; رسالة الأمومة والطفولة في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الأمومة والطفولة في الإسلام

الكاتب نورة عبدالله الصالح العبيد

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1979

مشاهدات 82

نشر في العدد 450

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 19-يونيو-1979

للأستاذ عبد الغني أحمد ناجي

عرض/ نورة عبد الله الصالح العبيد

الأم المثالية هي المدرسة الحقيقية للطفل

يهتم الإسلام بكل فرد فيه، ويعطيه مسؤوليته في الحياة، فكل فرد في المجتمع يقوم بدوره الذي أنيط به؛ ليعمل الجميع في الحياة كل فيما يسره الله له، ومن ثم يكون الجزاء على التفريط في رسالة كل واحد على حسب ما قصر وفرط. 

وديننا الحنيف ينظر إلى الطفل - خاصة - نظرة الزارع إلى بذره، فكما أن الفلاح ينتقي البذرة الصالحة، ويتخير لها التربة الخصبة لتثمر ثمرًا طيبًا، كذلك الإسلام في تربيته للأطفال ليكونوا رجال المستقبل ودرع الوطن، ينظر إلى منابت الأطفال فيتخيرها ويوصي بتخيرها، ومن هنا نجد الإسلام يعتني كثيرًا بالأم كتربة خصبة، ثم كمعلم أول للطفل، ومن هنا سنتحدث عن الأم أولًا، ثم الطفل ثانيًا.

الأم المثالية: هي المدرسة الأولى للطفل، والمنبع الأول لغرائزه وميوله وإتجاهاته بحكم الوراثة والتوجيه. وعناية الإسلام ذات هدف سامٍ ومقصد نبيل؛ لتعطي أجيالًا ممتازة تسعد بهم الحياة، ويسعدون في حياتهم. 

  1. فهو يُعنى بالفتاة، ويأمر بتعهدها بالتربية السليمة لتكون أمًا مثالية؛ فيرصد أجزل الجوائز جاذبية للمسلم، وهي الجنة لمن يربي فتياته تربية إسلامية، ولذلك جاء الحديث النبوي «من كن له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة البتة»، قيل: يا رسول الله، فإن كانتا اثنتين، قال: «وإن كانتا اثنتين»، فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة.
  2. ثم يأتي دور الزواج -أو تكوين الأسرة- فينصح كل شاب أن يعزف عن زواج من لا تعتصم بالدين، وإن كانت جميلة أو ثرية أو حسيبة؛ لأن ذلك قشور في نظر الإسلام. والمعول عليه كما قال عليه السلام: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، ولقوله أيضًا: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»، فهذا هو الطريق القويم كما تتجلى فيه بطريق غير مباشر، فإن البوار وانهيار المستقبل للفتاة إن لم تكن على هذا النهج السديد. 
  3. ثم نجد الإسلام لا يفتأ يقوّم ويرشد الزوجة في حياتها الجديدة لتحقيق الحياة الزوجية السعيدة، ولتكون قدوة لأولادها في سلوكها ومعاملتها لزوجها، يقول تعالى:﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (سورة النساء: 34)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها».
  4. بعد هذا الدور تأتي مرحلة الإنجاب، ونجد الإسلام حريصًا على أن يكون هذا الجو هادئًا أمينًا، ليس فيه سوى البسمة الوارفة على شفاه الزوجين لترتاح نفوسهما، مما له أثره الطيب على الجنين كما يقوله علماء النفس، وإذا حصل الحمل كانت عناية الإسلام بالجنين تعدل -أو تفوق- عنايته بالأم؛ حيث يباح للأم الفطر إن خُشي تأثر الجنين لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الله -عز وجل- وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم». 
  5. وعند استقبال الوليد تواجه الأم فصلًا يتسم بالعمل الجاد والتربية المثمرة؛ ليكون الوليد عضوًا نافعًا في المجتمع، ونجد الإسلام لحكمة رشيدة يدعو إلى «الأذان» في أذن الوليد؛ ليكون ذلك أول ما يطرق سمعه من تكبير الله وتوحيده، وفي اليوم السابع نجد الإسلام لا يكبت الفرح في القلوب، ولا يحرم البهجة بالمولود، فتسن «العقيقة» ذبيحة للمولود يُهدَى منها ويتصدق على الفقراء، وهي ليست واجبة حتى لا تنكسر قلوب غير الواجدين، ولذلك جاء في الحديث: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل»، ويزيد البعض في هذه المناسبة زيادات لا يقرها الإسلام، ويسرفون في التهنئة إسرافًا جانحًا عن الصدق، ولذلك لما جاء رجل إلى الحسن وقد ولد له مولود قال: ليهنك الفارس. قال الحسن: وما يدرك أفارس هو؟! قالوا: كيف نقول يا أبا سعيد؟ قال: تقول بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت بره، و بلغ رشده.

