; ردٌّ على مقالة عبد الرحمن الجميعان | مجلة المجتمع

العنوان ردٌّ على مقالة عبد الرحمن الجميعان

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1983

مشاهدات 54

نشر في العدد 616

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 12-أبريل-1983

  • لم يكن الأخ «جميعان» موفقا في استدلالاته، التي ساقها داخل موضوعه.
  • الإمام الشهيد حسن البنا في موضع الإجلال والإكبار لدى القائمين على مجلة المجتمع.
  • سيل من العتاب المشوب بالاستغراب لما كتبه الأخ «جميعان» تحت عنوان: «التفاتة القلم المبارك».

لم تكن رسالة الأستاذ الفاضل عبدالرحمن الخليفة حول ما كتب عن الإمام الشهيد حسن البنا الوحيدة من نوعها، بل جاءنا سيل من العتاب المشوب بالاستغراب لما كتب في مقالة: «التفاتة القلم المبارك»، الذي كتبه الأخ عبدالرحمن الجميعان:

والحقيقة التي برزت من مكالمات ورسائل العتاب هي ليست استغراب الهجوم على الإمام الشهيد، فهذا الهجوم هو عمل اليوم والليلة لأجهزة المكر العالمية، التي تسعى لتشويه الإسلام ورجاله؛ لقد جاء الاستغراب حول تسرب مثل هذا الهجوم على صفحات مجلة المجتمع، وهي التي حملت على عاتقها مهمة الدفاع عن الإسلام ورجاله، ودأبت منذ صدورها الأول على صد تلك الهجمات، بل ما فتئت تعبر عن إجلالها لقادة الفكر والحركة الإسلامية، وعلى رأسهم الإمام الشهيد حسن البنا، لقد عجب كثير من القراء لتسرب مثل هذا الهجوم على صفحات المجتمع، ونحن لا يسعنا إلا أن نفتح صدورنا لهذا العتاب الأخوي، الذي يعبر عن الثقة بهذه المجلة وأقلامها، مؤكدين على عدة نقاط..

بين النقد الذاتي والكيد العالمي:

تسعى كثير من أجهزة النشر العالمية على تشويه الإسلام ورجاله؛ من أجل تقويض هذه الصحوة المباركة، وظهرت أخيرا كتابات متعددة تلقتها صحف اليسار، تتحد كلها في نقد حركة الإخوان المسلمين ورجالهم، ولا أدلَّ من ذلك إلا سلسلة المقالات، التي كتبها الدكتور عبدالعظيم رمضان باتفاقه مع بعض المؤسسات الصهيونية، وقد انكشفت علاقة هذا الدكتور بتلك المؤسسات، وأدرج اسمه في كشوف اللائحة السوداء.

لقد جاءت هذه الهجمة في الوقت، الذي بدأت تسري فيه دعوة النقد الذاتي داخل صفوف الحركة الإسلامية، والتي تطالب بإزالة الهالة والتقديس عن الأشخاص؛ حتى يبقى التقديس للإسلام وحده من تمييز خطأ الرجال عن الإسلام، ولا يحسب من الإسلام مع تقادم الزمان، ورغم وجاهة هذه الدعوة وموضوعيتها إلا أنها جاءت في وقت يحاول فيه العدو أن يستثمر أي نقد موجه للحركة؛ حتى ولو كان بدافع الإخلاص.

لذلك فإن التحفظات، التي تقال عن دعوة النقد الذاتي لها وجاهتها، فلم يرفض أحد دعوة النقد الذاتي، ولم يصر أحد على تقديس الأشخاص أو الدعاة، فهذا منهج مرفوض ولا يمت إلى الإسلام، إن الذين تحفظوا على هذه الدعوة إنما تحفظوا على توقيتها بدليل أن معظمهم يرحب بالنقد الذاتي في إطار القنوات الصحيحة داخل صفوف الحركة، ومقالة الأخ عبدالرحمن الجميعان جاءت ضمن دعوة النقد الذاتي، التي أرادت أن تنتقد كتابات الحركة، ولكن وقعت في مجموعة أخطاء..

1- لقد جاءت على صفحات الجرائد في الوقت، الذي تشن أجهزة الكيد العالمية حربًا ضروسا([1]) على دعاة الإسلام.

2- أخفق الكاتب في الاستدلال بأمثلة صحيحة.

من الذي ينتقد؟

وإذا كانت دعوة النقد الذاتي مقبولة، كما قلنا، فإننا يجب أن نضع لها إطارا وحدودًا واضحة؛ إذ ليس من المعقول أن نفتح([2]) باب النقد للجميع، فلا يفتح باب النقد للسوقة والمتحاملين وخائري الهمة، ولا يفتح باب النقد للمتخلفين عن الركب، والقاعدين عن موكب الدعاة، فالذي ينتقد يجب أن يكون ضمن موكب الدعاة، ومنطلقًا مع المسيرة، كما أنه يجب أن تكون لديه خبرة، وممارسة الدعوة صنعت له معايير واضحة وصادقة للتقييم، وقد كنت كتبت عام ۱۹۸۰ في عدد المجتمع ٤٨٤ مقالًا عن «حسن البنا والتفكير السياسي»، بدأت فيه بفقرة أود أن أكررها الآن:

«حسن البنا كبقية بني آدم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قوله ويرد، ولكنه- في الوقت نفسه- كبقية الزعماء والعلماء لا يخطَّأون إلا بعد دراسة، ولا يرد قولهم إلا بعد تمحيص، وزلة الزعيم زلة أمة، وخطأ العالم خطأ مدرسة؛ لهذا لا يعتبر قول السوقة فيهم، ولا يعتد بقول المتحاملين والحاقدين».

ولأن حسن البنا زعيم لأكبر جماعة إسلامية في القرن العشرين، ولأن مدرسته أرسخ مدرسة حركية في الدعوة الإسلامية المعاصرة، بل لأنه رائد الحركة الإسلامية بعد سقوط الخلافة بلا جدال؛ لذلك يلزمنا عند تمحيص مواقفه وتصريحاته أن نقرر الآتي:

إن حسن البنا كسلفه من الأعلام، مثل: ابن حنبل، والعز بن عبدالسلام، وابن تيمية، وصلاح الدين، وابن عبدالوهاب، يحصد لهم الصواب، ويكاد يعد لهم الخطأ، وما ذلك إلا لأن إجماع ثقات الأمة انعقد على حسن نواياهم.

إن مواقف حسن البنا وتصرفاته وتصريحاته ليست دستورًا، بل يبقى الكتاب والسنة هما الدستور الخالد للدعاة.

إن مواقف حسن البنا وتصريحاته في أي قضية كانت صاحبتها ملابسات وظروف وعوامل شتى، فمن أسوأ الأخطاء أخذ الحكم المجرد دون الإحاطة بتلك الملابسات والظروف والعوامل.

ليس هذا خطأ:

إن الخطأ الذي وقع فيه الأخ «الجميعان» في مقالته المذكورة، وإخفاقه بالاستدلال بأمثلة ناجحة، فعندما أراد أن يؤكد أن مكتبة الدعاة تحوي بعض الكتب الهزيلة استدل بكتاب: «المأثورات» للإمام الشهيد، وبعض مؤلفات الأستاذين فتحي يكن وسعيد حوى، وقد اعتبر أن كتاب المأثورات يحتوي على أحاديث ضعيفة بل موضوعة ومنكرة -كما زعم، وهذه إحدى مبالغات الأخ «الجميعان»، فالذين حققوا كتاب المأثورات لم يبينوا أنه يحتوي على حديث منكر وموضوع، وكيف يحتوي المأثورات على منكر أو موضوع، وقد اعتمد كاتبه على كتب السنن، التي اتفقت على ألا تضع في أسانيدها رجلا أجمع الرواة على تركه أو تضعيفه، ثم هل غاب عن ذهن الأخ «الجميعان» أن علماء الحديث اتفقوا على جواز الاستدلال بالضعيف في مسائل فضائل الأعمال والترغيب والترهيب، يقول السيوطي في كتابه التدريب: «لم يذكر ابن الصلاح والنووي لقبوله سوى هذا الشرط، كونه في الفضائل ونحوها».

كما قال السيوطي: «ويعمل في الضعيف أيضا في الأحكام، وإذا كان فيه احتياط»، قال الزركشي: «الضعيف مردود ما لم يقتض ترغيبًا أو ترهيبًا أو تتعدد طرقه، ولم يكن المتابع منحطا عنه»، وهذا هو رأي أهل السنة والجماعة، الذي عمل به صاحب كتاب المأثورات، وصاحب كتاب قوارب النجاة، وإنني أستغرب لماذا يستشهد الأخ الجميعان بكتاب المأثورات، ولم يستشهد بكتاب الكلم الطيب لابن تيمية، الذي أثبت الألباني ضعف كثير من أحاديثه؟ لماذا لم يستشهد بكتاب الأذكار للنووي وغيره؟ ألم يعلم أن جميع المحدثين الذين كتبوا في قضايا الترغيب والترهيب كابن تيمية والنووي أخذوا بقاعدة الاستشهاد بالضعيف في الترغيب والترهيب.

وأخيرا: إننا نعتقد أن الكاتب عبدالرحمن الجميعان لم يكن موفقًا

بالاستدلال بأمثلته، كما نريد أن نؤكد لجميع الإخوة، الذين عاتبونا أن الأخ الجميعان من أبناء هذه الحركة، ومن الماضين في موكب الدعوة، والحريصين على الركب، وله مقالات عدة في الإشادة برجال الحركة، ولاسيما الإمام الشهيد، وإننا نظن أنها هفوة وزلة قلم لم ينتبه إليها، ولم تنتبه إليها المجلة، هذا ونرجو من الله جل وعلا التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رئيس التحرير

الهوامش:

([1])   كتبت في الأصل: طروسا

([2])  في الأصل: لفتح

الرابط المختصر :