; من الفقه السياسـي | مجلة المجتمع

العنوان من الفقه السياسـي

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 77

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

تكلمنا عن الملك في الحلقة الماضية وبينا حكمه وأقوال أهل العلم فيه، وحيث إن الأمة عاجزة عن خلافة النبوة استمر فيها الملك إلى يومنا هذا فصار امتدادًا للملك العضوض الذي تعسر أو تعذر البديل عنه، فاضطرت الأمة إلى قبوله والتعامل معه كواقع، وهكذا وجدنا أن دول الإسلام التي استمرت قرونًا متطاولة إلى يومنا هذا هي في الحقيقة امتداد لهذا الملك العضوض، والذي أشارت إليه الأحاديث النبوية الشريفة المتواترة، وما اجتمعت عليه الأمة هو وجوب طاعة الأئمة الذين يقيمون في الأمة كتاب الله ولو كان عبدًا حبشيًا كأن رأسه زبيبة، وعدّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم طاعة الأمير من طاعته، وأن على المكلف الطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، وأن من خرج عن الطاعة بلا مبرر وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، وذلك في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن نرى كفرًا بواحًا، عندنا من الله فيه برهان لا يحتمل التأويل، وقال: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا».

وقال صلوات الله وسلامه عليه: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة».

وقال صلى الله عليه وسلم: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضُرِب ظهرك وأُخِذ مالك فاسمع وأطع».

والأحاديث في الباب كثيرة لا يتسع المقام لبسطها، ولكثرة هذه النصوص واستفاضتها ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى تحريم الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف، ما لم يصل ظلمهم حد الكفر الظاهر وهو قول جمع من الصحابة وعامة أهل الحديث، يقول النووي في شرح مسلم /12/ 229: «لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث كنتم، وأما الخروج وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه».

قال القاضي عياض: «أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذلك عند جمهورهم البدعة»، قال القاضي: «فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه»، وقال: «لا تنعقد الولاية للفاسق ابتداء، فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك»، قال القاضي: «وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع- أي حرمة الخروج- وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام أي بخروج الحسين بن علي وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: أن لا تنازع الأمر أهله، أي أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرد الفسق، بل لما غيّر من الشرع وظاهر من الكفر»، قال القاضي: «وقيل إن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم- والله أعلم» انتهى.

وقال الكرماني: قد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد، إلا إذا وقع كفر صريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها (الفتح 7/13).

إذن هذا الذي استقر عليه الرأي أخيرًا وهو ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذا صاروا يذكرون هذا في عقائدهم وإن كان الخروج بالسيف على أئمة الجور، مذهبًا للسلف قديمًا، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر، تهذيب التهذيب لابن حجر (2/288).

«فهذا الإجماع الجديد المنعقد مأخوذ من إجماع الطبقة المتأخرة من التابعين» (الغلو في الدين 415).

وهذا الباب يختلف فيه أهل القبلة اختلافًا كبيرًا وهو حكم الخروج على أئمة الجور- لا الكفر- حتى عدت من أعظم مسائل الخلاف حتى أهدرت بسببها الدماء والأموال وتفاقمت الفتن، يقول الشهرستاني: وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان. (الملل والنحل (1/21).

إلى الآن تتباين الآراء في هذه المسألة ولكن المعيار أن نفرق بين أنواع الفسق والمعاصي التي يقع فيها الحكام المسلمون بين أن تكون أمورًا شخصية تعود على فاعلها بالضرر في دينه وبين أن تكون من جانب آخر منهجًا منحرفًا عن منهج الله في سياسة الأمة في العقيدة والأخلاق والشرائع بعيدًا عن شريعة الله، فعندئذ تتحول إلى استبدال منهج الله وأخذ الأمة بأحكام لا تمت إلى شريعة الله بصلة وتربية الناس على الفسوق والعصيان وتقريب المنافقين وإقصاء المؤمنين وموالاة الكافرين وفتنة المسلمين عن دينهم، فليس متشددًا إذن من يقول بوجوب الخروج عليه إذا تمكنت الأمة من ذلك ولم يستلزم العزل فتنة.

قال إمام الحرمين الجويني في غياث الأمم: «وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه، ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب»، وهذا الذي ذكره محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه.

الرابط المختصر :