; رحمك الله يا أبا زاهد | مجلة المجتمع

العنوان رحمك الله يا أبا زاهد

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997

مشاهدات 88

نشر في العدد 1240

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 04-مارس-1997

  • إن موطن النقد فيك عند ناقديك هو موطن الإكبار فيك والإعجاب بك

رحمة الله عليك يا شيخنا أبا زاهد.

كنت عالم الأمة في وقت عزّ فيه العلماء، وكنت حكيم الدعوة في وقت عز فيه الحكماء، وكنت رجل المهام الصعبة في وقت عز فيه الرجال.

أتقدم للكتابة عنك بعد رحيلك عنا إلى دار البقاء، وأنا أحد تلاميذك المنتشرين في الأرض، لكني لست محسوبًا من تلاميذك الكبار أو المقربين، وأكتب عنك وأنا أحد أبنائك لكني لست محسوبًا من أبنائك البررة، وأكتب عنك وأنا أحد إخوانك الذين عاشوا معك، ولكني لست محسوبًا من إخوانك الأدنيين، وهؤلاء جميعًا يستطيعون أن يتحدثوا عن مآثرك وفضلك أكثر مني، ولذلك سأدع لهم الحديث فهم أدرى بها مني لأنهم ألصق بك وأخبر، وعاينوا أكثر مما عاينت. 

لكني أجدني مسوقًا للحديث عنك أكثر منهم رغم أني لا أحسن ما يُحسنونه

لئن اختلفنا عليك ونحن إخوانك الأقربون، فما اختلف عليك أبدًا إخوانك الأبعدون، وما ناقشوا أو قبلوا نقاشًا بعلمك وفضلك وحكمتك، ودومًا نحن الملومون حين نختلف عليك، وانطلاقًا من هذه النقطة أجد من الواجب على أن أتحدث عنك – أسبغ الله عليك رضوانه – لأكون الدريئة التي في الوسط، أعذر من اختلف عليك من إخوانك، وأبرز لأحبابك الكبار حقيقة ما يكن لك هؤلاء المختلفون عليك من حب وود وتقدير وإكبار. 

أما الشائنون والمبغضون فأولئك من معسكر آخر لا تمت إليه بصلة ولا وشيجة، ومن أجل هذا اخترت هذا العنوان لك، والذي مثل خط حياتك الطويل، وجهادك العظيم.

كبش الكتيبة

وكما يقول الشاعر العربي بلسان حالك 

وإذا تكون كريهة أدعي لها

                                     وإذا يُحاس الحيس يُدعى جندب

ولو أنك لم ترض أن تكون كبش الكتيبة المذبوح في النزال، لما اختلف عليك اثنان ولآب الجميع إليك مذعنين، مقرين بفضلك، تلاميذ في مدرستك، لا يقارعونك الأستاذية، ولا يتصدى أحد منهم لتجاوز حده بين يديك، ولكن هذه طبيعة الحياة، وسنة العمل، فلا يمكن لأحد أن يعمل ويرضي جميع العاملين معه، ولكل مجتهد نصيب.

في أجواء الخلاف المحمومة، وفي صراع الآراء كنت تنأى عن الجزئيات، لأن الموقف الحاسم الذي كنت تقدم عليه استجابة لرغبة إخوانك، وأنت غير مضطر إليه ولا محتاج له هو الذي يكون موطن الاختلاف عليك، قد يختلف إخوانك معك في الموقف، لكن لا يختلفون أبدًا في الباعث إلى الموقف، وقد يجر عليك هذا الموقف الكثير من النقد، لكنك لم تكن تبالي أبدًا بذلك، وكنت توظف جاهك وسمعتك لخدمة إخوانك، وتكون أنت الدريئة التي تتلقى السهام كلها، ولطالما ضحيت بجاهك وضحيت بسمعتك، وضحيت بموقفك، وضحيت باستقرارك وهنائك من أجل إخوانك جميعًا أو من أجل بعض إخوانك.

سيدي فضيلة الشيخ أبا زاهد.. إن موطن النقد فيك عند ناقديك هو موطن الإكبار فيك وموطن الإعجاب بك، فغيرك يقدم على هذه المواقف طمعًا في الجاه، بينما كنت تقدم عليها تضحية في الجاه، وقد أعطاك الله تعالى من عز العلم والعلماء ما تستغني به عن إخوانك جميعًا، محبيك ومخالفيك، فتأتي بهذا العز أمام ما تراه مصلحة لمن حولك، تنفق عليه من حسابك الشخصي في مثوبة الله ورضوانه، ونصرة لحق تراه حينًا، ودرءًا لبلاء تراه حينًا آخر، وقد يختلف إخوانك معك في تقدير هذه المصلحة، لكنهم لا يختلفون أبدًا في تقديرك.

وقد يبلغ الأمر مرحلة المفارقة الكاملة معك في الموقف، لكنه يبلغ كذلك مرحلة الاحترام الكامل لك فيه، فسبحان من جعل موقع مخالفتك موقع تقديرك حتى عند من خالفك، ومن جعل موطن نقدك موطن إكبارك عند ناقديك؟ 

وحين نتجاوز هذه الساحة الصعبة، ساحة كبش الفداء، وساحة الموقف للغير لا للذات، ننتقل إلى ساحة أفسح وأرحب، هي ساحة الإجماع على مآثرك، وساحة الاتفاق على فضلك، ولئن لم ندرك نحن المدى الأرحب لعلمك، فلقد طبقت شهرتك العلمية الآفاق في العالم العربي والإسلامي، وبك صرنا نعرف ونشرف حين يُذكر أن هذا العالم العظيم هو في الوقت نفسه رائد من رواد الحركة الإسلامية في سوريا، وقائد من قادتها، لقد أسلست لك سوريا القياد حين وضعتك رأسًا لعلمائها، وأسلست لك المواقع العلمية في الأرض الإسلامية القياد حين اختارتك لتنال أعلى أوسمتها، وإنا لنرجو الله العلي القدير، ونضرع إليه سبحانه أن يعطيك هذه السيادة في الآخرة، مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، كما أعطاكها في الدنيا، وأن تكون عنده جل وعلا كما أنت في الدنيا وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين. 

وإذا كان الخلق هم ألسنة الحق، وصالحوهم هم شهداء الله في أرضه، فإنا لنستبشر لك بما عند ربك، وبما لك عند سادة الدنيا أهل العلم فيها وأهل الفضل وأهل الذكر، الذين يعرفون التاج الذي توجته بعلمك، والهم الذي تهتمه بإخوانك وأصحابك. 

لقد كنت لإخوانك ولم تكن لذاتك، وضحيت بذاتك من أجلهم، وأرق جنبك معاناتهم سجنًا وتشريدًا وشهادة، فالله نسأل أن يجزيك خير ما جزى عالمًا عن أمته، إنه أكرم مسؤول.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل