العنوان رسالة إلى الشعب الفلسطيني.. وعرفات هل يفهم؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
مشاهدات 66
نشر في العدد 1222
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
من يعرف قدرة الشعوب في مواجهة المستعمرين، ومن يستطيع تحريكها وتنظيمها وتفعيلها، يكون هو المنتصر لا محالة، ومن يشعر بتوجهها، ويحس بنبضها، ويتجاوب مع مشاعرها، ويحسن قيادتها، يكون هو الفائز ولاشك، عرف ذلك من قديم، ورؤي هذا في الحديث، وما طرد المستعمرين في كثير من بلاد العالم الحديث إلا الشعوب، وما انفكت الأغلال وانفرجت الكروب، وأعيدت الكرامات للأمم المهضومة إلا بسواعدها، عرف هذا القاصي والداني، وشعر به العدو والصديق، ورصده الغازي والمحتل، وهذا هو الذي يخيف الإسرائيليين ويرعبهم اليوم، وهو الرصيد الذي تبقى للعرب والفلسطينيين في المعركة مع الصهاينة الساعة، وقد تحدثنا في هذا كثيرًا وكثيرًا، وقلنا يجب أن تكون هناك مصالحة بين السلطات العربية وبين شعوبها، وتفاهم بين الأمة وبين قادتها، كما يجب أن نحذر من أي وقيعة بين الشعوب وبين السلطات، فلا نسمع تحريضًا من أحد، أو نصغي إلى وسوسة من هذا أو ذاك، أو نصدق فتنة من قريب أو بعيد؛ لأن الشعوب هم سلاح الأمة الذي لم يصنعه إنسان، ودرع الديار الذي لم ينتجه الشرق أو الغرب، فهم على ذلك العتاد والعدة خاصة في دول لا تملك سلاحًا ولا عدة.
وقد عجبت للعرض الذي قام به الكاتب الإسرائيلي «أورى أفتيريم»، في معرض نصيحته لقومه الصهاينة بأن يستمعوا إلى صوت العقل في مواجهة الشعب الفلسطيني، ويسيروا في عملية السلام مع عرفات؛ حتى لا يتعرضوا إلى سحق الشعب الفلسطيني، ثم ضرب لذلك الأمثلة الكثيرة على سطوة الشعوب وانتصاراتها على الآلات العسكرية الرهيبة في العالم، فقال: «إن غباء القوة هو الذي أدى بالأمريكيين إلى الهزيمة في فيتنام حين كانوا يرددون دائمًا: هل سيهزم هؤلاء الفيتناميون- الذين لا يمثلون إلا صفرًا- الآلة العسكرية القوية جداً في العالم؟، وهذا ما حصل للروس في أفغانستان، وأحد الشهود العيان كان الجنرال ألكسندر ليبيد الذي قاتل هناك، وقبل أسبوع خضنا حربًا صغيرة مع القوات الشعبية الفلسطينية، وتعرضنا إلى هزيمة في قبر يوسف، ولم نخرج فائزين في باقي المواقع، ومنذ ذلك الحين ورجال القوة غاضبون ويعللون أنفسهم بغباء قائلين: في الجولة القادمة سنكسحهم، سنستخدم كامل قواتنا، سنضع دبابة على كل تلة عالية، ونقيم موقعًا جديدًا تحت كل شجرة، وفي الجو يحوم اقتراح في عقول الإسرائيليين أكثر خطورة وهو الدخول بالدبابات إلى مدن الحكم الذاتي الفلسطيني من أجل تجريد الجنود الفلسطينيين من السلاح، أو فرض النظام هناك، أو إعادة السلطة الإسرائيلية».
ثم يقول الكاتب: «أقترح أن ندعو- على وجه السرعة- الجنرال الروسي ليبيد لزيارة إسرائيل من أجل أن يقص علينا ما حصل في جروزني، والذي حصل هو ما يلي: كلف الجيش الروسي العظيم بمهمة القضاء على مجموعة صغيرة من متمردي الشيشان، ولأجل ذلك دخل الجيش إلى مدينة جروزني التي مساحتها كمساحة مدينة غزة، وكان الجنرالات يدركون أن العملية ستكون صغيرة، وقرر الرئيس يلتسين ذلك من دون أن يفكر مرتين، ربما يكون كل شيء قد تم من خلال الهاتف والبقية معروفة، والجنود الروس قاموا بمذابح في المدينة المحمية جدًا، والمتمردون الشيشان ذبحوا طواقم الدبابات التي توقفت ودمرت، وتحول كل بيت في جروزني إلى موقع يدافع عن المدينة، وقتل نحو ٨٠ ألف جندي ومدني من الجانبين، وفي النهاية توسلت روسيا لوقف النار، وسافر ليبيد نفسه الذي أدرك الهزيمة في افغانستان، وشاهد وعاين ولام جيشه، واستطاع أن ينقذ البقية الباقية منه، فمن أين نحصل على مثل هذا الجنرال؟!!، إذا قرر نتنياهو حقًا أن يثبت لعرفات من أين يبول السمك، فإن السيناريو سيكون هكذا: دبابات الجيش تدخل إلى غزة ونابلس ورام الله، وخلال ساعة ستصل إلى الساحة المركزية، ويعلن الجنرالات بفخر من على شاشات التلفزة الإسرائيلية: لقد استكملنا المهمة، وحينها يبدأ الشعب في الأمر، تقام المتاريس في كل أنحاء المدن، آلاف الفدائيين والشرطة الفلسطينية تتمركز خلف زوايا البيوت وعلى الأسطح، وآلاف المسلحين الشعبيين سينقضون على كل إسرائيلي يتحرك في المنطقة، وعشرات الآلاف من الشباب المزودين بالزجاجات الحارقة سيهاجمون الدبابات، وسيلاحقون الجنود الفارين في أزقة القصبة، وسيقعون في الكمائن المنصوبة لهم هناك، وسيصل عدد الجرحى والقتلى إلى الآلاف، وربما عشرات الآلاف، وستدمر مئات البيوت، وسيبقى عرفات في مكانه مختفيًا في غزة، وسيعلن عن إقامة دولة فلسطينية، وسيعترف بها مائة دولة على الفور في كل أنحاء العالم العربي والأوروبي، وستجري مظاهرة حاشدة من أجل إنقاذ البلاد والعباد، وسيضطر زعماء العالم العربي إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، وسيجتمع مجلس الأمن ليشجب، وسيدعو العالم والأمريكيون إلى الانسحاب الفوري من المدن، ولكن كيف يفعلون ذلك من دون أن يبدو الخروج هربًا مخجلًا؟ وأود أن أقول: بالمقارنة مع جروزني روسيا أكبر قليلاً من إسرائيل، والجيش الروسي أكبر وأقوى من الجيش الإسرائيلي، والشعب الروسي يستطيع أن يمتص الخسائر أكثر من الشعب الإسرائيلي، وهو يستطيع أن يقتل من دون تأنيب ضمير بصورة أكثر، لقد استقال العميد الإسرائيلي «إيلي غيباع» في حرب لبنان من أجل منع دخول الجيش إلى بيروت، وهي العملية التي كانت ستكلف حسب تقديرات الوضع حينذاك ۸۰۰ قتيل إسرائيلي، زيادة على ما قتل في الحرب اللبنانية ٦٥٠ جنديًا إسرائيليًا بدون فائدة ولا طائل، وقبل عدة أيام حطم العميد «غيباع» جدار صمته، وحذر من الدخول في المدن الفلسطينية، إن نتنياهو وشركاه لا يصدقون العميد غيباع، وبالتأكيد لا يصدقونني؛ لذلك أنا أقترح استدعاء الجنرال ليبيد؛ ليقول لكم ذلك».
إن الشعوب حينما تتحرك وتريد شيئًا؛ فإنها لا بد أن تدركه، هذه قاعدة، وكان الشعب الفلسطيني مغيبًا، أو أريد له أن يغيب؛ فانهزمت الجيوش العربية، وربحت إسرائيل، واستطاع المد الإسلامي بعث الشعب وإيقاظ الهمة، رغم الارتزاق بالقضية، وتسويقها للمنافع، أو لتغطية انتكاسات عقلية وفكرية وإدارية، فقام الشعب بالحجر، وليس بالمدفع، واستطاع إرهاق المستعمر وتدويخه إلى أن ركع للمسلم، وجثا للتفاهم، ولكن مع سلطة كانت بعيدة عن المعركة، فرضيت بالبعض لتتنازل عن الكل، وجاء نتنياهو بلاءاته الثلاث ليثبت من جديد سياسة السذاجة والعمى، وليرجع عجلة التسوية العرجاء إلى طريقها المسدود، وليحلم بأزمنة خلت كان الشعب الفلسطيني فيها لم يلد بعد حماس، ولا الجهاد، ولم يخرج بعد أطفال الحجارة، أو تسري فيه روح الجهاد والفدائية التي أذهلت العالم، وهزت الكيان الصهيوني، ولقد وعى «يوسي سريد» الوزير الإسرائيلي السابق هذه الحقيقة فقال: «ما أصبحت السياسة العسكرية تغني عنا شيئًا، لقد جلبت جولدا مائير لنا حرب الغفران التي راح ضحيتها الآلاف في حرب خاسرة، وورطنا مناحم بيجن حين أسقط لنا ٦٥٠ جنديًا في لبنان، ولهذا فنحن يقع على عاتقنا تعليم رئيس الحكومة بحقائق الحياة»، ونحن كافة يجب علينا أن نعلم عرفات ورفاقه كيف يحافظون على قوة الأمة ووحدتها وانتفاضتها، ولا يجهضوا يقظتها، ثم يقودوا مسيرتها إلى نصر كبير وعمل عظيم، ولا يرهبوا أحدًا، أو يرضوا الدنية، وإذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب الزمن، ويأتي نصر الله.. فهل نفهم؟!..