العنوان رحم الله عصور البطولات لا عصور تجار الانحرافات
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 78
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 29-فبراير-2000
ما إن انتهت الخلافة وتفرق شمل المسلمين واحتلت بلادهم دول شتى قوية ذات جيوش حديثة ومدججة بالسلاح حتى شعر الناس بحجم الكارثة وعظم المصيبة وأسقط في يدهم، واعتراهم من الهم والغم ما تنوء بحمله الجبال الرواسي، وزاد هذا المصاب سياسة المحتلين الخبيثة ومعاملاتهم الفجة ألمًا وبلاءً وكمدًا، وظن الناس ألا نجاة من هذا الهول ولا خلاص من هذا الفزع، وأن الرزء قد أسكر الناس وترك الحليم حيران، ولكن الذين يعرفون طبيعة هذه الأمة الولود ويعون معالم الرسالة المعطاءة كانوا يبتسمون في صمت، وينظرون في تؤدة ويلحظون في عمق مخاض الليالي الحبالى وأجواء العواصف الهوج التي ستلد الرجال وتدفع بالمجاهدين الذين سيعصفون بهذا الخبث ويقذفون بالغثاء النكد إلى مزابل التاريخ، فيخرج رحم الأمة للمستعمرين الإسلام من جديد ممثلًا في أكبر حركة إسلامية في العصر الحديث وعلى رأسها داعية مجدد ومربٍ وقيادي هو الشيخ البنا وتنشق الأرض الطيبة فتخرج رجالًا من أمثال رشيد رضا ومحمد عبده ومحب الدين الخطيب وعبد الرحمن عزام، وعزيز المصري، وعمر المختار، وشكيب أرسلان، وابن باديس وعلال الفاسي، وأمين الحسيني، ومحمود لبيب، وآخرين، فأما حسن البنا فقد قاوم الاستعمار الإنجليزي واليهودي، الإنجليزي في القنال، واليهودي في فلسطين، وهذا الجهاد قد سطر في مجلدات ويحتاج إلى المزيد الذي ستكشف عنه الأيام.
وأما عمر المختار فإنه أقام ثورة عارمة في ليبيا قاومت الاستعمار الإيطالي المؤيد بالنفوذ البريطاني، وانضم إليه كثير من المجاهدين في البلاد الإسلامية، منهم عبد الرحمن عزام باشا الذي صار أمينًا للجامعة العربية بعد ذلك حين أعلنت إيطاليا الحرب على المجاهدين الليبيين وكان شابًا، ترك دراسته في كلية الطب في مصر، وتطوع مع المجاهدين في ليبيا وأبلى أعظم البلاء.
وعزيز المصري الذي كان من قواد الجيش المصري، وأخرجه الإنجليز، وكان من المؤمنين بالفكرة الإسلامية وبالدولة الإسلامية العالمية، وقد عمل مع الترك أيام الخلافة، ثم عمل بعد ذلك في نصرة المجاهدين في شتى الجبهات، وله في ذلك المجال تاريخ مجيد، وعلى شاكلة عزيز المصري كان صالح حرب الذي كان غصة في حلق الإنجليز وقاد فيما بعد الشبان المسلمين، ومحب الدين الخطيب الذي شارك في الحركات الإصلاحية في نواحي العالم الإسلامي، وقد طارده الفرنسيون فحاربهم بالقلم ورأس تحرير مجلة الفتح، وكان كاتبًا إسلاميًّا لا يشق له غبار وقد عمل مع الشيخ محمد عبده ورشيد رضا والشيخ البنا، وكان من أعظم ما أخرجه كتاب الغارة على العالم الإسلامي.
واما شمال إفريقيا، وهو المغرب العربي، فقد كان هناك عبد الحميد بن باديس في الجزائر الذي كان يتزعم حركة المقاومة لخطة فرنسة الجزائر والقضاء على عروبتها وإسلامها، فكون جمعية جعلت مهمتها إنشاء المدارس الإسلامية وتثبيت الناس والناشئة على الدين وعلى اللغة العربية وكانت السلطات الفرنسية تلاحق هذه المدارس ولكنها كانت تعمل عملها حتى قامت ثورة الجزائر بتأثير تلك المدارس وتأثير ابن باديس ورجاله.
