العنوان رسائل الإخاء: السؤال في الإسلام
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988
مشاهدات 94
نشر في العدد 869
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 07-يونيو-1988
قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ (المائدة:101).
وفي هذه الآية
توجيه وتربية للجماعة المسلمة وحصر اهتمامها بما ينفع، "فكل مسألة لا نبني
عليها عملًا، فالخوض فيها من التكلف المنهي عنه شرعًا". نتعلم منها أدب
السؤال، وحدود البحث، وأسلوب النقاش وطريقة المداولة، لا نشدد على أنفسنا بتنصيص
النصوص ولا بالجري وراء الاحتمالات والفروض... كما في الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم: "دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ
بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ علَى أَنْبِيَائِهِمْ" (البخاري:7288).
وبوَّب البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في باب ما يكره من السؤال وتكلف
ما لا يعنيه.
عن أنس أنَّ
النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى
الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ علَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وذَكَرَ
أنَّ بيْنَ يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قالَ: "مَن أحَبَّ أنْ
يَسْأَلَ عن شيءٍ فَلْيَسْأَلْ عنْه، فَوَاللَّهِ لا تَسْأَلُونِي عن شيءٍ إلَّا
أخْبَرْتُكُمْ به ما دُمْتُ في مَقَامِي هذا". قالَ أنَسٌ: فَأَكْثَرَ
النَّاسُ البُكَاءَ، وأَكْثَرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ
يَقُولَ: "سَلُونِي، سَلُونِي". فَقالَ أنَسٌ: فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ
فَقالَ: "أيْنَ مَدْخَلِي يا رَسولَ اللَّهِ؟" قالَ:
"النَّارُ". فَقَامَ عبدُ اللَّهِ بنُ حُذَافَةَ فَقالَ: "مَن أبِي
يا رَسولَ اللَّهِ؟" قالَ: "أبُوكَ حُذَافَةُ". قالَ: ثُمَّ
أَكْثَرَ أنْ يَقُولَ: "سَلُونِي سَلُونِي". فَبَرَكَ عُمَرُ علَى
رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: "رَضِينَا باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلَامِ دِينًا،
وبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَسولًا". قالَ: "فَسَكَتَ
رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ قالَ عُمَرُ ذلكَ"
(البخاري:7294).
قال الحافظ في
"الفتح": نزلت الآية بسبب كثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء
والامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يُسأل عنه لكان على الإباحة.
وقال ابن كثير:
ظاهر الآية النهي عن الأشياء التي إذا عُلِم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض
عنها وتركها. وما أحسن الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا
يُبلغُني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليمُ الصدرِ"
(أبو داود:4860).
وفي البخاري عن
سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ أَعْظَمَ
المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَن سَأَلَ عن شيءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِن أَجْلِ
مَسْأَلَتِهِ" (البخاري:7289). وقال: "لو ترك أشياء من غير نسيان فلا
تبحثوا عنها" (رواه مسلم). فالتكلف منهي عنه؛ لذا كان الصحابة يفرحون لقدوم
الأعراب من البادية ليسألوا، وهم يسمعون أجوبة سؤالاتهم فيستفيدونها.
قال الشاطبي في
"الموافقات": "والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث
العقلية والاحتمالات النظرية مذموم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وُعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه...". ويتبين هذا أن لكراهية السؤال
مواضع، نذكر منها:
• السؤال عما لا ينفع في الدين.
• ومنها: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته
تزيدًا كقول بني إسرائيل في البقرة.
• ومنها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت
"وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ، فَلَا
تَبْحَثُوا عَنْهَا" (الألباني:3/24).
• ومنها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها
كما جاء النهي عن المغلوطات.
• ومنها: أن يسأل عن علة الحكم فيما هو من
قبيل التعبدات "قضاء الصوم للحائض دون الصلاة".
• ومنها: أن يبلغ بسؤاله حد التكلف والتعمق
"كحديث صاحب الحوض الذي ترده السباع".
• وفيها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب
والسنة بالرأي.
• ومنها: السؤال عن المتشابهات: ﴿فَأَمَّا
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (آل
عمران:7).
• ومنها: السؤال عما شجر بين السلف الصالح.
• ومنها: سؤال التعنت والإفحام وطلبة الغلبة
والخصام: "أبغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألدُّ الخصِمُ"
(البخاري:2457).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل