العنوان رسالة الحج.. أمل في مستقبل مشرق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 66
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 5
السبت 15-ديسمبر-2007
﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ سورة البقرة: 197
في هذه الأيام المباركة من أوائل شهر ذي الحجة يتواصل تدفق حجيج بيت الله الحرام إلى الأراضي الطاهرة، استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى ودعوة أبي الأنبياء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37)، ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27).
ملبين مبتهلين تاثيين إلى الله سبحانه وتعالى.. في صوت واحد وبلغة واحدة، ويتحركون من منسك إلى منسك بوجهة واحدة وبدعاء واحد، في مشهد يجعل القلوب تخشع لله رب العالمين، وإن من يتأمل ذلك المشهد الرباني لتتملكه الدهشة من رسوخ معنى الوحدة في حياة المسلمين، إذ ترى جموعًا من البشر تختلف سحنتهم ولغاتهم وأزياؤهم وعاداتهم، لا تجمعهم إلا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يرددون أدعية كل كلمة فيها توحي بالوحدة، ويقومون بأعمال وشعائر وعبادات كلها تؤكد أن هذه الجموع الغفيرة تدين لله بالعبودية، فتهتف لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسنة نبيك محمد ... إنه المشهد حي يجسد معنى الأمة الواحدة دستورها القرآن وشريعتها الإسلام، وقدوتها محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).
وإن هذه الوحدة التي عقد الله أواصرها بين القلوب المؤمنة هي أكبر منحة ربانية في حياتهم لا يستطيع أن يعقد لواءها أحد، ولو أنفق ما في الأرض جميعًا، وصدق الله العظيم.
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63)
ولن يبلغ المسلمون هذه الوحدة التي يعيشون في ظلالها أيامًا معدودات في الحج، إلا بتصميم الشعوب المسلمة على اتباع نهج الله القويم ونبذ كل نهج سواه ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:153 )
ولكن حتى يتحقق ذلك فلابد من عودة صادقة من الأمة حكامًا ومحكومين إلى الله سبحانه بتطبيق شريعته، وتمكين كتابه والتخلق بأخلاق الإسلام الحنيف مع الثقة المطلقة في الله سبحانه وتعالى والانقياد له ثم الثقة في قدرتنا كأمة بعون الله تعالى، على مواجهة التحديات ومنازلة الباطل وبلوغ الغايات والعمل على تربية النفوس على مخالفة الهوى، وتوطينها على الجد ونبذ الهزل، وعلى الإيجابية في مواجهة السلبية والإقدام في مواجهة الإحجام، والأمل في مواجهة اليأس، وإحياء ثقافة المقاومة في مواجهة الاستسلام والاستمساك بالهوية في مواجهة الذوبان في ثقافة الغير، والانجراف ضمن مشاريعه التغريبية، والتي تسعى لخلع الأمة وشبابها من عقيدتها وثقافتها وهويتها.
وإن ذلك كله لا يمكن أن يتحقق إلا في أجواء من الحرية واحترام حقوق الإنسان وإشاعة أجواء من الاطمئنان والأمان للشعوب، وتبديد أجواء الاستبداد وإنهاء حالة الكبت.. فالأجواء الصحية لا شك تسهم في إيجاد شعوب حية وحرة قادرة على القيام برسالتها الإسلامية والوطنية، في إحداث النهضة المرجوة من جانب، وصد حملات الغزو الفكري واللا أخلاقي والاستعماري من جانب آخر، وإن المسؤولية الكبرى تقع في هذا الجانب على الحكومات بالدرجة الأولى.
إن الأمة تمتلك إمكانات هائلة لكنها تحتاج إلى من يستثمرها ويوجهها إلى كل ما يعود بالنفع، ويوم يشعر المواطن أن له قيمة في وطنه، وأن حقه مصان وكرامته محفوظة فسوف تتفجر لديه طاقات الإبداع، ويشارك بإيجابية في صنع حياة كريمة ومستقبل أفضل، وإن مشهد الحج الذي تعايشه اليوم يحيي في النفوس الأمل في تحقيق كل تلك المعاني، وهو مشهد يبعث برسالة الأمل نحو مستقبل مشرق للأمة.. ويبعث أيضًا برسالة مهمة للأمة كل عام أن قوتكم من وحدتكم، وأن نهضتكم في اتباع نهج ربكم وأن عزكم في اختلاف قلوبكم في كنف شرع الله وفي معيته.. ويوم تعي الأمة تلك الرسالة جيدًا فإنها تكون وضعت قدميها على طريق النهوض والانطلاق نحو المستقبل