العنوان رسالة إلى البوسنة والهرسك.. أم إليك؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1128
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 06-ديسمبر-1994
رسالة إلى البوسنة والهرسك.. أم إليك؟
معذرة تلك الحبيبة العزيزة البوسنة، فأنا صوت ينادي
أمواتًا، وأصيح في صحراء، وأجأر في فراغ حتى ذهب صوتي وتقطعت أوتار حلقي، وتقرح
فمي، ولا مجيب أو مغيث أو سميع.
معذرة أختي.. فالسواعد مشلولة، والألسنة مقطوعة،
والقلوب مصدوعة والعزائم خائرة، ولا أثرَ يرتجى أو صريخًا يُجاب أو نفوسًا تتألم
أو همم تنهض أو رماح تشرع.
معذرة... فقد تمزقت شغاف الصدور، وتفتت نياط
القلوب، وتشتت أفكار العقول، وأمتي قد ماتت فما تحس منهم من أحد أو تسمع لهم
ركزًا، وأصرخ فلا أسمع إلا نفسي، وأكتوي فلا تشعر إلا ذاتي، وأحترق فلا يلتهب إلا
فؤادي، وأنادي وأنا مكلوم واهن القوى:
ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبدًا ليس بذات
قروح
أباها عليّ الناس لا يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح
إن أمتي قد قتلت مع سبق الإصرار والترصد، بأيدي
أعداء من بني جلدتها، وأعوان من بني قومها، واغتيلت في أيام نحسات من قوى مشبوهة
وأيد ملوثة، فبأي ذنب قتلت، وبأية جريمة اغتيلت؟ قد تكون الغفلة والتفريط واللهو
والتسليم، والعدو يقظ والخائن متربص، حتى كان ما كان.
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الجد دعوى فما
ابتلوا
فلما وقعت الواقعة وجاء الجد، وهجم العدو على
الأمة، وأحاطت بها المصائب والدواهي، وسمعنا في كل يوم ما يشيب له الولدان، وتذهل
به كل مرضعة عما أرضعت، لم نجد إلا أمة صريعة، وشعوبًا مسفوكة، وأنظمة خاوية،
وقيادات خائرة، وآذانًا صماء، وعيونًا عميًا.
والحوادث من بشاعتها في البوسنة والهرسك قد توقظ
الأموات، وتبعث الرمم، وتحرك الجماد، وتنطق الأحجار، وكأن هولاكو بعث من جديد،
وجنكيز خان قد قام من مرقده، فقاد المعركة وبعثر الجماجم، وطير الأشلاء، وهدم
القرى، وجلب الخراب في البوسنة حتى شيب الولدان.
بالأمس قد سكنوا الديار فأصبحوا لا ينظرون ولا مساكنهم ترى
فإذا لقيت لقيت حيًا يائسًا وإذا رأيت رأيت ميتًا
منكرًا
والأمهات بغير صبر: هذه تبكي الصغير وتلك
تبكي الأصغرا
من كل مودعة الطلول دموعها من أجل طفل في الطلول استأخرا
كانت تؤمل أن تطول حياته واليوم تسأل أن يعود
فيقبرا
وقد أهاجت الأحزان مشاعر العالم وروعت قلوبهم،
وأبكت عيونهم، ولكنها للأسف لم تحرك ضمائر أهل الغرب المتآمرين مع القتلة،
المتآزرين مع السفاحين الصرب الذين يمدونهم بالسلاح، ويناصرونهم في مجلس الأمن،
ويتسترون على جرائمهم البشعة. كما لم تهز مشاعر أو أحاسيس سلطاتنا الموقرة
ورؤسائنا الأشاوس، وأنظمتنا المحبوبة والمبجلة أدام الله عزها، ورفع شأنها،
وأبقاها ذخرًا للمسلمين، وحافظة لجناب الملة والدين.
فهي –ولله الحمد الذي لا يُحمد على مكروه سواه–
صامتة صمت القبور، وساكنة سكون الجماد، وكأن الدماء التي تجري أنهارًا في البوسنة
هي دماء الأضاحي أو دماء القرابين التي تذبح حمدًا لله على السلامة والنصر المبين
من رب العالمين.
ومما أثلج الصدور حتى جمدها من الصقيع، سكون
المؤتمر الإسلامي وقياداته الغر الميامين، وكأن البلاء على غيرنا نزل، والدمار
بغير بلادنا حل، والقتل في سوانا استحر، وكأن المؤتمر أقيم نزهة للمؤتمرين، ونصرة
لغير أهل الملة والدين، ولتزيين صدور من أقاموه بالرياحين، فجزاك الله خيرًا عنا
وعن المسلمين.
وقد كنا نطمع في تصريح عنتري لا ينفذ منه شيء، أو
بيان مضري لا يلتفت إليه أحد حتى يحس الناس أن هناك لافتة ناطقة، ومذياعًا
متحدثًا، ولكن يظهر أن اللافتة قد محيت، وأن المذياع قد همد.
وكنا نطمع أن يفعل هذا المؤتمر حتى فعل الجمعيات
الخيرية التي تجمع الملابس الخلقة والقروش الضئيلة، التي يتصدق بها على المزق
الإنسانية الباقية من حطام المدافع، والقذائف الملتهبة.
وما كنا أبدًا سنطمع أو نطمح أن يصير المؤتمر ولا
دولة من دوله مثل الاتحاد السوفيتي مثلًا الذي يلقي بثقله كله حتى إن وزير خارجيته
يكاد يسكن بلاد الصرب ليؤيد هؤلاء المعتدين الظالمين، رغم أنها ليست بلاده ولكنه
لا ينسى ودًا قديمًا، وحلفًا قد ذهبت أيامه وانهد بنيانه.
والمؤتمر الإسلامي العتيد يمثل أكثر من خمسين دولة،
لها خمسون جيشًا، وخمسون مقعدًا في الأمم المتحدة، وليت شعري ماذا تفعل هذه
الجيوش، وهذه المناصب وهذه المقاعد؟
وماذا تعمل أمة هي ثلث العالم في هذه الحياة إن
كانت على قيد الحياة؟ وليعلم كل قاصٍ ودانٍ اليوم أن هذه الأمة الموات لابد لها من
إحياء، ولن تكون إلا بالإيمان وبأيد وقلوب مؤمنة أبية تعشق المجد، وتكره الذلة،
وتهيم بالعزة وتمقت التدني والمسكنة.
والمجد عند المؤمنين رغيبة يبغى كما يبغى الجمال
ويعشق
إن زوجوك به فهو عقيدة ومن العقائد ما يقل
ويصدق
ويومها تنطلق الأمة من إسار الذين
يقيدونها وتنطق أسودها المكبلة تزأر:
كل يصيد الليث وهو مقيد ويعز صيد الضيغم
المفكوك
ويومها ينطلق الرواد وينادي المنادي وابوسناه، ويفرح المؤمنون بنصر الله.