العنوان رحيل البطل
الكاتب خدمة وكالة جهان للأنباء
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 101
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 43
السبت 01-نوفمبر-2003
لقد أنصف من وصف الزعيم البوسني علي عزت بيجوفيتش بأنه رمز الإسلام في العالم الغربي، كما كان الزعيم والشاعر الباكستاني إقبال رمزاً للإسلام في العالم الشرقي. بيجوفيتش.. الزعيم والمفكر كان في الوقت نفسه بطلاً حقيقيًا بكل معنى الكلمة.
وفيما سحرت الشيوعية ألباب الكثير من المثقفين الأوروبيين وقف بيجوفيتش كالطود أمامها، ولم يكن يبلغ من العمر وقتها غير ٢٤ عامًا عندما ألقاه نظام الدكتاتور اليوغوسلافي تيتو في غياهب السجون أربعة أعوام. وفي عام ١٩٨٣ حكم عليه بالسجن لمدة ١٤ عامًا بسبب كتاب «البيان الإسلامي» الذي كان قد ألفه في عام ۱۹۷۰ غير أنه أخلي سبيله في عام ۱۹۸۹ عندما دخلت يوغوسلافيا مرحلة الانحلال وقام بعدها بعام أي في ١٩٩٠ بإعادة طبع الكتاب وقام بيجوفيتش بعد ذلك بجمع ملاحظاته وأفكاره ومشاعره التي نضجت خلال سنوات سجنه ضمن كتاب نشره تحت عنوان «رحلتي إلى الحرية».
كان بيجوفيتش مؤمنًا بمبادئ الإسلام الحنيف. أما نضاله ضد الدكتاتورية فأدى إلى احتلال الحرية والديمقراطية مكانة متميزة في نظرته وأفكاره السياسية.
النضال والكفاح البطولي الذي خاضه البوشناق ضد الفاشية الصربية كان حرب تحرير وطنية وحرية حقيقية زعيمها ورائدها هو علي عزت بيجوفيتش لم يغادر سراييفو إبان الحرب البوسنية بل فضل البقاء فيها داخل الخنادق والملاجئ تحت وابل من الرصاص والقنابل ليقود بنفسه حركة تحرير البوسنة مما رفع كثيرًا من معنويات البوسنيين وألهب حماسهم أثناء تلك الحرب الطاحنة التي لم تشهد القارة الأوروبية مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية وقام بيجوفيتش بجمع الخطب التي ألقاها إبان حرب البوسنة في كتاب «المعجزة البوسنية والخطب».
وبعد انتهاء الحرب التي راح ضحيتها زهاء ۲۰۰ ألف بوسني تحت أبصار أوروبا المتحضرة، تم بفعل التدخل الأمريكي توقيع اتفاقية دايتون للسلام وفور توقيع الاتفاقية خاطب بيجوفيتش مواطنيه قائلاً: أيها البوسنيون.. هذه الاتفاقية ليست اتفاقية جيدة أو عادلة ولكن ليس بالإمكان تحقيق أفضل منها في مواجهة الموقف الراهن للعالم لذا فإننا سنقبل بها ولن نبحث عن مستقبلنا بين مخلفات الماضي ولن نجري خلف مشاعر الحقد والثأر».
وبعكس الطاغية ميلوسوفيتش فإن بيجوفيتش لم يسع لإقامة حكم دكتاتوري في البلاد، بل عرف كيف ينسحب من المنصب بشكل ينسجم مع الثقافة الإسلامية للبوشناق ومع النظرة الفلسفية لبيجوفيتش.
بيجوفيتش لم يكن مجرد زعيم فحسب بل كان مثقفًا وفيلسوفًا مسلمًا يشعر بالانتماء إلى العالمين الغربي والشرقي.. عاش على خط الحدود الكبير الفاصل بينهما طيلة قرون وعصور، وكان هاجسه الأساسي «العيش الإسلامي بين الشرق والغرب»، وفي مؤلفاته ثراء ملحوظ نجد بينها آيات من القرآن الكريم واقتباسات من أرسطو وابن رشد والغزالي وميلتون ومارسيل بروست وجورج أرويل ويروي في مؤلفاته حنينه إلى إسلام يجمع بلطف بين انتمائه إلى الإسلام دينًا والبوشناق هوية قومية والمفاهيم الغربية كحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.
وردًا على عرض رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان معالجته في أحسن المستشفيات بتركيا رفض بيجوفيتش العرض قائلاً: «كلا.. أريد أن يوافيني الأجل في بلادي».
مثال حي على حب وطن وتعلق قلبي بفلسفة حياة.. ندعو الله عز وجل أن يتغمد الراحل بوافر رحمته.