العنوان رسالة الأخوة .. عيادة المريض
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012
مشاهدات 80
نشر في العدد 2004
نشر في الصفحة 47
السبت 26-مايو-2012
يحتاج المرء وهو في أشد لحظات ضعفه وشدته إلى من يؤازره، ويؤنسه، ويأخذ بيده ويخفف عنه، ويبعث في نفسه الأمل والتفاؤل والسكينة، ويدعو له، ولاشك أن كثيرا من الناس جربوا المرض ومضاعفاته الجسدية والنفسية، وبقدر إيمانهم بأن تعاطي الدواء قد يعالج أوجاعهم بإذن الله تعالى، بقدر سعادتهم حال السؤال عنهم، لما لذلك من أثر إيجابي في مساعدتهم على استرداد عافيتهم والإحساس بالطمأنينة.
ولقد ضرب رسول الرحمة والإنسانية المثل والقدوة قولا وفعلا، فلم تحل مسؤولياته الكبيرة دون أن يزور المرضى من المسلمين وغيرهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(سورة الانبياء: أيه رقم107)، وكان الصالحون إذا فقدوا رجلا في صلاة أو عمل سألوا عنه، فإن كان مريضا عادوه، وفي هذا الإطار سطر الإسلام صفحة رائعة من الرحمة شملت نواحي الحياة كافة، ومن أعظم صورها رحمته بالضعفاء والمرضى، حتى عرف بدين الرحمة.
ومن شدة العناية بالمريض جعل الإسلام زيارته حقا من حقوق الأخوة وأدبا من آدابه كما ورد في الحديث الشريف: «خمس تجب للمسلم على أخيه رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض واتباع الجنائز»، وقد أمر الرسول ﷺ أتباعه بعيادة المرضى قائلًا: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني «الأسير»، كما أفرد الإسلام لهذا الخلق النبيل مساحة كبيرة من التوجيه والترغيب للتأكيد على فضل عيادة المريض وتفقد حاله تطييبا لنفسه ووفاء بسنة الحبيب محمد ﷺ.
أولا: الرسول الأسوة والقدوة، فقد ثبت أنه ﷺ عاد بعض أصحابه حين مرضوا، وعاد غلاما يهوديا، ودعاه إلى الإسلام فأسلم روى البخاري وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ، فأتاه النبي يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فخرج النبي ﷺ يقول: «الحمد الله الذي أنقذه من النار، وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفان: إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير».
ثانيًا: عيادة المريض تعد بابا فسيحًا من أبواب الجنة يجب الحرص عليه، لقوله: من عاد مريضا، لم يزل في خرفة الجنة». قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»، وفي رواية: «لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، ومعنى ذلك أن عائد المريض على طريق تؤديه إلى طريق الجنة أو أن عائد المريض في بساتين الجنة.
ثالثًا: زائر المريض تغمره الرحمة وما أشد حاجتنا إلى إشاعة خلق الرحمة والتراحم ثقافة وسلوكا ، قال رسول الله ﷺ: من عاد مريضا لم يزل يخوض الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس غمر فيها»0.
رابعًا: عائد المريض تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له، فعن عبد الله بن شداد أن عمرو بن حريث زار الحسن بن علي، فقال علي بن أبي طالب يا عمرو، أتزور حسنا وفي النفس ما فيها ؟ قال: نعم يا علي لست برب قلبي تصرفه حيث شئت، فقال علي: أما إن ذلك لا يمنعني من أن أؤدي إليك النصيحة سمعت رسول الله يقول: «ما من امرئ مسلم يعود مسلما إلا ابتعث الله سبعين ألفا يصلون عليه، في أي ساعات النهاركان، حتى يمسي، وأي ساعات الليل حتى يصبح».
خامسًا: زيارة المريض معية لله سبحانه وتعالى، وقد صور الإسلام مشهدًا عظيمًا وفريدا من صور الحث والترغيب على زيارة هذا المخلوق الضعيف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يقول في القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني قال: كيف أطعمك؟ وأنت رب العالمين قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلانا فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك؟ وأنت رب العالمين، قال: استسقاك عبدي فلانا فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي».
ولم يكتف الإسلام بالحث على زيارة المريض، بل استن لذلك آدابا من بينها الاستئذان والعيادة في وقت مناسب والدنو منه وسؤاله عن حاله وعدم إطالة الجلوس عنده حتى لا يشق عليه أو على أهله، وأن يدعو له بالعافية والشفاء، وألا يثير ما يقلقه ويزعجه، وأن يظهر له من الرقة واللطف ما يطيب به خاطره ويعينه على الصبر.
هذا غيض من فيض توجيهات الإسلام بشأن حقوق المريض، ورحم الله الإمام الشافعي الذي بين أثر عيادة المريض عليه وعلى عائده قائلًا:
مرض الحبيب فعدته
فمرضت من حذري عليه
فأتي الحبيب يعودني
فشفيت من نظري إليه
والله نسأل أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يفرج الكرب عن المهمومين، وأن يرفع البلاء عن المبتلين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل