العنوان رسالة الأخوة.. الدين نصيحة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012
مشاهدات 72
نشر في العدد 2001
نشر في الصفحة 53
الجمعة 11-مايو-2012
الناس في زماننا أحوج ما يكونون إلى النصيحة، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(الذاريات:55)، لأنه ليس أضرّ عليهم من تركهم في أخطائهم، يتيهون ويتخبطون، ولا خير في مسلم لا يتعهد غيره بالنصح والإرشاد، ولا أمل في منصوح لا يصغي لناصحه ويسعد لتوجيهه، والنفس الإنسانية التي لا تقبل المراجعة هي نفس معتلة، وعلاجها بالأوبة ومدارسة سير الصالحين وخبرة أهل القدوة في التاريخ.
ولا ينبغي أن يضيق المسلم ذرعًا بالنصيحة، فقد راجعت إحدى النساء سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر تشريعي خاص بالمهور، فلم ينهرها أو يرفض استدراكها، وإنما تقبله بقبول حسن، معترفًا بالخطأ، وقال قولته الشهيرة: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»، وسيدنا عمر نفسه هو القائل: «لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين»، وللمنصوح أن يدرك أن الناصح ليس خصمًا، وليس أدل على ذلك من قول الحارث المحاسبي: «اعلم أن من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشك، ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخ لك».
إن الإسلام أقر النصيحة وجعلها حقًا من حقوق المسلم على أخيه المسلم، فقد صح عن الرسول ﷺ: «حق المسلم على المسلم خمس - وفي رواية ست - وذكر منها: وإذا استنصحك أن تنصح له»، ومن واجب الناصح أن يعمل أولًا بمضمون نصيحته وأن يتصف بما فيها من خلق، حتى لا يقع تحت طائلة الآية الكريمة:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرَ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:44).
والأنبياء جميعًا قدوتنا في هذا الشأن، فقد سلكوا سبيل النصح مع أممهم وأقوامهم، فهذا سيدنا نوح عليه السلام أرسله الله لينذر قومه وينصحهم بعد أن ضلوا وابتعدوا عن آيات الله واتخذوا معه شركاء، قال تعالى على لسان نوح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِي وَأَنضَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:26)، وهذا سيدنا هود دعا قومه إلى عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام، وأكد لهم أنه رسول من رب العالمين وناصح أمين، قال تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف:86).
وقد أوجب الإسلام إسداء النصح للآخرين مهما علا شأنهم وذكرهم، فقد روى مسلم وغيره عن تميم الدّاريّ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وحدد لها آدابًا وشروطًا حتى تؤتي نتائجها الطيبة، وتأخذ بأيدي الناس إلى قويم السلوك وصحيحه، ولنا وقفة مع هذا الحديث الشريف.
أولًا: النصح لله بأن يكون المسلم سليم العقيدة، صحيح العبادة متبعا لأوامر الله مجتنبًا نواهيه، محبًا فيه ومبغضًا فيه، حريصًا على تعظيمه وخشيته، وراجيًا عفوه ورضاه، ومجاهدًا في سبيله، ومعترفًا بنعمه وشكره.
ثانيًا: النصيحة لكتاب الله عبر الإيمان بأنه كتاب الله وتنزيله، لا يشبه شيئًا من كلام الخلق، ولا يقدر عليه أحد منهم، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأول المحرفين والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وفهم علومه وأمثاله، والاعتناء بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بأحكامه والتسليم بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، ونشر علومه.
ثالثًا: النصيحة لرسول الله ﷺ، وتكمن في تصديق رسالته، والإيمان به، وطاعته في أوامره ونواهيه، ونصرته حيًا وميتًا ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، واعظام حقه، وتوقيره، وإحياء سُنته، وبث دعوته، واستفادة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطّف في تعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام، فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه، وبغض أهل البدع في السنة، وكره التعريض لأحد من الصحابة.
رابعًا: النصيحة لأئمة المسلمين؛ أي بمعاونتهم على الحق، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، قال عبد الله بن المبارك: «لو علمت أن لي دعوة مستجابة واحدة لجعلتها لأئمة المسلمين لأن بصلاحهم يصلح ناس كثير وبفسادهم يهلك ناس كثير».
خامسًا: النصيحة للعامة بإرشادهم بما يصلحهم في دنياهم وأخراهم، وإعانتهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسدّ خلاتهم، ودفع المضارّ عنهم، وجلب المنافع إليهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق، والذب عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بقيم الإسلام وآدابه، فقد وصف الله تعالى الإنسان بالخسران إلا الذين يتواصون بالحق وبالصبر: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:2-3).
ومن آداب النصيحة الستر، التي يجب الالتزام بها عدم التشهير وحسن القصد واللين والعمل بها واختيار الزمان والمكان المناسبين وما أبدع ما نظمه الإمام الشافعي من شعر في هذا المعنى:
تعمدني بنصحك في انفراد
وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري
فلا تجزع إذا لم تعط طاعة