العنوان رسائل الإخاء: تقلد الأعمال في البلاد غير الإسلامية
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1993
مشاهدات 70
نشر في العدد 1067
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-سبتمبر-1993
سؤال كثيرًا ما يطرح من الذين يقيمون في بلاد
الغرب أو الأقليات المسلمة في بلاد يغلب عليها الكفار أو في حالة إذا غلب العدو
على بعض بلاد المسلمين وأصبحت تلك البلاد في قبضته يسري فيها قانونه على الجميع
بحيث تمتنع الهجرة عليهم.. فهل للمسلمين أن يتركوا له جميع الأحكام ولا يتولوا في
تلك الأقطار عملًا للكفار، حيث يظن بعض الناس أن العمل للكافر لا يحل بحال.
يجيب على هذا السؤال العلامة الشيخ رشيد رضا
صاحب المنار «رحمه الله» بقوله:
الظاهر لنا أن المسلم الذي يعتقد أنه لا ينبغي
أن يحكم المسلم إلا المسلم وأن جميع الأحكام يجب أن تكون موافقة لشريعته وقائمة
على أصولها العادلة ينبغي له أن يسعى في كل مكان بإقامة ما يستطيع إقامته من هذه
الأحكام، وأن يحول دون تحكم غير المسلمين بالمسلمين بقدر الإمكان.
وبهذا القصد يجوز له أو يجب عليه أن يقبل
العمل في دار الحرب إلا إذا علم أن عمله يضر المسلمين ولا ينفعهم بل يكون نفعه
محصورًا في غيرهم، ومعينًا للمتغلب على الإجهاز عليهم، وإذا هو تولى لهم العمل
وكلف الحكم بقوانينهم فماذا يفعل وهو مأمور بأن يحكم بما أنزل الله؟
أقول: إن الأحكام المنزلة من الله تعالى
منها ما يتعلق بالدين نفسه كأحكام العبادات وما في معناها كالنكاح والطلاق وهي لا
تحل مخالفتها بحال، ومنها ما يتعلق بأمر الدنيا كالعقوبات والحدود والمعاملات
المدنية والمنزل من الله تعالى في هذه قليل وأكثرها موكول إلى الاجتهاد، وأهم
المنزل وآكده الحدود في العقوبات، وسائر العقوبات تعزير مفوض إلى اجتهاد الحاكم،
والربا في الأحكام المدنية.
وقد ورد في السنة النهي عن إقامة الحدود في
أرض العدو، وأجاز بعض الأئمة الربا فيها، بل مذهب أبي حنيفة أن جميع العقود
الفاسدة جائزة في دار الحرب، واستدل له بمناحبة (مراهنة) أبي بكر رضى
الله عنه لأبيّ بن خلف على أن الروم يغلبون الفرس في بضع سنين، وإجازة النبي صلى
الله عليه وسلم ذلك، وصرحوا بعدم إقامة الحدود فيها، روي ذلك عن عمر وأبي الدرداء
وحذيفة وغيرهم وبه قال أبو حنيفة. قال في إعلام الموقعين: وقد نص أحمد
وإسحق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض
العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض
العدو، وقد أتى بسر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة فقال: لولا أني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعتك» رواه
أبوداود وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في سننه
بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس ألا يجلدوا أمير جيش ولا
سرية ولا رجلًا من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية
الشيطان فيلحق بالكفار، وعن أبي الدرداء مثل ذلك ثم ذكر إقامة سعد حد السكر على
أبي محجن في وقعة القادسية. وذكر أنه قد يحتج به من يقول لا حدّ على مسلم في دار
الحرب كما يقول أبو حنيفة، ولكنه علله تعليلًا آخر ليس هذا محل ذكره وانظر تعليل
عمر تجده يصح في بلاد الحرب.
فعلم مما تقدم أن الأحكام القضائية التي
أنزلها الله تعالى قليلة جدًا، وقد علمت ما قيل في إقامتها في دار الحرب لاسيما
عند الحنفية، فإذا كانت الحدود لا تقام هناك فقد عادت أحكام العقوبات كلها إلى
التعزير الذي يفوض إلى اجتهاد الحاكم، والأحكام المدنية أولى بذلك لأنها اجتهادية أيضًا،
والنصوص القطعية فيها عن الشارع قليلة جدًا. وإذا رجعت الأحكام هناك إلى الرأي
والاجتهاد في تحري العدل والمصلحة وأجزنا للمسلم أن يكون حاكمًا عند
الحربي في بلاده لأجل مصلحة المسلمين، فالذي يظهر أنه لا بأس من الحكم
بقانونه لأجل منفعة المسلمين ومصلحتهم، فإن كان ذلك القانون ضارًا بالمسلمين
ظالمًا لهم فليس له أن يحكم به ولا أن يتولى العمل لواضعه إعانة له.
وجملة القول: إن دار الحرب ليست محلًا لإقامة
أحكام الإسلام، ولذلك تجب الهجرة منها إلا لعذر أو مصلحة للمسلمين، يؤمن معها من
الفتنة في الدين، وعلى من أقام أن يخدم المسلمين بقدر طاقته، ويقوي أحكام الإسلام
بقدر استطاعته، ولا وسيلة لتقوية نفوذ الإسلام وحفظ مصلحة المسلمين مثل تقلد أعمال
الحكومة، فمن كان أهلًا للقضاء في الإسلام وتولى القضاء في الهند بصحة قصد وحسن
نية يتيسر له أن يخدم المسلمين خدمة جليلة، وظاهر أن ترك أمثاله من أهل العلم
والغيرة للقضاء وغيره من أعمال الحكومة تأثمًا من العمل بقوانينها يضيع على
المسلمين معظم مصالحهم دينهم ودنياهم.
وما نكب المسلمون في الهند ونحوها وتأخروا عن
الوثنيين إلا بسبب الحرمان من أعمال الحكومة، ولنا العبرة في ذلك بما يجري
عليه الأوروبيون في بلاد المسلمين، إذ يتوسلون بكل وسيلة إلى تقلد الأحكام ومتى
تقلدوها حافظوا على مصالح أبناء ملتهم وجنسهم، حتى كان من أمرهم في بعض البلاد أن
صاروا أصحاب السيادة الحقيقية فيها، وصار حكامها الأولون آلاتٍ في أيديهم.
والظاهر مع هذا كله أن قبول المسلم للعمل في
الحكومة الإنجليزية في الهند ومثلها ما هو في معناها وحكمه بقانونها هو رخصة تدخل
في قاعدة ارتكاب أخف الضررين، إن لم يكن عزيمة يقصد بها تأييد الإسلام وحفظ مصلحة
المسلمين.
ذلك أن تعده من باب الضرورة التي نفذ بها حكم
الإمام الذي فقد أكثر شروط الإمامة والقاضي الذي فقد أهم شروط القضاء ونحو ذلك، فجميع
حكام المسلمين في أرض الإسلام اليوم حكام ضرورة، وعلم مما تقدم أن من تقلد
العمل للحربي لأجل أن يعيش براتبه فهو ليس من أهل هذه الرخصة فضلًا عن أن يكون من
أصحاب العزيمة.
والله أعلم.
(تنبيه): دار الحرب بلاد غير المسلمين وإن لم
يحاربوا، وكانت القاعدة أن كل من لم يعاهدنا على السلم يعد محاربًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل