; رسالة القاهرة: ماذا وراء الدعوة المشبوهة لإباحة الفوائد المصرفية؟! | مجلة المجتمع

العنوان رسالة القاهرة: ماذا وراء الدعوة المشبوهة لإباحة الفوائد المصرفية؟!

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1989

مشاهدات 78

نشر في العدد 934

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-سبتمبر-1989

 

إجماع الأمة منعقد على حرمة الفوائد المصرفية، فلماذا يطرح هذا الأمر الآن؟!

شركات توظيف الأموال، أحيت وعي رجل الشارع بحرمة الربا، مما أثر على البنوك.

تدور في القاهرة الآن معركة ساخنة ومثيرة حول موضوع الفوائد المصرفية وشرعية أعمال البنوك، فيما يتعلق بالودائع والإقراض بين الحل والحرمة. ويقود الدكتور عبد المنعم النمر - وزير الأوقاف الأسبق - الاتجاه الذي ينادي بإباحة فوائد البنوك، باعتبار الفارق بين القرض الإنتاجي والقرض الاستهلاكي، وأن أعمال البنوك مستحدثة لم تكن معروفة من قبل، وأن هناك فروقًا واضحة بين الفوائد المصرفية الحالية وبين ربا الجاهلية.

وساند الدكتور النمر في هذا الاتجاه الجهات الرسمية والبنوك الحكومية والصحف القومية، التي تُفرد صفحاتها الآن لاجتهادات الشيخ حول هذا الموضوع. ويزداد الأمر سخونة وإثارة بعد أن أعلن الدكتور محمد سيد طنطاوي - مفتي الجمهورية - أن دار الإفتاء المصرية ترى إباحة العمل بنظام شهادات الاستثمار وصناديق التوفير، بل ودعا جماهير الشعب المسلمة إلى شراء شهادات الاستثمار؛ لتدعيم خطط الدولة في مجال الخدمات، بينما أرجأ الحديث عن فوائد البنوك إلى وقت قريب، لإجراء مزيد من البحوث والدراسات!.

ولا شك أن أمرًا خطيرًا كهذا، لا بد وأن يثير التساؤلات والاستفهامات ويُحدث زوبعة لا تهدأ في الأوساط الفقهية في الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية وسائر المؤسسات البحثية والفقهية في العالم الإسلامي، إضافة إلى البنوك ورجال المال والاقتصاد والسياسة، بل ورجل الشارع. ولعل أكثر تلك التساؤلات المطروحة بإلحاح، ما يبحث في السر وراء إثارة هذا الموضوع الآن، ما هو الهدف من إثارته بالرغم مما هو معروف لدى الكافة من آراء للمجامع الفقهية تؤكد حرمة الفوائد المصرفية بكل أشكالها؟!.

 

أبعاد سياسية وراء الدعوة:

والمتأمل في الواقع السياسي والاقتصادي في مصر الآن يدرك أبعاد هذه الحملة، التي تدعو إلى إعادة ثقة الناس في البنوك عن طريق إصدار فتاوى فقهية تجيز التعامل بالفائدة تحت أي زعم، فقد استطاعت شركات توظيف الأموال في مدة قصيرة جدًا أن تجذب مدخرات المصريين سواء من العملة المحلية أو النقد الأجنبي. وحتى العام الماضي «يونيو 1988» وصل حجم الإيداعات فيها إلى أكثر من أربعة مليارات من الجنيهات؛ حتى اتخذت الحكومة قرارها بمنع هذه الشركات من تلقي إيداعات المواطنين، بل والعمل على تصفيتها بكل الوسائل. ونجحت الحكومة نجاحًا كبيرًا في قتل هذه الشركات والقضاء عليها، وبالتالي أعطت درسًا قاسيًا للمودعين لديها الذين لا يعرفون حتى الآن متى يحصلون على أموالهم في هذه الشركات!!.

وفي العامين الأخيرين «1986/1987» أقفرت خزائن البنوك الرسمية في مصر من العملة الأجنبية، وبدأت تشكو من شركات توظيف الأموال، التي امتصت منها كل مواردها من العملة المحلية والنقد الأجنبي لسببين رئيسيين أحدهما: إن هذه الشركات كانت تعطي أرباحًا سنوية تفوق ضعف ما تعطيه البنوك من فائدة، والثاني: إن الوعي العام لدى الشارع المصري بدأ يفرق بين فائدة البنوك - المحددة سلفًا - باعتبارها ربا وبين أعمال هذه الشركات، التي تدخل في نطاق المرابحة الإسلامية، وبالتالي اتجه الكثيرون إلى هذه الشركات؛ اتقاءً لشبهة الربا، وحفظًا لأموالهم من الحرام. وأيًا كان هدف صاحب المال المستثمر، هل هو السبب الأول أم الثاني، فالأمر في النهاية أدى إلى عجز البنوك الرسمية عن مد الحكومة ومصانع القطاع العام بما تحتاجه من أموال لفتح اعتمادات الاستيراد بالعملة الصعبة. وبالرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لصالح جذب العملة الصعبة مثل إنشاء السوق الحرة، واقتراب أسعارها من أسعار السوق السوداء، لإقناع الشعب بضرورة تغيير ما يحصل عليه من عملة أجنبية لدى البنوك الرسمية، إلا أن الأمر لم يتغير كثيرًا لدى البنوك التي ما زالت تعاني من نقص العملة الصعبة.

 

شركات التوظيف عقبة أمام البنوك:

وإذا لم يكن لشركات توظيف الأموال من فضل سوى أنها أزكت وأحيت الشعور الإسلامي ورسخته لدى جماهير الشعب حول حرمة الربا، واتقاء ما يؤدي إلى الحرام، فكفى به من فضل، وفي تصورنا، نستطيع أن نؤكد أن شركات التوظيف قدمت البديل الإسلامي الطاهر للرأي العام، وأقامت بذلك العراقيل والصعوبات بل والأشواك الشائكة أمام البنوك القائمة، مما يعرقل مسيرتها مستقبلًا.

إن الحكومة تحاول إنعاش البنوك الرسمية التي تتعامل بالفائدة لا عن طريق تحويلها إلى مؤسسات مصرفية إسلامية، بل عن طريق الحصول على فتاوى رسمية من العلماء الرسميين، الذين هم على استعداد لتفصيل الفتاوى طبقًا لمبدأ «المصالح المرسلة»!، ومن طريق آخر أصدرت تعليماتها إلى شركات التوظيف بتحويل الأموال التي لا يتسلمها أصحابها من المودعين لديها إلى البنوك، وتتولى البنوك مخاطبة المودع، وكأنها تقول له: «أرجوك، احتفظ بوديعتك عندي»!، ولكن، هل تُحل المشكلة بهذا الشكل؟!

 

الأمر الآخر، الأكثر إثارة:

هل يمكن أن تصدر فتوى رسمية تبيح الفوائد المصرفية بالرغم من إجماع العلماء منذ أكثر من ربع قرن على حرمة الفوائد المصرفية في أكثر من مؤتمر علمي ومجمع فقهي؟! وهل يتورط الدكتور سيد طنطاوي في الإفتاء بما يخالف إجماع الأمة؟! إن مؤتمر علماء المسلمين المنعقد في شهر المحرم 1385 هجرية، مايو 1965 ميلادية بهيئة مؤتمر المجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، والذي شارك فيه نحو 270 عالمًا واقتصاديًا وقانونيًا من مختلف بلاد المسلمين كان من قراراته:

1.     الفائدة على أنواع القروض ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة بتحريم النوعين.

2.     كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ (آل عمران:130).

3.     الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.

4.     أعمال البنوك من الحسابات الجارية، وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية، التي يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك في الداخل كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.

5.     الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتمادات بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة، كلها من المعاملات الربوية.

6.     أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية، فقد أرجأ مجمع البحوث النظر فيها إلى أن يتم بحثها.

 

رأي شيخ الأزهر حاسم:

وفي إجابة حاسمة لشيخ الأزهر عن حيرة الناس فيما يتعلق بودائعهم في البنوك وموقعها من الحلال والحرام، قال فضيلته: إنها داخلة في البند الأول من قرارات مجمع البحوث التي تقضي بأن الفائدة على أنواع القروض ربا محرم والوديعة ذات الفائدة بالزيادة المحددة قرض في تعريف القانون.

وأكدت هيئة الرقابة الشرعية بالكويت أن النص القرآني المحرم للربا جاء مطلقًا عن التقييد بأي أمر، وكل زيادة تؤخذ من المدين فوق رأس المال ربا محرم سواء كان الدين ناشئًا عن قرض أم عن سبب من أسباب المداينة المشروعة، فإذا حُدِّدت أثمان ذلك فإن أي زيادة على رأس المال «وهو مبلغ القرض أو مبلغ الدين في المعاملات المالية الأخرى» اعتبرها القرآن ربا حرامًا، وأنه ظلم ومحاربة لله ورسوله، والبنوك إذا أقرضت إنسانًا محتاجًا أو غير محتاج لا تقتصر في الاستيفاء على رأس المال، وإنما تأخذ منه زيادة سواء في البداية، أو عند تأخر القرض، وهذا ما ينطبق عليه الحكم. وفي دوراته الثلاث في مايو 1979 ومارس 1982 وفي أكتوبر 1980 أكد مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي على أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم شرعًا، ويوصي المؤتمر أصحاب الأموال من المسلمين بتوجيه أموالهم إلى المصارف والمؤسسات والشركات الإسلامية داخل البلاد العربية والإسلامية.

وقد قرر المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي المنعقد في عام 1986 بأنه: يحرم على كل مسلم تيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج؛ إذ لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي، ودعا المجمع الفقهي المسؤولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية فيها إلى المبادرة لتطهيرها من رجس الربا؛ استجابة لنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:278-279)، وأكد المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي على أن كل ما جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعًا لا يجوز أن ينتفع به المسلم.

هذه بعض نماذج لآراء علماء المسلمين في مؤتمرات معروفة ومشهورة، فهل يمكن بعد كل هذا أن تخرج دار الإفتاء المصرية رأيًا يخالف آراء جمهور الفقهاء دعمًا لموقف شاذ ولاجتهاد فقهي مردود؟!، ثم لماذا تأخذ هذه القضايا من الوقت والجهد رغم أنها حسمت من قبل، ولو أن هذا الجهد بُذل في قضايا أخرى لا تزال معلقة، وتحتاج إلى أعمال التفكير والبحث لكان أجدى وأنفع لأمتنا المسلمة التي تخطو صحوتها المباركة نحو الأمام في طريق تطبيق أحكام الإسلام الخالدة، هل لدينا وقت - أيها السادة - لإنفاقه في قضايا محسومة سلفًا؟!

 

الرابط المختصر :