; رسالة إلي لاعب كرة القدم | مجلة المجتمع

العنوان رسالة إلي لاعب كرة القدم

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2010

مشاهدات 1

نشر في العدد 1892

نشر في الصفحة 52

السبت 06-مارس-2010

رسالة إلي لاعب كرة القدم

النبي صلى الله عليه وسلم مارس الرياضة البدنية مع أهله وأسرته فكان يسابق أم المؤمنين السيدة عائشة فتسبقه ويسبقها.

احذر فتنة النساء وتحصن بالزواج ولا تلتفت إلى نظرات المعجبات من النساء والفتيات، واغضض الطرف عنهن إنك مسؤول عن السمع والبصر والفؤاد.

ممارسة الرياضة المشروعة أمر مشروع في ديننا الحنيف الذي يأمرنا بالأخذ بأسباب الصحة البدنية والقوة الجسدية والروحية.

 لا تنسك كرة القدم دعم قضايا أمتك ولا تلهك البطولات عن العبادة فهي الغاية العظمى التي من أجلها خلقت.

كرة قدم تدريب على العمل   الجماعي تعزز انتماء اللاعب لبلده تدعو إلى الإذعان للقدر بعد الأخذ بأسباب الفوز.

إيمان مغازي الشرقاوي

هذه رسالتي.. إلى صاحب القدم الذهبية التي حين يحركها تتحرك معها مشاعر المشاهدين وجموع الشباب والمشجعين.. أقدمها لكل من كان لرياضة الكرة ممارسًا أو محترفًا.. عله يعرف الغرض الحقيقي من ممارسة هذه الرياضة المحببة إلى الكثيرين في هذه الأيام.. إنها إلى لاعب كرة القدم.

أيها اللاعب.. أين نيتك في رياضتك؟

إن كل عمل تقوم به في دنياك لا بد أن يكون لك فيه نية تنويها وتجددها وتخلصها لربك، وتقوى هذه النية بتحديد هدفك ووضعه داخل إطار الطاعة له سبحانه وتعالى، فإنما الأعمال - كل الأعمال بالنيات، وأنت إنما خلقت في هذه الحياة لتقوم بواجب العبودية في عملك كله صغيره وكبيره، لمن وهبك هذه القدم وعافاك، وأعطاك معها الصحة التي تمكنك من ممارسة هذه الرياضة، ومن عليك بأن رزقك ويسر لك أسباب قبولك كلاعب في أحد الفرق أو الأندية، وجعلك - كما يقال - نجمًا، وحياك بتشجيع جمع غفير من جمهور الناس في مختلف المدن والبلدان فتظهر صورتك أمامهم في البيوت والمقاهي على شاشات التلفاز، ويتناقل المحبون أخبارك وأعمالك ويتحدثون عنك في مجالسهم و مدارسهم وشوارعهم ودورهم بل ويتخذك بعض الشباب قدوة لهم.. أفلا يستحق ذلك منك وقفة واحدة صادقة لتصحح نيتك وترسم اتجاهك وتحدد مسارك؟

الرياضة لك قوة .. فكن مؤمنًا قويًا...

إن ممارسة الرياضة المشروعة أمر لا ينافي ديننا الحنيف، بل إننا مأمورون بالأخذ بأسباب الصحة البدنية والقوة الجسدية والروحية، ولقد ضرب لنا النبي ﷺ القدوة العملية في ممارسة الرياضة، فصارع «ركانة» الذي كان أشد قريش وبطل المصارعة في زمانه فلم يصرعه أحد أو يفز عليه وينتزع منه لقب البطولة سوى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؛ إذ صرعه عدة مرات، كما أنه مارس الرياضة البدنية مع أهله وأسرته، فها هو يسابق عائشة رضي الله عنها فتسبقه ويسبقها .. كما جاء عنها: «أنها كانت مع النبي ﷺ فسبقته على في سفر، قالت: فسابقته رجلي، فَلَمَّا حَمَلتُ اللحم سابقته فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة» (أبو داود) وهو الذي يقول لنا: «المؤمن القوي  خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..» (مسلم).

