العنوان رسالة دمشق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1972
مشاهدات 94
نشر في العدد 117
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 12-سبتمبر-1972
◘◘والسيارة تشق بنا الطريق في سوريا علوًا وانخفاضًا في أرض المقدسات من قديم الزمان كما حدثني صاحبي! إذ قال لي في هذه القمة كان وجود «هابيل وقابيل»!! وفي هذه المنطقة أيضًا قبر «نوح» عليه السلام!! إلخ وحديث طويل عن النزاعات والحروب في هذه الأرض.
لم يعنيني الحديث كله وأن أصغيت إليه، ولم أشأ مناقشة الموضوعات صحة أو نفيًا، لأن الإحساس الذي كنت أشعر به أني انتقلت فجأة من عذاب الله إلى رحمته، فالسفر قطعة من العذاب وما بالك إذا كانت درجة الحرارة ما بين الـ 45 والـ 50..!! ولا أريد أن أنغص على نفسي ساحة الرحمة بأصوات المناقشات والمجادلات، وأخذت أعبئ رئتي بالهواء العليل والنسيم البارد، وأمتع ناظري بالخضرة الطبيعية التي تكسو الجبال والوديان، فضلاً من الله ورحمة.
◘◘لكن فتى في العشرين من عمره في قرية «مضايا» التي تربض على سفح الجبل متحدية كل القوانين بما فيها من البضائع المستوردة والمهربة والذي يعتبر كل بيت فيها سوقًا وحدة بما حوى منها! هذا الفتى قطع رحلة التأملات في المناظر الطبيعية إلى دراسة له كمثل نادر للعصاميين الأبطال الذين يصنعون تاريخهم وحياتهم بكد الذهن وعرق الجبين.. معتمدين على الله وعلى أنفسهم ولا يقف طموحهم عند حد معين.
◘◘هبطت من السيارة لأشتري «الاذرة الشامية المسلوقة في الماء والملح» حسب طلب الأولاد.. وأعجبني أن أرى البائع يتعامل مع الناس بأسلوب رقيق مهذب، وسيماه في وجهه من أثر السجود، وعمره لم يتجاوز العشرين بعد، وهو الذي يبيع في محل «البقالة»، وأمام المحل الإناء النحاسي الكبير المليء بالاذرة والموقد تحته موقدًا من «الجاز»..
◘فدفعني الإعجاب به إلى أن أقول له:
أراك شابًا متفتحًا جديرًا بأن تتعلم وتدرس، أليس كذلك؟
فابتسم الفتى، وأطرق في حياء: أنا أدرس والحمد لله.
في أي مراحل التعليم؟
في الجامعة!
فقلت له: ما اسمك؟
قال: علي الشيخ علي
عمرك؟
20 «عشرون سنة»
في أي الكليات تدرس؟
بكلية الطب بجامعة دمشق!
في أي سنة؟
بالسنة الثانية.
ماذا يعمل والدك؟
مزارعاً!
هل لك إخوة؟
سبعة وكلهم أصغر مني!
الأنبياء كانوا رعاة غنم
هل ترى يا دكتور علي -بإذن الله- في عملك بالبقالية نوعًا من التدني لا يليق بطالب جامعي بكلية الطب، وأنك اضطررت إليه؟
وأسرع الفتى ليجيب بلا تردد:
لا، لأن العمل شرف لكل إنسان مهما كانت نوعيته يدويًا أو فكريًا، صغيرُا أو كبيرًا، ولي شرف الأسوة بالأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين كانوا رعاة غنم وتجارًا! والحديث النبوي الشريف «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، فإن نبي الله «داود» كان يأكل من عمل يده»
هل أجبرك والدك على هذا العمل؟
لقد تعودت منذ الصغر على مساعدته في العمل، فلما اشتد عودي تكونت لدي فكرة مساعدته على نطاق أوسع وتخفيف العبء عنه، فأصبحت كما تراني بقالًا.
أليس من الصعب التوفيق بين عملك في البقالة والدراسة بكلية الطب؟
لا أخفي عليك، أن كل طالب يستذكر دروسه ويواظب على محاضراته من أول العام، لا بد أن يكون لديه وقت فراغ.. وأنا أقضي وقت
مؤلفاته
وأن له مؤلفات إسلامية منها:-
1- من نفحات الخلود في عظماء المسلمين.
