العنوان رسالة القاهرة... الحكم ونظرية الحق الإلهي
الكاتب أحد الغرباء
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1980
مشاهدات 78
نشر في العدد 506
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-ديسمبر-1980
•نظرية الحق الإلهي مهزلة ولكنها تُبعث من جديد في ديار المسلمين!!
•تَصْدُر القرارات في مصر أولًا ثم تُعرض على مجلس الشعب ليوافق عليها!
•قرر السادات منفردًا دعوة نافون لزيارة مصر، ونافون عرض الأمر على الحكومة والكنيست!
•نظرية الحق الإلهي:
مؤداها أن للحاكم مطلق التصرف بإرادته وحده، باعتباره مفوضًا من الله- سبحانه- ومؤيدًا منه، ومن كان شأنه هذا فهو معصوم من الخطأ، ومثل هذا الهوس اقتنع به كثير من الحكام في عصور الظلام، بل افتتنوا به، وصدقته الشعوب على رغم منها، حتى الطاغية نيرون حين أصدر أوامره بحرق روما، إنما تصرف باعتباره مفوضًا من العناية الإلهية.
وكنا نظن أن هذه النظرية المهزلة، قد انتهت إلى غير رجعة، لكن اتضح أننا كنا قصيري النظر إلى أبعد الحدود، فهذه النظرية المهزلة لم تمت ولم تنته، وإنما توقفت إلى أجل... وحان هذا الأجل لتبعث من جديد في العالم الإسلامي، وعلى الأخص في منطقة مهبط الأديان السماوية، وبالرغم من أن الإسلام يرفض مثل هذه المهزلة، إلا أن بعض أباطرة الحكم لا يبالي برفض الإسلام أو بإقراره لأنه يتوهم نفسه نصف إله.. وإذا كان رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- بالرغم من أنه يوحَى إليه، ومتصل بالسماء، إلا أنه أُمر باستشارة أصحابه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران: 159) ولقد طبق هذا عمليًّا طوال حياته.. فإن بعض الأباطرة لا يحلو له إلا إصدار الأوامر، واتخاذ القرارات، مفاجأة من عنده، وعلى البرلمان أن يقرَّ ويصدق، وعلى وسائل الإعلام أن تزكِّي وتمجِّد، وعلى الشعب المغلوب على أمره أن يتفرج وهو يكظم غيظه.
هواية الأباطرة
ويبدو أن مهزلة إصدار الأوامر واتخاذ القرارات أصبحت هواية لدى هؤلاء الأباطرة، للاطمئنان على أن السلطة ما تزال في قبضة أيديهم، ولا تفسير لذلك سوى الشعور بالنقص، وفي تاريخ الديكتاتور الذي هلك فرعون مصر السابق أمثلة لا حصر لها، فهو صاحب القرار المشئوم بإرسال جيش مصر إلى اليمن لقتال عرب مسلمين، ولا أهمية للتناقض مع نفسه، فقبل شهور وبالتحديد إثر حركة الانفصال في سوريا وحل الوحدة بين مصر وسوريا، والتي لم تكن وهمًا، قال في إحدى خطبه: كان في استطاعتي أن أرسل جيشًا إلى سوريا لتأديب الانفصاليين العملاء، ولكني رفضت أن يشهر عربي السلاح في وجه عربي.. وكان أن صفق المستمِعون بضع دقائق.. وعبد الناصر هو صاحب القرار بتطوير الأزهر، ومن المهازل التي لا يمكن أن تُنسى، أن القرار وصل إلى مجلس الشعب- ورئيسه يومئذ السادات- وكان مساء نفس اليوم مؤتمر في دار الحكمة بشأن هذا القرار- ولكي يكسب المؤتمر الصفة الشرعية، رُؤِي تصديق مجلس الشعب على القرار أولًا، وتؤجل المناقشة إلى يوم آخر، وقد كان «كذلك أصدر عبد الناصر في عام ١٩٦٥ قراره المشئوم من موسكو باعتقال من سبق اعتقاله من جماعة الإخوان المسلمين، ومن المضحك المُبْكِي أن القرار لم يصل إلى مجلس الشعب إلا بعد تطبيقه ببضعة شهور.
السفاسف قبل الأمور العظام!
أما الرئيس السادات فهو مجدد، صحيح أنه ينسج على منوال سلفه، ولكن لأن فيه نزعة إلى التجديد، حرص على اتخاذ القرارات في كل ما هب ودبّ، فضلًا عن الأمور العظام التي تتعلق بحاضر الدولة ومستقبلها، كان وحده صاحب القرار في زيارة إسرائيل، وفي معاهدة الصلح مع إسرائيل، صاحب القرار في طرد الخبراء الروس، وصاحب القرار في فتح أبواب مصر للخبراء الأمريكان، صاحب القرار في استضافة الشاه، وصاحب القرار في تنصيب ولي عهده شاهًا لإيران، وفي سفساف الأمور، هو صاحب القرار في منع اللحوم شهرًا، وصاحب القرار في تحديد مواعيد المحال من العاشرة صباحًا حتى السادسة مساء، ومثل هذه الأمور كان يكفي فيها أمر من المحافظ أو الوزير المختص، ولكن الرئيس حريص على أن تكون السلطة كل السلطة في قبضة يده.
إن دعوة الرئيس السادات لنافون لزيارة مصر كانت مثار الدهشة لدى الشعب المصري، ولم يكن مبعث الدهشة زيارة رئيس إسرائيل، الذي رأس المجلس الصهيوني العالمي سبع سنوات، أو لأن نافون هذا أسهم في سائر المخططات لوجود إسرائيل، ثم لإبادة شعب فلسطين، ولا لأنه هو الذي قال أمام الرئيس السادات في بير سبع «إن انسحاب إسرائيل من بعض سيناء يُعتبر تنازلًا إسرائيليًا» فقد زار مصر من هو أعرق من نافون في الجرائم والإرهاب، ولم يكن مبعث الدهشة أيضًا أن الرئيس السادات قد اتخذ القرار بهذه الدعوة وحده، لأن مثل هذا ليس بغريب منه ولا عنه، وإنما كان مبعث الدهشة والألم، ما أحاط بهذه الدعوة من ظروف، مما يعتبر إهانة موجهة إلى شعب مصر والشعوب العربية والإسلامية..
إن رئيس إسرائيل لم يستطع أن يتخذ قرارًا وحده بقبول الدعوة أو رفضها، لقد عرض الأمر على الحكومة والكنيست، ولقي قبول الدعوة معارضة شديدة، قامت الصحافة هناك بدورها في المعارضة، وأخيرًا ووفق على قبول الدعوة، ليس- بالطبع- بأغلبية 999,9 % ولكن بشروط ثلاثة: الأول تعتبر الزيارة سياحية- الثاني: لا حديث في السياسة، الثالث: ألا تتحمل ميزانية إسرائيل ليرة واحدة من نفقات الرحلة، وإنما تتكفل بجميع النفقات ميزانية مصر، لأن ميزانية مصر لديها فائض من المال لا تجد مجالًا لاستثماره، ولأن شعب مصر يعيش في رخاء لم يسبق له نظير.. وقبلت مصر هذه الشروط وأرسل بيجن برقية إلى رئيس إسرائيل وهو في مصر، يذكره فيها بأنه لا شأن له بالسياسة.. ولقد جرت محادثات، ولكن نافون كان يؤكد أنه سيعرض الأمر على الحكومة، وللتذكرة- فحسب- إن رحلة الرئيس إلى حيفا كلفت ميزانية مصر مليونين من الجنيهات، أما رحلته إلى أمريكا ومعه الأسرة، فلا يعلم حقيقة النفقات إلا الله والعالمون ببواطن الأمور..
وبقية من شهوة القرارات:
هناك مثل شعبي يقول: سمك. لبن. تمر هندي، وذلك اختلطت الأمور.. والقرار الجمهوري الذي أصدره الرئيس السادات بإنشاء جامعة الشعوب العربية الإسلامية، هو صورة للمثل الشعبي السالف الذكر، والمفروض أن الممثلين للشعوب هم الذين يصدرون مثل هذا القرار، ولكن المفروض شيء والعشوائية شيء آخر، وما دام العمل غير جاد فلا شيء يهم، لأن المسألة ليست أكثر من مناورة للاستهلاك.
والمهم أننا في مصر أمام مؤسسات ثلاث: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وهو يضم خلاصة علماء المسلمين في العالم، وقد أصبح اليوم معطَّلًا تمامًا، ومنذ مجيء السادات، لم ينعقد مؤتمره السنوي إلا مرتين، ثم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف وهذا المجلس قديم أنشئ في عهد عبد الناصر، وأسند أمره إلى ضابط صغير اسمه توفيق عويضة، الذي استغله للدعاية، واستغل أمواله لنفسه، وقد أدانه القضاء، وفصل الملازم توفيق عويضة من عمله، في عهد السادات، ولكن السادات كافأه على أمانته.. فعيَّنه مسئولًا عن الشئون الدينية في الحزب الوطني بدرجة وزير، ولقد حاول الدكتور زكريا البرِّي عندما ولي وزارة الأوقاف أن يجعل هذا المجلس الميت لعبته، وأعانته الصحافة، وتم تشكيله من جديد، وانتهى الأمر عند هذا الحد.. والمؤسسة الثالثة هي جامعة الشعوب العربية والإسلامية، المهزلة الجديدة وأملنا في الله أن تكون المهزلة الأخيرة، وقد أعرضت سائر الدول العربية والإسلامية عن هذا المشروع الهزلي، باستثناء وفد من السودان حضر إلى القاهرة للترويح باسم الاشتراك في المشروع، إلا أن وزير الإعلام السوداني صرح، بأن الوفد السوداني لا يمثل إلا أعضاءه، ولا يمثل السودان الدولة، لأن السودان يسعى إلى وحدة جادة للصف العربي والإسلامي.
•وبعد.. فعَوْدا على بدء:
إن الرئيس متيم بإصدار القرارات.. متيم بإشغال الصحف المصرية بالخطب والأحاديث، ولقد قال لي صحفي مخضرم: وماذا يدهشك.. أو يتعبك ما دام الكلام في الهواء، وما دامت القرارات للاستهلاك؟ هل نسيت أن الرئيس يتصرف كما لو كانت مصر ضيعة له.. وقلت له: لكن الشعب هو الضحيَّة.. وقال: الشعب هو الذي رضي لنفسه ذلك، وفي استطاعته- لو أراد- أن يتخلص من هذه الوصاية.. وما دام لم يرد، ولا يريد، ولن يريد، فلن يكون جديرًا حتى بالرثاء له، وقلت: صدقت.. وحسبنا الله وحده.