العنوان رسالة مفتوحة إلى قادة المجاهدين الأفغان
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993
مشاهدات 89
نشر في العدد 1044
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 06-أبريل-1993
أثبتوا للدنيا أنكم أكبر من مغانم النصر، كما أثبتم لها أنكم أكبر من مغارم المعركة ومحنها ومآسيها.
يوم وضعت الحرب أوزارها، واستمعت
الدنيا إلى نصركم على الشيوعية، هلل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها فرحًا،
ورقصت قلوبهم طربًا، ولهجت ألسنتهم بتحيتكم والثناء عليكم، لأنهم رأوكم صبرتم على
لأواء الحرب ونكباتها الشداد خمسة عشر عامًا، لم تفل لكم عزيمة، ولم تخور لكم قوة،
ولم تضعف لكم إرادة، مع أنكم عرفتم تكاليف الحرب الباهظة، وما يجر استمرارها عليكم
من مآس وفواجع وآلام:
وما
الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما
هو عنها بالحديث المرجم
لقد رأى المسلمون بأم أعينهم أن
الحرب أكلت منكم مليونًا ونصف مليون شهيد، وطوحت بمثلهم من الشيوخ والنساء
والأرامل والأيتام، وشردت الملايين، وأنتم صابرون صامدون زاحفون ضاربون، حتى
أثخنتم جسد الدب الروسي بالجراح، وأرغمتموه على الانسحاب صاغرًا ذليلًا، ثم سقط بعد
ضرباتكم الموجعات المزلزلات، مفكك الأوصال، ذاهب الريح، مفرق الكلمة.
كانت فرحة المسلمين بنصركم لا توصف،
لأنهم رأوا فيكم النموذج الراقي للمصابرة والمغالبة والتصميم على بلوغ الهدف، وهذا
ما تتعطش جماهير المسلمين إلى وجوده في أمتهم، فقد رأوكم بدأتم بمواجهة الدب
الروسي وهو في عنفوان قوته، وصلف كبريائه، وأوج غطرسته، بدأتم بمواجهته بأسلحة
بدائية تلفها الخرق، ونفد تموينكم وقوتكم في بعض الأحيان، فكنتم تقتاتون أوراق
الشجر، وصممتم على انتزاع النصر، مهما كان الثمن غاليًا، ومهما كان الطريق شائكًا
طويلًا، مؤمنين أن الحق لا ينال بالتمني والثرثرة الفارغة، وإنما ينتزع من غاصبيه
انتزاعًا بالصبر والمصابرة والمغالبة.
وما
نيل المطالب بالتمني ولكن
تؤخذ الدنيا غلابا
لقد صدقتم الله في جهادكم، فصدقكم
الله وعده، ونصرتموه فنصركم وثبت أقدامكم: «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم».
وبصدقكم هذا ونصركم ربكم أنزل الله سكينته عليكم، ملأ أنفسكم طمأنينة بأن نصر الله
آت لا ريب فيه، فلم يخالجكم شك يومًا بالنصر، فمضيتم في جهادكم مستهينين بالصعاب
والعقبات والأشواك، حتى استحققتم النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، ودحرتم
دولة عظمى في سلاحها وعتادها وعديدها، وأثبتم للدنيا قاطبة أنه متى استقرت حقيقة
الإيمان في النفوس المؤمنة، وتمثلت في واقع حياتهم منهجًا للحياة، ونظامًا للحكم،
وتجردًا لله في الجهاد، تنزل نصر الله، وتحقق وعده القاطع، ونفذ حكمه الحاسم: ﴿وَكَانَ
حَقًّا عَلَیۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ (الروم: 47).
وقدمتم الدليل القاطع والبرهان
الساطع على أن النصر يمشي دومًا في ركاب المؤمنين، إذا صح إيمانهم وصدقوا ما
عاهدوا الله عليه، وأنهم لا يُغلبون حينئذ من قلة في المال، أو ضعف في العتاد، في
مواجهة الكفر وأهله: ﴿ وَلَنْ
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141).
ومما زاد في إكبار المسلمين لجهادكم
الميمون ومصابرتكم الفذة أنهم رأوكم قد انقطعت عنكم في كثير من الأحيان المعونات،
وقل الدعم، وعز النصير، فلم يفتّ ذلك كله في عضدكم، ولم يقلل من إيمانكم بحقكم،
ولم يضعف ثقتكم ببلوغ هدفكم، وبقيتم مصممين على السير حتى بلوغ الهدف الأسمى، وهو
مرضاة الله عز وجل بإقامة دولة الإسلام على أرضكم، فكنتم بثباتكم وصمودكم أكبر من
المؤامرات الدولية، وأشد من مكر ومكائد الأعداء.
لذلك كله انبعثت تحيات الإكبار
والتقدير من قلوب ملايين المسلمين إلى الفتية الصيد الأشاوس من مجاهديكم، والسادة
الكرام البهاليل من قادتكم الساهرين على قضيتهم، المخلصين لها، المتفانين في
سبيلها.
كان المسلمون معكم في مشارق الأرض
ومغاربها خلال سني جهادكم الشاق، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها أزجوا تحياتهم
وتهنئاتهم، وعبروا عن فرحتهم الغامرة، وشعورهم الصادق بأن نصركم نصر لهم، وعزتكم
عزة لهم، فهم إذ يهنئونكم إنما يهنئون أنفسهم، وهم إذ علموا صدق نياتكم نحو
الإسلام والمسلمين، أحسوا أنهم منكم، وأنتم منهم.
ولكن فرحتهم لم تدم، بل تلاشت وغاص
بريقها وخبا تألقها، إذ رأوا بعضكم بعد الانتصار على العدو يصوب سلاحه نحو إخوانه
في العقيدة والدين والجهاد والمصير المشترك.
لقد هنأكم المسلمون في أول الأمر
مرتين، مرة على ما حققتم من نصر على العدو، ومرة على انتصاركم على أنفسكم ونزواتها
وأهوائها، وإحباطكم المؤامرات الدولية، واستعلائكم على الدنيا وما فيها من مغانم
سريعة عاجلة، وتصميمكم على بلوغ الهدف الأكبر الذي فيه مرضاة الله عز وجل، وهو
قيام الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله.
وكان أملهم أن تجتازوا الامتحان
الصعب حتى نهايته، وتنجحوا فيه. وما دار في أخلادهم قط أن الرجال الذين أبلوا ذلك
البلاء الحسن، وجاهدوا في الله حق جهاده، سيكون بينهم خصومة وعداوة وشحناء.
لقد كان اختلافكم الذي تسامعت به
الدنيا فاجعة أسالت دموع الغيارى من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكادت
تصيبهم بالإحباط، لم يخفف من وقعها على نفوسهم إلا اعتقادهم أنكم بشر، والبشر لا
يسلمون من نزغ الشيطان، وإلا إيمانهم العميق وأملهم الوطيد أنكم ستعودون إخوة
متحابين متصافين متلاحمين، مستحقين وعد الله المسطور في محكم كتابه: ﴿وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: 55).
إنكم لتعلمون تمام العلم ﴿إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ
بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4). ولقد كنتم في جهادكم خلال خمسة عشر عامًا صفًا
كالبنيان المرصوص. أفلا كنتم بعد النصر كذلك؟! بل لم لا تكونون أشد تلاحمًا
وتماسكًا وتآخيًا؟ لتبقوا فائزين بمحبة الله، ولتكونوا على مستوى معركتكم مع
أعدائكم التي لم تنته بنصركم عليهم، بل ستبقى قائمة، مادام في الدنيا صراع بين
الحق والباطل.
وإنكم لتعلمون أيضًا أن الصبر على
النصر أصعب من الصبر على لأواء المعركة وآلامها، فأثبتوا للدنيا أنكم أكبر من
مغانم النصر، كما أثبتم لها أنكم أكبر من مغارم المعركة ومحنها ومآسيها.
لقد عادت طيوف الطمأنينة إلى القلوب
بالاتفاق الذي أُبرم مؤخرا بمساعي المحبين الغيارى على الجهاد الأفغاني ومصيره،
ولكن التوجس والقلق لا يزايلان النفوس حتى يتم تنفيذ ذلك الاتفاق المحقق للوحدة
والتلاحم والتآخي، المخلف ظن الأعداء وتوقعات بعض وكالات الأنباء من احتمال
انتكاسه ونقضه.
إنه لا يغيب عن بالكم أيها المجاهدون
الأبرار أن دنيا الأعداء التي تسامعت بجهادكم الصادق الميمون، لن تسكت عنكم، ولن
تنام، ولن تألوا جهدًا في الكيد لكم ليل نهار، بل إن مكر الليل والنهار سيمتد من
حولكم، وسيحيط بكم، فحذار حذار أن تمكنوا هذا المكر من النفاذ الى صفوفكم الطاهرة،
وحذار حذار أن تمتد يد من أيديكم المتوضئة إلى بعض صانعيه وأعوانه ومروجيه.
إنكم لا تستطيعون أن تحبطوا مؤامرات
الأعداء المتربصين بكم بعد النصر، إلا بشيء واحد، هو وحدتكم وتلاحمكم وتراص صفكم،
والمسلمون في أنحاء العالم كله يناشدونكم ألا تخيبوا آمالهم بهذه الوحدة وهذا
التلاحم وهذا التراص.
إن المسلمين المحبين لكم، الغيارى
على جهادكم، المهتمين بقيام دولتكم الإسلامية، ليخشون عليكم من ذات البين، وهي
التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام
والقيام؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي
الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين». بل إن ذات البين قد تؤدي إلى
الكفر الذي نهى الرسول عنه واشتد في التحذير منه: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب
بعضكم رقاب بعض»، ولا يكون ذلك التردي في حياة المسلمين إلا بالتنازع والاختلاف
والتناحر المودي بهم إلى الضعف والهلكة والشتات. وقد نهى الله عز وجل عن ذلك كله
بقوله: ﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِیحُكُمۡۖ﴾ (الأنفال: 46)
والأمل فيكم أيها المجاهدون الأبرار ألا تقعوا في حبائل الفتنة والنزاع والشقاق،
ولا تصلوا إلى فساد ذات البين، مهما اختلفت آراؤكم، ومهما تباينت وجهات نظركم.
لقد دخلتم المعركة تبتغون بجهادكم
وجه الله، فلا تخرجوا منها بغير ذلك.
ولقد حققتم آمال المسلمين فيكم
بجهادكم المشرف، فحققوا آمالهم بدوام تلاحمكم وتكاتفكم وتعاضدكم، والاحتفاظ بالنصر
سليمًا قويًا نقيًا، لا تشوبه شائبة من نزاع أو هوى أو أنانية أو طمع، ﴿وَٱللَّهُ
مَعَكُمۡ وَلَن یَتِرَكُمۡ أَعۡمَـٰلَكُمۡ﴾ (محمد: 35).
اقرأ أيضًا:
الرئيس الأفغاني برهان الدين رباني في حوار شامل مع المجتمع يتضمن: تفاصيل المصالحة مع حكمتيار والمساعي القائمة مع طالبان ودوستم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل