; الإمام أحمد والتغيير | مجلة المجتمع

العنوان الإمام أحمد والتغيير

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

مشاهدات 72

نشر في العدد 1124

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

لقد كانت آراء الإمام أحمد في السياسة تتبع مسلكه الأثري الذي يؤثر النقل عما كان عليه الكثرة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، سواء في شأن الخلافة أو البيعة أو غير ذلك. وكان رضي الله عنه رجلًا واقعيًّا يميل إلى السكون والدعة وتجنب الفتن والاجتهاد في التئام شمل المسلمين، وإيثار الطاعة لإمام متغلب -ولو كان ظالمًا- على الخروج على الجماعة لما يُرتكب في فتن الخروج من الظلم ما لا يرتكبه الحاكم المستبد من ظلم منظم سنين.

ولعل هذا الرأي يشبه رأي الإمام مالك، وإن كان ثمة فرق بين الإمامين في هذا فهو أن مالكًا رضي الله عنه عاين فتن الخروج، والاضطراب في عصور الانقلاب؛ حيث عاصر عهدين مختلفين وخلافتين فكثر فيهما الفتن والمحن، فعاينها وتأثر بها.

أما الإمام أحمد رضي الله عنه فلم يعاين الفتن كثيرًا، ولم يكن عصره قريبًا منها، ولم يشهد إلا الفتن التي كانت بين الأمين والمأمون، وقد رآها انتهت إلى شر لا إلى خير؛ حيث أفضت إلى تغلغل الفرس وفشو البدع وتمكن الملل والنحل من مقاليد الأمور، وسيطرة المبتدعة على الحكام واستطالتهم على الأئمة وأهل السنة، فمسته لفحة من إيذائهم، وناله بسببهم الضرب والحبس والتضييق ما كان من شأنه أن يزرع في قلبه -وقد وقع فريسة هذا الحكم الظالم الذي تعاقب عليه ثلاثة خلفاء، وهم المأمون والمعتصم والواثق- النقمة، وحب الانتقام والدعوة إلى الخروج على الحكام.

ولكن لم يستمد أحكامه من معاناته في السجن والتعذيب، فيجعلها تبعًا لهوى أو نتيجة لما أصابه من حكام عصره، بل استمد رأيه في الخلافة والخروج عليها من صحيح السنة، وعمل السلف الصالح، والتجارب التي وقعت منهم -كما أشرنا إليها في المقالات السابقة- إضافة إلى المصلحة الاجتماعية والدعوية، وخلافًا لما كان متوقعًا منه فقد كان رحمه الله ينهى عن الخروج، ويعتبره بغيًا مهما يكن حال الخليفة، ولو كان على الذي أمر بتعذيبه حتى الموت!

ولْننقل عباراته الدالة على رأيه في السياسة على ما نقله ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص 176، يقول -رحمه الله-: «السمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن وُلِّيَ الخلافة فاجتمع الناس عليه، ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ وليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز نافذ، من دفعها إليهم أجزأت عنه برًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل من ولي جائزة إمامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة، وليس من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلى معهم ركعتين وتدين بأنها تامة لا يكن في صدرك شك ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية».

ومع هذا لا يرى أحمد طاعتهم على المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فحينما امتحنه المأمون وبعده المعتصم فالواثق وحملوه على أن يقول في القرآن غير ما يعتقد لم يجبهم إلى ذلك ورضي بالعذاب والقتل في سبيل الله دون ما يعتقده حقًّا، ومع ذلك كان يسميهم بأمراء المؤمنين ولا يدعو للخروج عليهم، ولم تكن هذه المخالفة للسلطان وإجابته للبدعة من الخروج، لأن الخروج هو أن يشهر السيف ويجهر بعصيانه ويقاتله ويبث روح التمرد ضده، وليست الطاعة عنده أن يقول كل ما يرضي الخليفة عنه بالحق والباطل لأن ذلك من الرياء والنفاق الذي تأباه طبيعة الإمام أحمد.

لقد كان الإمام مالك يرى ما رآه أحمد من بعده، ولكنه يفترق عنه في النصح لأئمة المسلمين وحملهم على العدل وإقامة السنة، ولذلك غشي مجالسهم من غير محاباة أو مداجاة أو مداهنة، ولا شك أن هذه الطريقة قد تؤدي إلى نتائج حسنة إذا فتح ولي الأمر بابه للمخلصين، ونطقوا عنده بالحق، وفتح قلبه لوعيه وأذنيه لسماعه، ولكن أحمد آثر ألا يتصل بالخلفاء ولم يؤثر عنه أن عمد إلى نصحهم أو دعوتهم لغلبة أهل البدع على مجالسهم وحيلولتهم دون اتصال أهل السنة كالإمام أحمد من التأثير فيهم، فاستأثر هؤلاء كابن أبي دؤاد والزيات وهرثمة وغيرهم بقلوب وعقول الخلفاء، وكان هؤلاء الحداثيون العلمانيون المعتزلة الذين يتكررون في كل زمان ويلبسون لكل حالة لبسوها، لعل هذا هو الذي حمل الإمام أحمد على هذا المسلك ووجد أن نصيحته لا تلقى قبولًا لدى الحكام لغلبة المعتزلة وأهل الأهواء على قلب الخليفة فكفى نفسه مؤونة الردود الجافة؛ ولذلك اعتزلهم في بيته حتى مات رضي الله عنه وأرضاه.

الرابط المختصر :