العنوان رسالة القاهرة: الثلاثي الديني غير المرح
الكاتب أحد الغرباء
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980
مشاهدات 86
نشر في العدد 490
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-يوليو-1980
نعتذر لأهل الفن من المغرب والمشرق، لأننا نستعير لفظة.. «الثلاثي» من «الثلاثي المرح» الذي هو أشهر من نار على علم كما يقولون، أما هذا الثلاثي الديني الذي نعنيه فيشكله الدكتور بيصار شيخ الأزهر، والدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف، ومفتي جمهورية مصر الذي كثيرًا ما أنسى اسمه عن غير عمد.
فكما يُدعى الثلاثي المرح -المكون من ثلاث فتيات يؤدين الأغنية بصوت واحد- كما يُدعى الثلاثي المرح إلى إحياء الحفلات في الأفراح والليالي الملاح، كذلك يُدعى الثلاثي الديني -غير المرح- إلى إحياء كل «زفة» سياسية أو غير سياسية ممثلين للدين بكل أسف.
والحقيقة أن اختيار هؤلاء الثلاثة للمناصب الثلاثة، اختيار موفق سياسيًا لا موضوعيًا، فهم جميعًا مستعدون لأن يرغموا الإسلام على أن يقول «نعم» لكل متطلبات السياسة، وأن يقول «لا» لكل روافض السياسة، قادوا معًا زفة «الأحوال الشخصية»، ومن قبل «زفة» المعاهدة "الإسرائيلية" المصرية، وهم في انتظار دائم على أحر من الجمر أية «زفة» سياسية أخرى ليسَخِّرُوا الإسلام لها، ونحن نعرف ماضي الدكتورين من الثلاثي أكثر مما نعرف حاضرهم، ولكننا نجهل ماضي جناب المفتي، إلا أن الجديد في أمر هذا المفتي هو إقحامه في المسائل السياسية.
فمنصب المفتي في مصر اسم أكبر وأضخم من مسماه، كنا من قبل لا نذكره إلا في استطلاع رؤية هلال رمضان وهلال شوال، ولا نقرأ لقبه في الصحف، إلا حين يصدر حكم محكمة الجنايات بتحويل أوراق المتهم إلى المفتي، وحتى رأيه في مثل هذه المسألة رأي استشاري لا يقدم ولا يؤخر، لا أثر له على حكم المحكمة قبولًا أو رفضًا، ومنذ أسابيع أثارت جريدة الأهرام من جديد قضية «رفات» يوحنا المعمدان في مصر ضمن مخططات تهدف إلى إشغال الرأي العام، بعد أن فشلت الجريدة بصفحتها الدينية في إشغال الرأي العام بقضية التصوف، ولما سئل جناب المفتي برأيه في مسألة أو مهزلة «رفات يوحنا المعمدان» فقال: إذا ثبت وجود رفات يوحنا في مصر، كان مصدر خير وبركة لمصر.. «كلام في غاية الغرابة والسذاجة، لو صدر من شيخ طريقة صوفية مغرق في الأمية، لكان مثيرًا للضحك. من قال إن الرفات يمكن أن يكون مصدر خير وبركة؟ اللهم إلا إذا كانوا تجار الأحجبة والتعاويذ والتمائم.
يا جناب المفتي: يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:66)
ويقول جل شأنه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:96).
ولندع الثلاثي غير المرح. وشأنه، ولنقف وقفة سريعة مع شيخ يَصلح لأن يشكل وحده -ثلاثيًا دينيًا غير مرح- بل سباعيًّا دينيًّا غير مرح، هذا الشيخ كلما رأيت صورته في الصحف أو قرأت اسمه، تذكرت قول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:23) كذلك تذكرت قول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ (محمد:14).
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر:8).
هذا الشيخ تميز -وما يزال- بلازمتين، منذ أن كان طالبًا بالمعهد الديني، ثم بجامعة الأزهر، وعندما أصبح وزيرًا، وعندما تقاعد، وحتى اليوم. هاتان اللازمتان هما: التزلف المهين إلى السياسة، والتزلف الأكثر مهانة إلى المسيحية، وما نزال تذكر له حديثًا أدلى به إلى إذاعة لندن إثر معركة العاشر من رمضان، جاء فيه: إن معركة العاشر من رمضان حرب مقدَّسة، لأن الجندي المسيحي قاتل مع الجندي المسلم جنبًا إلى جنب..! ومعنى هذا أن غزوات الرسول -صلوات الله عليه وسلامه- وفتوحات الخلفاء الراشدين، وسائر المعارك الإسلامية بعد ذلك، لا تعتبر حروبًا مقدسة، لأن المسيحيين لم يشتركوا فيها..
وفي الرابع والعشرين من أغسطس الماضي، طلعت علينا صفحة الفكر الديني بجريدة الأهرام، بخبر تحت عنوان: رابطة للإخاء الديني من رجال الدين الإسلامي والمسيحي يقول المحرر: إن هذه الرابطة تكونت منذ عام، واستطاعت تكوين أحد فرعًا تنتشر في محافظات مصر.. والحقيقة أن هذه الرابطة المزعزمة لم يحس بها أحد، بالرغم من أن نائب الرئيس هو الشيخ الذي نحن بصدده، والذي يتقن فن الدعاية لكل أقواله وأفعاله، ولا جدال في أن الشيخ -سامحه الله- خلف هذه الفكرة، ولست أدري كيف خانه ذكاؤه فلم يضم إلى رابطته رجال الدين اليهودي، ولا سيما بعد معاهدة الصلح التي جعلتنا واليهود أبناء عمومة.. هكذا والله كتب في الصحف..
ونحن نسأل الشيخ -الأجل- في غير انفعال:
ماذا فعل -وفعل الأزهر معه- بالنسبة إلى الإخاء الإسلامي؟ لا أظن أن الشيخ يفكر في هذا الإخاء، وإلا اتُّهم بالتعصب أو الرجعية، وحذفته المخابرات المركزية من قائمة العلماء العصريين، وسلبته المخابرات المحلية منصبين يحتلهما في وقت واحد حتى وإن كانا منصبين شرفيين..! اللهم إنا نسألك الرحمة بهذا الشيخ.. اللهم كما نسألك أن تمن على بدنه بالشفاء.. نسألك أيضًا شفاء فكره.. وشفاء ضميره..!!