وهو توجيه إلى الأمر الوسط، فلا منع للفرح والتهنئة إذ هما من طباع النفوس، ولا إسراف مبعد عن الحق، أو مبالغة مائلة عن الصواب، إنما تهنئة مبرأة عن الكذب والتملق، مع رجاء ودعاء بأن يبارك الله فيما وهب. 

  1. الرضا بالمولود ذكرًا –كان- أو أنثى: 

درج الناس على الرضا بالبنين والحزن عند ولادة البنات، وهذه عادة جاهلية أبطلها الإسلام وسفهها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (سورة النحل: 58). بل يقف الإسلام وقفة صلبة ليقتلع هذه العادة الجاهلية السيئة، فيرغب في العناية بالبنات، ويرصد عليها أسمى الدرجات لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها.. أدخله الله الجنة»، وفيه تهديد بالعقاب لمن يكره البنت أو يهينها. والإسلام يأمر بالرضا بما رزق الله من ولد -أنثى أو ذكر- رضًا مشوبًا بالسرور؛ لأن نظر الإنسان قاصر، وتفكيره محدود، فمن يدري فربما تكون أنفع له من الابن، وتجارب الحياة تثبت ذلك.

  1. تسمية المولود: فلقد جاء الإسلام بتعاليم هادية راشدة في هذا العمل الدقيق؛ لأن للاسم بالغ الأثر في نفس الشخص، وخاصة عندما يكبر، ويتسلم منصبًا. ولذلك يجب تحسين الأسماء لقول الرسول: «إنما تدعون يوم القيامة بأسمائكم، فحسنوا أسماءكم» ولقوله أيضًا: «.. فسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة»، ولذلك غير الرسول بعض الأسماء إلى أحسن منها، فغير اسم «العاصي» إلى هشام، وأبدل «عفرة» إلى خضرة.
  2. رعاية الطفل: في الشهور الأولى تشمل رعاية الطفل إرضاعه والعناية به. ولما كان لبن الأم هو أنسب وأفضل غذاء، حبب الإسلام إلى إرضاع الطفل منها 

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة البقرة: 233).

-الحنان: وقد يُستغرَب الحديث عن حنان الأبوين؛ لأنه أمر طبيعي في نفسيهما، فكيف يُوصى به؛ لكن بعض الناس فيهم من الغلظة والقسوة على الأولاد ما يوجب النصح به؛ «ولذلك» لما أبصر الأقرع بن حابس النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الحسن والحسين قال: إن لى عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم». وإذا كان علماء النفس يفخرون بأنهم أرشدوا إلى وجوب الراحة للطفل، وعدم نهره لئلا تضعف شخصيته، ويُحَد من نشاطه، ويصاب بالعقد النفسية نجد الرسول -عليه السلام- قد سبقهم إلى ذلك؛ فقد جاء -عليه الصلاة والسلام- في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل الحسن أو الحسين، فوضعه وكبر للصلاة، فصلى ثم سجد سجدة أطالها، فسأله الصحابة عن الإطالة، ولعله حدث أمر، أو نزل وحي؛ فقال عليه السلام: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته»، وهو عليه السلام بهذا يهذب الطباع؛ لأن إصلاح نفس الطفل وإدخال السرور عليه في قمة حسن المعاملة التي نادى بها الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ومعه «أمامة» بنت بنته زينب، يضعها إذا ركع، ويعيدها على عاتقه إذا قام.

9- حسن الأدب والتربية: أوجب الإسلام على الوالدين أخذهم بالتربية السليمة والأدب الحسن، وتعويدهم الفضائل حتى يشبوا عليها منذ صغرهم، ثم القدوة الحسنة والظهور أمام الطفل بالصورة المثالية؛ ولذلك يقول عليه السلام: «ما نحل والد ولدًا من نحل أفضل من أدب حسن»، ومن يرتكب أمام أولاده ما لا يليق، ثم يرجو أن يشبوا صالحين فهو واهم، يطلب ما يشبه المستحيل ولذلك حينما رأى الرسول أمًا تنادي ابنها تعال لأعطك، فقال لها: «ما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمرًا، فقال: «أما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة».

