إنه المصحف والسيف، أو الدين والدولة بتعبير الإمام البنا - يرحم الله الجميع. الشيخ أبو الشامات يتابع المؤامرتين على الخلافة، وعلى فلسطين، ولقد ظل هذا الدور للمربين في متابعة السلاطين منذ بدأ الشيخان الغزالي والجيلاني في إنشاء وتربية أجيال النصر والحكم الأجيال التي انتصرت على الصليبيين، وقادت الأمة بعد ذلك، ثم جاء الشيخ العز بن عبد السلام الذي ربي قادة وجيل النصر على التتار، وتواصلت محاضن تربية أولئك الحكام الذين كان آخرهم السلطان عبد الحميد. 

٢- كانت خطة اليهود لانتزاع فلسطين تعتمد على إلغاء دولة الخلافة، وإقصاء الخليفة، من هنا ندرك الخصومة، بل العداء الشديد من الأنظمة الموالية للصهيونية للخلافة الإسلامية، حتى إن أحد وزراء الداخلية لدولة إسلامية كبيرة يقف ويرفع صوته عالياً لن تعود الخلافة الإسلامية.

٣- الخطر الصهيوني يعظم إذا استجاب العميل للأهداف الصهيونية، ولكن العقل والقلب المسلم أعظم من ذهب الدنيا﴿فَمَآ ءَاتَىِن اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَىكُم ﴾  (النمل: (٣٦).

٤- شرف وشرعية الحاكم المسلم في أمرين: الأول: تطبيق المنهج الإسلامي في حياة البشر الثاني: أن يحافظ على الأرض الإسلامية والمقدسات وغير هذين الأمرين عبر عنه السلطان عبد الحميد بأنه تلطيخ للدولة، فكم من الحكام لطخ ويلطخ؟

كم عدد الذين سلموا فلسطين قطعة كم عدد هؤلاء الذين وافقوا على صيغ تضييع فلسطين. بدءاً من استحسان قرارات التقسيم، ومروراً بالقرار الإنجليزي ٢٤٢ ثم مؤتمر مدريد، ثم أوسلو، ثم مؤتمرات شرم الشيخ وغيرها ؟

ه - كانت الدولة العثمانية تمر بمرحلة الضعف

والشيخوخة، وكانت الدول الغربية تنخر في عظامها. وكانت تتربص لموت الدولة العثمانية دولة الخلافة الإسلامية، أما الدول العربية فكانت تئن تحت وطأة حكام مصنوعين أو مشغولين بتأسيس ممالك على حساب الخلافة، أو للانفصال، في ذلك الوقت وفي تلك الأحوال، كانت الدول الغربية الصليبية تتقدم لالتهام البلدان الإسلامية قطعة.

٦ - وترتيباً على ذلك لم يكن السلطان عبد الحميد يستطيع عمل شيء لفلسطين أكثر مما عمل برفض بيعها، رغم ديون دولته، ورغم بريق الذهب لاسيما أن الحركة الصهيونية كانت تعمل في داخل تركيا، وقد أحاطت بالسلطان من جميع الجهات من خلال نشاط يهود الدونمة وعلمائهم الكماليين ومن خلال المحفل الماسوني، لقد مضى السلطان عبد الحميد شريفاً طاهراً، فلم توقع يده على بيع أو تنازل قليل أو كثير من فلسطين، ولم تتوسخ يده بذهب ونقود اليهود ثم جاء الذين باعوا فوقعوا أو تنازلوا فقبضوا.

٧- وبعد إسقاط الخلافة بأربع سنوات نهضت حركة الإخوان المسلمين لتستلم مهمة العمل الإسلامي،ولتواصل أعمال الجهاد ضد الصهيونية، فتألق ذلك الجهاد في مؤازرة الثورات الإسلامية ضد الهجرات اليهودية، ثم في جهاد ١٣٦٧هـ - ١٩٤٨م، ثم عاد جهاد الإخوان المسلمين فتألق بظهور منظمة حماس في سنة ١٤٠٨هـ . ١٩٨٩م، في انتفاضتها الأولى، حين استسلمت أنظمة للمطلب الصهيوني، وإن الحديث والأحداث متصلان باستمرار انتفاضة الأقصى شهرها الرابع، تؤججها أرواح الشهداء المرتفعين إلى عنان السماء.

الرابط المختصر :