العنوان رسالة السودان من أين.. وإلى أين..
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
مشاهدات 79
نشر في العدد 415
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
بقلم: أحد الغرباء
* مكثت في السودان أسبوعًا، تجولت في العاصمة وبعض الأقاليم القريبة من العاصمة، ولقيت كثيرًا من الشباب المسلم المليء بالغيرة على دينه، والطموح إلى مستقبل أحسن بالنسبة للإسلام، فالشعب السوداني شعب مسلم قبل كل شيء عانى الكثير من الاستعمار الإنجليزي، وخرج الاستعمار إلى غير رجعة، وبقي للشعب إسلامه، بالرغم من أن الاستعمار الإنجليزي، قد وطد للتبشير المسيحي بعض أقدامه هناك وخطط- ونجح- لفصل شمالي السودان عن جنوبه..
ومر السودان بفترة ذهبية بعد الاستقلال حتى جاءت الثورة العسكرية عام 1969م، بشعارات تميل إلى الحمرة، أوهمت الشعب السوادني أنه مقبل على مستقبل زاهر لا يحلم به، ومضت الأعوام الحسوم، دون أن يتحقق شيء يذكر من هذه الشعارات البراقة، سوى الكتابة على الجدران واللافتات التي لا يخلو منها شارع من الشوارع، بل لقد أدت الشعارات دورها في انقسامات داخلية، وحروب أهلية أريقت فيها الدماء، ثم أدت دورها في اقتصاديات السودان، حتى أصبح الشعب السوداني مطحونًا، يعاني الأمرين من شظف العيش وكذلك أدت الشعارات دورها في سياسة الحكم فدهست الحريات مع رفع شعار الديمقراطية، مجرد حبر على ورق، ووراء هذه الشعارات طغمة من الشيوعيين الذين لم يتخلص السودان منهم نهائيًا، ولا يمكن أن ينسى دور الشيوعيين بعيد الثورة في إلغاء جامعة أم درمان الإسلامية وتحويلها إلى معهد، ولم يرد لها اعتبارها إلا بعد أكثر من ثلاثة أعوام.
• نحن لا ننكر أن وطأة الشيوعية قد خفت في السودان، ولا ننكر أن أمريكا وحليفتها مصر قد أسهمتا في انزياح كابوس الشيوعية عن صدر السودان، ولكن سياسة أمريكا تخطط للبديل، والبديل ليس الإسلام- بالطبع- وإنما هو المسيحية، تمامًا كما حدث في مصر وفي إندونيسيا ففي السودان اليوم حركة دائبة في تشييد الكنائس الجديدة، وتنشيط الكنائس القديمة، ويكفي مثلًا: أن مدينة واد مدني الصغيرة التي تقع على بعد زهاء مائتي كيلومتر من العاصمة بها خمس كنائس، وعندما زار البابا شنودة السودان- منذ شهور- وزار هذه المدينة صرح بإنشاء كنيسة سادسة احتفاء بزيارته، ولقد أصبحت الإرساليات التبشيرية تكاد تعم جميع البلاد، بل أن هناك فرقًا رياضية مسيحية معترفًا بها مثل: فريق الراهبات، وفريق الكاثوليك، وفريق الشبان المسيحيين.
وحين زار البابا شنودة السودان حمل معه زهاء خمسمائة علبة كرتون وكنت هناك، وكان لهذه الزيارة هدفها، كانت جامعة أم درمان الإسلامية تقيم مهرجانًا إسلاميًا دعت إليه لفيفًا من المفكرين الإسلاميين، والمقصود من الزيارة هي التغطية على المهرجان، وطيلة إقامة البابا بالسودان، والصحف السودانية تنشر إعلانات ضخمة لا يستوعب الإعلان منها أقل من نصف صفحة وهذه الإعلانات كانت بأسماء الكنائس والمطارنة، وقد عقد البابا هناك داخل الكنائس اجتماعات مغلقة التوجيه والتخطيط، ومحاولة تلاحم المسيحيين في الشمال مع جنوبي السودان.. ومن التوجيهات التوصية بشراء المنازل، وعدم بيع المسيحي بيته أو متجره لمسلم..
* تقوم الراهبات بنشاط ملحوظ في المستشفيات، يقدمن الخدمات بالمجان ومن هذه الخدمات بث تعاليم المسيحية وبخاصة في أقسام الولادة، وهناك في أم درمان مستشفى ضخم للولادة باسم الراهبات، وللراهبات أيضًا في مدارس الحضانة ورياض الأطفال..
وقد لا يعلم الكثيرون أن في الخرطوم محطة إذاعة للإنجيل، تسمى إذاعة السلام، بالإضافة إلى أنه قد أصبح للمسيحيين برامج خاصة في الإذاعة والتلفزيون، بل أن التليفزيون في السودان ينقل في المواسم احتفالات الفاتيكان عن طريق الأقمار الصناعية، ويسمح للمسيحيين اليوم بتمثيل روايات عن المسيح- عليه السلام- يظهر فيها بشخصه، في التليفزيون، ودون مراعاة لعقيدة الإسلام.
ومراكز التبشير في السودان على صلة وثيقة بمراكز عالمية تمنحها مساعدات وتمدها بالمال والرجال والكتب، فأمريكا والفاتيكان وهولندة وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية التي تهتم بالتبشير، تنسق مخططاتها في جبهات التبشير في السودان.. العجيب أن الاتجاه الٍإسلامي مضغوط عليه يكاد لا يحس به أحد لقد قال لي مدرس ثانوي:-إننا هنا نشكو قلة الدعاة الإسلاميين، والكتب التي تتصدى لأساليب التبشير، ولا .... أن الأفكار الشيوعية، لا يزال .... رواسبها في أذهان الشباب، .... هذه الأفكار تعمل وحدها في الميدان بلا رقابة بضع سنوات، ودون أن يملك الفكر الإسلامي المضروب بعنف أن يتصدى لها. وقد شهدت بنفسي كيف أن الأفكار الشيوعية ما تزال تعمل عملها في عقول بعض الشباب، فعندما ألقيت محاضرة في طلبة إحدى المدارس الثانوية، زهاء ألف وخمسمائة طالب، أحسست بذلك، وعندما عرضت لمأساة إريتريا، وكيف أن الطغمة العسكرية الإثيوبية تجد عونًا من كل الجبهات، وحتى اليمن الجنوبية ترسل قواتها لضرب الشعب الإريتري المسلم، وكيف أن كوبا ترسل أيضًا قواتها- من آخر الكرة الأرضية-، وبعد أن انتهت المحاضرة وجاء دور الأسئلة التي وجهت إلي، حاول بعض الطلبة أن تعطى لهم فرصة الرد علي ومؤدى هذا الرد أنه لا غبار على كوبا وسعيها مشكورة لأنها جاءت للتعاون مع الأصدقاء، وأما اليمن الجنوبية، فإن الشعب هناك هو الذي رضي الشيوعية باختياره، وليست الحكومة العسكرية هي التي فرضتها على الشعب، واكتفيت بضحكات الطلبة على هذا الرد الذي يتضمن مغالطة وجهلًا ..
* وقال لي أستاذ سوداني إن المأساة- يعني مأساة الزحف الصليبي- تتضخم في الجنوب، وقد تدهش إذا علمت أن المسلمين في الجنوب يمثلون أكثر من 40 بالمائة وأن المسيحيين لا يزيدون على 15% وبقية الشعب وثني، وبينما تباشر المسيحية نشاطها بحرية كاملة، يتوقف الإسلام هناك تمامًا، فإذاعة الجنوب تذيع باللغة العربية لمدة ساعتين فحسب- لا يتلى فيهما قرآن، ولا تذاع أحاديث إسلامية، فبعض النصوص السرية في المعاهدة نصت على تحريم أي نشاط في مجال التبشير بالإسلام، وقد لا يعلم الناس أنه في عهد حكومة عبود قد ضبطت الأسلحة مكدسة في الكنائس..
وهناك ظاهرة مثيرة للأسى، فأكثر من 90 بالمائة من المدرسين المعارين لمدارس السودان من المسيحيين، لأن كثيرًا من الدول العربية لا تقبل المسيحيين، وإذا حاول مدرس مسلم أن يختار السودان وجد من المسئولين عن الإعارة نصيحة برفض الإعارة، لأن معظم سكان السودان مسيحيون، والحقيقة أن هذه الظاهرة هي ثمرة تخطيط كنسي تشترك فيه الباكستان المصرية والسودانية.
* لقد ألغيت الدعارة في السودان وبقيت واقعًا، ودعك من الخمور، فما أكثر ما تنقطع المياه عن السكان، ولكن محال أن تنقطع الخمور، وقد قال أحد التجار المثقفين الذين يعملون للإسلام في صمت، وعلى مسمع من بعض الشباب الإريتري أن حركة إريتريا وما تبعها من اللجوء إلى السودان هي سبب الكارثة الأخلاقية هنا والفتيات الإريتريات يمارسن الدعارة بشكل ملموس، ودافع الشباب الإريتري بأن هؤلاء الفتيات مسيحيات مائة في المائة، وهم يتحدون أن توجد بينهن فتاة مسلمة واحدة، وقال التاجر: لماذا لا تباشر جبهات التحرر ضغوطها لرفع هذا العار عن إريتريا؟ وقال الشباب: لقد فشت كل محاولة، لأن الكنيسة هي التي تخطط لهذه الظاهرة لإفساد الشباب السوداني المسلم.
والحقيقة أن المأساة لا تقف هذا الحد.. فإن مئات الفتيات الإريتريات المسيحيات يقمن اليوم في قصور بعض الأمراء في دولة عربية مسلمة، دخلن الدولة بجوازات سفر مزيفة، وإذا كانت الكنيسة تشجع ظاهرة الدعارة ليعيد التاريخ نفسه في السودان.. تاريخ فتيات الليل اليهوديات في فلسطين فمن يملك إجلاء الفتيات المسيحيات من قصور الأمراء المسلمين.
إنها لكارثة..
أحد الغرباء