ولا شك أن ممارسة لعبة كرة القدم بشكل صحيح يعطي للبدن قوة، ويصقل الروح ويهذب النفس ويدربها على تحمل الصعب، وضبط النفس والصبر والجلد في سبيل تحقيق الهدف والفوز على الخصم الرياضي الآخر، وكذا بما تتطلبه تدريباتها من تصبر على أدائها والتزام بقوانينها وامتثال تعاليم المدرب الخاص بها، كما أنها تدرب على العمل الجماعي والتحلي بروح الفريق الواحد وتزيد من انتماء اللاعب لبلده وحسن تمثيله، وتعلم الاستسلام للقضاء والإيمان بالقدر بعد الأخذ بأسباب الفوز الذي هو أولًا وأخيرًا بتوفيق الله عز وجل، كما أنها أيضًا تربط اللاعب المؤمن بربه تعالى فتراه يدعوه أن ييسر له ولفريقه أسباب الفوز، ويلح في الدعاء، فإذا من عليه بفوز خر له ساجدًا شاكرًا، وهذا يبين ضرورة أن يجعل المسلم نيته لله في كل أعماله.

للرياضة ضوابط وشروط...

لكن الرياضة شأنها شأن سائر الأعمال في حياتنا، قد تكون نافعة إيجابية النتائج مأمونة العواقب، وقد تكون ضارة سلبية الآثار فتنقلب محدثة أضرارًا جسيمة متى ما أسيء فهم الغرض من ممارستها، لذا فإنها ولا سيما رياضة كرة القدم تحتاج إلى ضوابط تحكمها وشروط تنظمها، وأخلاق تضبطها، وقبل ذلك إيمان كبير بالله عز وجل يحرك هذا اللاعب أو ذاك دون أن يعتريه أدنى غرور أو آفة تقصير أو سوء أدب.

وحينما تخص الحديث عن رياضة كرة القدم، فإنما ذلك لما أحدثته هذه الرياضة اليوم من صخب واستحواذ على عقول الكثيرين وتصرفاتهم، لاعبين ومشجعين على السواء، إذ صارت لعبة عالمية دولية فاقت كل الألعاب، وقننت وأصبحت حرفة للاعبين، وسبب رزق للكثيرين ممن يتعاملون معها من مدربين وحكام وعاملين بل ورجال أعمال، وأضحت من أسباب تنشيط السياحة في البلاد التي تقام فيها بطولاتها الكبيرة، ومن هنا فقد أخذت حجمًا فوق حجمها الطبيعي مما يستدعي منا أن نقف لحظة فقط للتأمل ووضع النقاط على حروف هذه اللعبة المؤثرة التي أوشكت أن تطفى على كل الرياضات، بل على كل القضايا المهمة في حياة الناس.

ولست بصدد الحديث عن حكم هذه اللعبة، فهذا شان واختصاص أولي العلم الأجلاء، لكني أردت من واقع معايشتي لها أن أذكر بعض الضوابط التي تضعها في دائرة أفضل مما هي عليه الآن: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55)

وإذا ما فكرنا في هذه الضوابط أيها اللاعب فإن أولها أن يكون الغرض الحقيقي من ممارستك لها هو التعبد لله تعالى بها فتتعدد النيات منك فيها وكلها تصب في مصب طاعته عز وجل، فنية قوة البدن والصحة العامة وطلب المعاش، وتمثيل بلدك وحسن انتمائك له والحرص على ما ينفعك وينفعه، وكذا ما يكون من التعارف بين اللاعبين من مختلف البلاد والتألف وتبادل المهارات قد تحققه في هذه الرياضة، وكذا الترويح على المشاهدين وتقديم القدوة الطيبة  لهم من نفسك أمر طيب تؤجر عليه ما أخلصت له النية وسعيت لتحقيقه، كما أن الالتزام بمنهج الله تعالى وشرعه قبل وأثناء وبعد اللعب أمر مطلوب لا جدال فيه، فقبل اللعب لا تلهك تدريباتها عن ذكر، ولا تفوت عليك طاعة، ولا تؤجل واحبًا أو تنسيك بر والد وصلة رحم وحق زوجة وتربية ولد وواجب أخوة.

 أما أثناء اللعب فلا تظهر عورتك ولا تؤخر صلاتك ولا تعص مدربك ولا تسب منافسك ولا تؤذ خصمك ولا تشتم أخاك ولا تشذ عن فريقك ولا تراء جمهورك ولا تنبذ الخلق الطيب مهما تكن الأسباب.

وقد بين الشيخ يوسف القرضاوي عدة ضوابط تحكم هذه اللعبة، فقال:

 لا مانع شرعًا من لعب كرة القدم، إذ ليس فيها محظور شرعي، بشرط أن تراعى عدة ضوابط:

- ألا تشغل لاعبها عن واجب ديني كأداء الصلوات في أوقاتها، أو دنيوي كمذاكرة الطالب لدروسه، أو شغل العامل عن كسب عيشه، أو إهمال موظف لوظيفته.

- أن تحترم قواعد اللعبة المتفق عليها بين أهلها، حتى أصبحت ميثاقًا يجب المحافظة عليه، حتى لا ينقضه أحد جهرة أو خفية.

 - ألا يستخدم العنف ضد الفريق الآخر، فإن الله يحب الرفق، ويكره العنف.

 - ألا ينحاز لفريق ضد خصمه إذا كان حكمًا، بل يجب أن يكون محايدًا، ويجعل العدل شعاره ما استطاع ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58)

 ثم قال: وكل المباحات مقيدة بعدم الإسراف، فإذا بلغت حد الإسراف استحالت إلى الحرام، بل العبادة إذا غلا فيها الإنسان انكرها الشرع، وقال لمن غلا: «إن لبدنك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لزورك «زوارك» عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه».

إليك يا لاعب كرة القدم...

- أنت داعية لدينك وممثل لبلدك شئت أم أبيت فكن خير ممثل، وقدم للشباب خير قدوة بالتزامك بتعاليم دينك وحسن خلقك.

- احرص على أوقات الطاعات، فأنت أقدر من يعرف قيمة الوقت، فالدقيقة والثانية قد تؤثر في نتيجة آية مباراة تشترك فيها، فلا تكن دقائق حياتك وأنفاسك أقل نفاسة عندك من دقائق المباريات، فكم تعادل دقيقة من العمل الصالح في الميزان يوم القيامة.

- حاول أن تصلي الصلوات في أوقاتها، واحرص على صلاة الجماعة ولو مع فريقك الكروي.

- انتبه واحذر أمراض القلوب من عجب وكبر وغرور، أو حسد وغيرة وبغضاء أن تصيب قلبك فتمرضه أو تهلكه.

- احذر التعصب الأعمى الذي يفرق ولا يجمع، وخذ بأسباب الفوز وتوكل على الله وارض بما يقدره بعد ذلك.

- احرص على التفقه في أمور دينك واعرف الحلال من الحرام لتفوز وتسلم، وحاول أن تنال قسطًا وافرًا من العلم والتعليم.

- كلما فزت في مباراة فتذكر الفوز الحقيقي الكبير في الآخرة، فاحرص عليه واسلك سبيله وخذ بأسبابه.

- إذا نظرت إلى شبكة الجول «المرمى» التي تصطاد الكرة؛ فتذكر شباك الشيطان التي ينصبها للناس ليل نهار ليصطادهم، واحذر الوقوع فيها بارتكاب المعاصي والافتتان بالشهوات والسقوط في الفتن والشبهات.

- كلما أحرزت هدفًا في شباك منافسك فاشكر الله، وتذكر هدفك الأسمى والأغلى وهو رضا ربك عنك ودخولك جنته.

- كلما ارتفعت قدمك لتسدد الكرة فتذكر نعمة الله عليك بالعافية واشكره عليها يزدك، ولا تغتر لهدف أحرزته أو توفيق وفقك ربك إليه.

- أعلم أن أيام الرياضة يومان يوم لك ويوم عليك، وأن الرياضة غالب ومغلوب، وليست الغلبة هي مفتاح النجاة كما أن الهزيمة ليست هي نهاية الدنيا فالأيام سجال، فلا يغرنك الفوز، ولا تحبطنك الهزيمة، بل إذا غلبت فتواضع واشكر، وإذا كانت الأخرى فاستغفر واصبر.

- لا تكن مقلدًا لغيرك من اللاعبين في ملبسك ومظهرك وشعرك، واحرص على ألا ترتدي ملابس الرياضة التي تحمل إعلانات غير لائقة، وكن متميزًا ذا هوية كلاعب مسلم.

- اقتصد في نفقتك ولا تكن مسرفًا مبددًا لمالك، وليكن للفقراء واليتامى والأرامل والمساكين والضعفاء والمنكوبين حق فيه عليك، فالمال مال الله وأنت الذي مستخلف فيه.

- لا تكتف باحترافك للكرة، وليكن لك عمل آخر معها كمورد للرزق تشارك فيه بجزء من مالك وتسد فيه حاجة الكثيرين من الشباب للعمل وتقلل به من نسبة البطالة، وحبذا لو اشترك عدد من اللاعبين معًا في إقامة مشروع خيري يدر الخير على الناس وعليهم في الدنيا والآخرة، كما فعل بعض اللاعبين جزاهم الله خيرًا.

- لا تنس إخراج زكاة مالك ولا تحرم نفسك من أجر كفالة يتيم أو أكثر.

- احذر فتنة النساء وتحصن بالزواج، ولا تلتفت إلى نظرات المعجبات من النساء والفتيات، واغضض الطرف عنهن ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36)

- ليكن لك جلساء خير إذا أخطأت ذكروك وإذا أطعت أعانوك، وما أجمل ما نسمع عن بعض اللاعبين ممن يحرصون على تعلم العلوم الشرعية ويجتمعون على ذكر الله؛ فيصلون معًا ويقرؤون القرآن معًا ويسجدون شكرا لله معًا.

- احرص على أداء الحقوق لأهلها، فبر والديك وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 15)  (لقمان: ١٥)، واحسن عشرة زوجتك وتربية أولادك وقهم النار، وزر مريضًا وصل رحمًا واسع في قضاء حوائج الناس ما استطعت.

 - التزم بآداب اللعب، فلا تكن عنيفًا وراقب الله في تصرفاتك، فلا تحاول أن تفتعل الاحتكاك بينك وبين منافسك لتأخذ ما ليس من حقك فالله يراك فإنه يعلم السر وأخفى.

- إذا تيسر لك الاحتراف خارج بلدك، فكن مثالًا لائقًا مشرفًا، واحرص على دينك وتمسك به حرصك وتمسكك بالحياة، ولا يغنيك الاحتراف عن الانضمام إلى فريقك الوطني، ولا يمنعك من أن تكون واحدًا من أفراد المنتخب فالتشجيع والانتماء حق للوطن علينا جميعًا.

وأخيرًا.. لا تنسك كرة القدم قضايا أمتك المهمة الكثيرة والمشاركة فيها وفي دعمها بكل ما أوتيت من قوة فما هكذا يفعل الأبطال، ولا تلهك البطولات عن الغاية العظمى التي من أجلها خلقت، ولا تذهب بك الكؤوس بعيدًا عن الهدف الخالد «الجنة» الذي من أجله يجب أن تسعى، وليس من اللائق بك أن تعصي ربك أو تتمرد على أوامره أو تكسل في أداء عملك أو تغتر بشهرتك أو تراثي بأقوالك، فإن عين الله ترصدك قبل أن تتطلع إليك العيون، وكاميرا المراقبة تصوّر حركاتك، وأقلام الكرام الحفظة تسجل كلماتك، وأجلك المسمى تقد معه أنفاسك فانظر أي قول تتلفظ وأي كلام تتكلم وأي عمل تقوم به.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1023

الثلاثاء 17-مارس-1970

قرار الشؤون جاء للمصلحة

نشر في العدد 2173

267

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

كأس العالم فرصة دعوية