٢- النسائيات «يشتمل على كل ما ورد في السنة عن المرأة مشروحًا».
3- من مشكاة النبوة شرح لكتاب الأربعين النووية.
4- وله أیضًا ديوان شعر «إسلاميات..» جاء في إحدى قصائد به:
أن الحياة لالام وآمال
وناشد العز لا يعروه إهمال
ناديت قومي بأصوات قد ارتعشت
لها القلوب وفكت ثم أوصال
هذه الشباب على التقليد عاكفة
شبراً بشبر فما راعوا وما بالوا
هذه النساء بدت للناس سافرة
بكل قد كغصن البان ميال
إلى أن قال:
لا تيأسوا وثقوا بالله واعتصموا
فاليأس للقلب وآد وقتال
جمعية الفتح الإسلامي
وقد أنشأ الشيخ جمعية الفتح الإسلامي التي قامت بإنشاء معهد ديني يدرس فيه ما يقرب من مائتين ۲۰۰ من الذكور، ۱۰۰ مائة من الإناث وقد التزمت الفتيات بلبس الجلبات والحجاب ويقوم بالتدريس لهن معلمات تحت إشراف الشيخ.
والغرض من إنشاء المعهد كما صدر في بيان الجمعية هو إعداد نشء يتلقى العلوم الشرعية والثقافة الإسلامية، كما أنها تقوم بإيواء طلابها وأداء ما يحتاجون إليها من نفقات وتعتمد في تمويلها على ما يجود به الخيرون من أنحاء العالم الإسلامي، ويقوم المعهد بتدريس المواد الآتية:
1- العلوم الشرعية: من قرآن، وتفسير، وفقه، وأصول، وحديث.
۲- المواد العربية: من نحو وصرف وبلاغة وأدب.
3- مواد كونية لازمة لغرض المعهد: من حساب، ولغة إنجليزية.
الرغبة في إنشاء مثل هذا المعهد بالكويت
وقد تحدث الشيخ محمد صالح كثيرًا في ضرورة إيجاد مثل هذا المعهد بالكويت وأن يكون طلبته من أبناء البلد فقط ليكونوا أقدر على العمل بين قومهم وأن يحفظوا هذه العلوم لجيلهم ويورثوها للأجيال التي بعدهم، فإن طغيان العلوم الكونية واللغات الأجنبية على علوم الشرع الشريف واللغة العربية وميل أكثر الأبناء إلى سبل المادة تاركين التبشير الإسلامي والدعوة إلى الله وراءهم ظهريًا، حتى أصبحنا نترقب يومًا لا نلقى في مساجدنا خطيبًا أو مدرسًا أو أمًا ما فقد يموت الفقيه والعالم فلا تسد ثغرته ولا يخلف في عمله ودعوته.
لذا أصبح من الواجب المحتم أن نهيىء لأبنائنا حقلًا ينبت خالص العلم الشرعي واللغة العربية ويحيى موات الفضيلة والإخلاص لنسد ثغرة التبشير الغربي الغاشم، ونرد طغيان الزيغ والإلحاد.
نشاطات الجمعية- حتى في الأسواق!
◘وللجمعية خلافًا للمعهد حلقات دراسية في المساجد، وحلقات دراسية أخرى في البيوت والأسواق، وتدريس بالسجون والمشافي وأمكنة اللاجئين، وإرسال أئمة وخطباء ووعاظ إلى القرى المجاورة والنائية عن دمشق في الجمع ورمضان، وقد أصبح للجمعية في سوق القيشاني، وسوق الحرير مركزان لدراسة الفقه والتجويد والتفسير.
الأول بعد العشاء في حانوت السيد رمزي العرجا.
الثاني بعد العشاء أيضًا في حانوت السيد نور الدين الشوبكي وتعقد حلقات الدرس في المساء لدى من لا تسمح ظروف عملهم إلا بالفراغ بعد العشاء في البيوت.
◘وحان وقت صلاة العشاء بمنزل السيد يوسف وارتفع صوت المؤذن في حديقة «الفيلا» لينتهي حديثنا مع الشيخ محمد صالح فرفور ونقف بين يدي الله سائلين المولى عز وجل أن يبارك كل جهد يبذل في أرض الله من أجل دينه ودعوته.
وإلى رسالة قادمة بإذن الله.
أبو هالة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل