; رسائل الإخاء.. طريق تبوك | مجلة المجتمع

العنوان رسائل الإخاء.. طريق تبوك

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993

مشاهدات 122

نشر في العدد 1056

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-يوليو-1993

غزوة تبوك واختبار العزائم

إن طريق الدعوة شاق وطويل لا تتحمله إلا الهمم العالية والنفوس الزاكية وليس عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا ومن هذه القصة نأخذ العبرة:

لما نزل قوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمن عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاء.. وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الخروج على الحال والزمان الذي هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورى وأخبر أنه يريد غير الوجه التي يريد.. إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يعمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته فأمر الناس بالتجهز وأخبرهم أنه يريد الروم، واستأذن بعض المنافقين رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم! فأذن..

وفي هذا نزل عتاب الله لنبيه في الإذن (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة: 43) وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض «لا تنفروا في الحر» زهادة في الجهاد وشكًا في الحق وإرجافًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تبارك وتعالى (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: 81- 82).

نفاق المرجفين وبذل الصادقين

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله مع نفر من الصحابة وأمره أن يحرق عليهم هذا البيت ثم جد الرسول صلى الله عليه وسلم في سفره وأمر الناس بالتجهز والإسراع وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند الله وفي مقدمتهم عثمان الذي أنفق نفقة عظيمة 1000 دينار و300 بعير بأحلاسها وأقتابها.. فقال عنه صلى الله عليه وسلم اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض وما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، وعبد الرحمن بن عوف نصف ماله وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال يا رسول الله أصبت صاعين من تمر صاع أقره لربي وصاع لعيالي فلمزه المنافقون ما أعطى ابن عوف إلا رياء وقالوا ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا، قال تعالى (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: 79) وجاء علباء بن زيد أحد البكائين (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطبعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 92-93).

صدقة علباء بن زيد والتحرك نحو تبوك

صلى من الليل وبكى قائلًا اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس فقال صلى الله عليه وسلم: "أين المتصدق هذه الليلة؟" فلم يقم أحد ثم قال: "أين المتصدق فليقم؟" فقام إليه وأخبره فقال صلى الله عليه وسلم: أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة!

ثم خرج صلى الله عليه وسلم بمن معه وقد قارب عددهم 30000 من أهل المدينة ومن قبائل الأعراب ممن حولها وقد كان نفر من المسلمين تباطؤوا في الخروج حتى تخلفوا عن اللحاق به من غير نفاق أو شك وارتياب كانوا دون 100.. وكان صلى الله عليه وسلم إذا قيل له تخلف فلان قال: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه.

قصص اللاحقين: أبو ذر وأبو خيثمة

ومنهم أبو ذر أبطأ حتى خرج ماشيًا لما أبطأ بعيره يتتبع أثر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أدركهم وهم نازلون، فلمحه أحد المسلمين يمشي وحده.. فقال صلى الله عليه وسلم: "كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده".. وأبو خيثمة بعد أن سار الرسول صلى الله عليه وسلم أيامًا رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستانه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء وهيأت له فيه طعامًا فلما نظر ما صنعتا ساءه ذلك وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشمس والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء! ما هذا بالنصف، والله لا أدخل على عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهيآ لي زادًا ثم ارتحل ناقته وأدرك رسول الله فقال كن أبا خيثمة.. فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له أولى لك يا أبا خيثمة.. فقال له خيرًا ودعا له بخير.

وأما رهط من المنافقين كانوا يقولون أتحسبون أن جلاد بني الأصفر أي الروم كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال فنزل فيهم قرآن (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (التوبة: 65).

كعب بن مالك وحديث التخلف

أما كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا يصف حالهم كعب فيقول: إنه لم يتخلف عن غزوة غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تبوك وبدر ولم يكن يعاتب من تخلف عنها.. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام.. إني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فقل رجل يريد أن يتغيب ألا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها أهفو فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئًا فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إن أردت فلم يزل يتهادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه ولم أقض في جهازي شيئًا فلم يزل يتهادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أنني لا أرى ليس أسوة إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق أو رجلًا ممن عذر الله ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك، ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئسما قلت: والله يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيرًا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يتبع




 اقرأ أيضا

غزوة تبوك.. جيش العسرة الذي حطم جدار الرعب الروماني

غزوة تبوك …. والمواجهة الأخيرة

الرابط المختصر :