ثم يأتي دور التوجيه الحاني ليتمرن الطفل، ولا بأس بالشدة الرحيمة.. لذلك لما أخذ الحسن بن علي تمرة فجعلها في فيه، قال صلى الله عليه وسلم: «كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة». فعلى هذا ينبغي أن تكون التربية والتعليم لينشأ الطفل المثالي. والطفل الجاهل بما يدعو إليه الدين لا يرجى خيره، فمن منا من يرتاح لدخول طفل عليه دون استئذان في وقت الراحة المشروعة. ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

 (سورة النور: 58).

۱۰- التدريب على العبادة: الطفل أمانة والديه، وهما راعيان له، وكلٌّ مسؤول عن رعيته، ومن أوجب الواجبات تدريبه على العبادة وإقامة الصلاة، وتفهيم الأطفال حدود الحلال والحرام؛ لتربي وجدانه ووعيه الإسلامي الذي يحفظه من الزلل مستقبلًا، فيتأصل ذلك لديهم منذ نعومة أظفارهم «فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر»، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع».

11- التعليم: وهو أهم مرحلة لدى الطفل؛ حيث ينطلق منه إلى أفاق مستقبله، فهو أمر واجب «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، «وحق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة، وألا يرزقه إلا طيبًا»، ولا شك أن للقدوة الحسنة دورًا كبيرًا، حيث يقلد الطفل ما يراه. ولهذا للمعلم على الطفل سيطرة بالغة، فيستطيع أن يجعل منه صالحًا أو طالحًا -لا قدر الله- ولا نبالغ إذا قلنا: يجب أن يَعْلَم الوالد خلق معلم ابنه قبل أن يضعه بين يديه. 

12- العقاب: عقاب الطفل -إذا أهمل أو جنح- مباح استنادًا إلى إباحة ضربه إذا ترك الصلاة عند البلوغ، ولكن يجب أن يكون المعلم مفعمًا بالرحمة والشفقة، وألا يلجأ إلى العقاب إلا بعد استعمال كل وسيلة للتقويم، المهم أن يشعر الطفل أن العقاب لتقصيره وتفريطه في مصلحته، أما العقاب بغلظة وقسوة فهو يصرف عن العلم ويُعقد الطفل؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه».

۱۳- التدريب على الجهاد: ليكون مهيأ للذود عن عقيدته، فينبغي أن يغرس في نفسه حب الجهاد في سبيل الله وقتال الخارجين على دينه، ولذلك كان أبناء الصحابة يتسابقون على ساحات الجهاد، وكانوا يتوارون عن الرسول لئلا يراهم فيردهم، فلما رد صلى الله عليه وسلم أحدهم لصغر سنه بكى فأجازه فقتل وهو ابن ست عشرة سنة، ويا حبذا لو كان أولادنا يُهتَم بتربيتهم وتدريبهم على السلاح ربع ما يُهتم بالكرة؛ لكان لدينا رصيد كبير -عند الحاجة- على استعداد أن يستشهد في سبيل الله، لا يخاف الموت بعد أن رُبِّيَ تربية إسلامية رشيدة.. فلا بد من إعدادهم إعدادًا يكفل ما نرجوه منهم في المستقبل، ويجب ألا نتهور فنضعهم بين يدي أعداء الله في مدارس التبشير حيث يفسدون عليهم دينهم، ويجعلونهم إمعات تابعين لهم، كما جعلوا من «ليوبلد سنجور» رئيس السنغال تابعًا لهم، مع أنه كان أصلًا من أسرة مسلمة من السنغال، اختطفه المبشرون في إرساليتهم وتعهدوه واعتنوا به، فصار نصرانيًا يضطهد المسلمين في بلاده بروح صليبية حاقدة، اقرأ قصة ذلك في «الاستعمار والتبشير» لعمر فروخ ومصطفى الخالدي.

والله الموفق. 

نورة عبد الله الصالح العبيد

كلية التربية- الرياض

 

الرابط المختصر :