وكان في مراكش علال الفاسي وحزبه الذين كانوا يقاومون الاستعمار الفرنسي ويقاومون الظهير البربري، وكان في الشام الأمير شكيب أرسلان، وهو ليس أميرًا بالمعنى المعروف من الانتساب إلى بيت مالك، وإنما أمره قلمه، فهو كاتب وصاحب قلم وبيان لا يشق له غبار، وقد لقب بأمير البيان، وهو بلاشك من أقوى الكتاب الذين دافعوا عن الإسلام والمسلمين، وهو صاحب كتاب «حاضر العالم الإسلامي»، وقد نفاه الاستعمار الفرنسي من بلاده سورية إلى سويسرا، خوفًا من خطورته وقوة تأثيره، وكان رجلًا صاحب نظر ثاقب وفكر حاد وغيرة متقدة وجهاد مستفيض، وكان من المجاهدين الأبطال في مصر الصاغ محمود لبيب زميل عزيز المصري وصالح حرب، وكان له إحاطة بتاريخ الحركات العسكرية السرية منها والعلنية وكان رجل عمل وعمق وإيمان، وكان له في الدعوة الإسلامية آثار بعيدة، كما كان له تأثير في الجيش المصري وفي حركة الضباط وقد تحدث عنه الكثيرون في ذلك، وكان من كبار الشخصيات المخلصة محمد محمود باشا الذي صار فيما بعد رئيس وزراء مصر، ورث المجد عن آبائه، وكانت له أياد بيضاء في مساعدة المجاهدين بالمال والسلاح وهو الذي كان يمد الثورة الليبية بالعتاد والمؤونة في حربهم مع الطليان بواسطة رجال القبائل الذين كانوا يعرفون الطرق والدروب الصحراوية متخفين عن أعين الإنجليز والطليان وهذا الرجل من الشخصيات التي غمطت حقها شأنه شأن المخلصين الذين ترفعوا عن الاتجار بالسياسة والخضوع للدنايا، وكان حريصًا على معرفة المجاهدين والعاملين للإسلام، وقد قابل الأستاذ حسن البنا وهو على رأس الوزارة وأعجب بالأستاذ البنا أشد الإعجاب وكان مقررًا للزيارة ربع ساعة فامتدت إلى ساعتين، وقام محمد محمود رئيس الوزراء فودعه بنفسه، ثم قال لأحد أصدقائه والله لولا العرف والتقاليد لعينت هذا الرجل وزيرًا للخارجية، وأنا موقن أنه سيجعل لمصر في ظرف أشهر معدودة مكانة مرموقة بين دول العالم، وكان حسن البنا وقتها ابن الثلاثين عامًا.
أقول رحم الله هؤلاء الرجال وأمثالهم ممن تضيق عن ذكر أسمائهم هذه الصحيفة ممن دوخوا الاستعمار حتى أخذ عصاه ورحل، ولكنه وللأسف رجع هذه الأيام راكبًا ظهور تجار السياسات المنحرفة والأهواء الجامحة، ومسخرًا هامات الكثيرين الممرغة في الفساد والأوحال، ولقد حزنت حينما أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية نقلًا عن الحكومة النيجيرية أن الدكتاتور الراحل ساني أباتشا وعائلته سرقوا أربعة آلاف وثلاثمائة مليون دولار من الأموال العامة خلال فترة حكمه التي دامت أربعة أعوام فقط وقد توفى هذا الدكتاتور فجأة، قبل أن يتمتع بأمواله الحرام، وهكذا كل دكتاتور يريد الله سبحانه ألا يتمتع بالحرام إلا في جهنم وبئس القرار.
أقول رحم الله عصر المجاهدين الذين عاشوا على الكفاف مجاهدين مضحين أبطالًا خلصوا بلادهم من الذل والعار، وأسلموها حرة نظيفة وذهبوا إلى ربهم راضين مرضيين، ولعن الله عصور الظالمين السارقين المارقين الخائنين الذين يجلبون للأمة الخزي والعار والبلاء والاستعمار، وأظن أن مزابل التاريخ ستحظى بالكثير والكثير من هؤلاء وأن جهنم ستحتضن الجم الغفير منهم يوم تنشر الصحائف وتقرأ الأعمال، ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف:٤٩) نسأل الله السلامة.. آمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل