العنوان رسائل الإخاء.. الجود
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988
مشاهدات 83
نشر في العدد 865
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 03-مايو-1988
كان قيس بن سعد
بن عبادة - رضي الله عنهما - من الأجواد المعروفين، حتى إنه مرض مرة، فاستبطأ
إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين.
فقال: "أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة"، ثم أمر مناديًا
ينادي: "من كان لقيس عليه مال فهو منه في حِلٍّ"، فما أمسى حتى كُسرت
عتبة بابه، لكثرة من عاده.
والجود أنواع
أعلاه كما قال الشاعر:
يجود بالنفس إذ
ضَنَّ البخيل بها***والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ومنه الجود
بالرئاسة والجاه لقضاء حاجات الملتمس والشفاعة له، والجود بالراحة والرفاهية
وإجمام النفس؛ فيجود بها تعبًا وكدًّا في مصلحة غيره "قد سهرت عيونهم
والخليون هَجَعوا".
والجود بالمال،
فالدعاة لا يبخلون على دعوتهم يومًا من الأيام بقوت أولادهم، وعصارة دمائهم، وثمن
ضرورياتهم فضلًا عن كمالياتهم والفائض من نفقاتهم.
والجود ينفع
البدن على اختلاف أنواعه، كإغاثة الملهوف، والسعي على الأرملة والمسكين، وإعانة
الرجل في دابته وحمله عليها، أو ترفع له متاعه، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه.
والجود بالعرض
كجود أبي ضمضم من الصحابة - رضي الله عنهم - كان إذا أصبح قال: "اللهم إنه لا
مال لي أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني: فهو في
حِلٍّ". فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: "من يستطع منكم أن يكون كأبي
ضمضم؟" وفي هذا الجود من سلامة الصدر، وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق
ما فيه.
والجود بالخلق
والبشر والاحتمال والعفو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما
يوضع في الميزان. والجود بترك ما في أيدي الناس والزهد فيه، فلا يلتفت ولا يمُدَّن
عينيه إليه، ولا يستشرف له بقلبه.
ومن أعلى مراتب
الجود الجود بالعلم وبذله، وهو أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف منه. ومن
الجود به تعليمه ونشره، وطرحه على الناس، وبذله لمن يسأل. ومن الجود به أن السائل
إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يدع مزيدًا لمستزيد، وعدم
الاقتصار بـ"نعم" أو "لا". وهكذا كان النبي - صلى الله عليه
وسلم - إذا سأله السائل كان لا يقتصر على مسألته، بل يذكر له نظائرها ومُتعلِّقها،
مثل لما سألوه عن الوضوء بماء البحر قال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"،
فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه،
وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم إلى علته وحكمته.
وهكذا كان بعض
أهل العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كان إذا سُئل عن مسألة حكمية،
ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قَدَرَ، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول
الراجح.
وهذه فتاويه -
رحمه الله - بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك. فاللهم أعط منفقًا خلفًا،
وأعط ممسكًا تلفًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل