; رحل العسال .. الرجل والعبقري الحكيم | مجلة المجتمع

العنوان رحل العسال .. الرجل والعبقري الحكيم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010

مشاهدات 75

نشر في العدد 1912

نشر في الصفحة 35

السبت 24-يوليو-2010

أخيرًا قضى الله أمره برحيل الرجل عن الحياة، وبلغ الكتاب أجله بنفاد الأجل وانقضاء العمر، وهذا سبيل كل حي ونهاية كل إنسان ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ (الرعد).

وأخيرًا انطفأ الشهاب المضيء المبهر، وخبت الشعلة المتقدة، وغاب النجم الساطع، وتوارت الحكمة الرشيدة، وسكت الصوت الذي كان دائمًا يهدي الحائرين، ويرشد الضالين، ويسدد السائرين إلى الطريق القويم، أجل مات المجاهد العالم الداعية المربي أحمد العسال عن ٨٣ عامًا قضاها في الدعوة إلى الله، وقطعها في جلاد ونزال لا يهدأ ولا يلين مع محاربي الإسلام ومعاندي الدعوة إلى الله تعالى.

يا خادم الإسلام أجر مجاهد *** في الله خلد ومن رضوان

وجدانك الحي المقيم على المدى *** والرب حي ميت الوجدان

يا طاهر الغدوات والروحات *** والخطوات والإسرار والإعلان

علمت شبان المدائن والقرى *** كيف الحياة تكون في الشبان

نشأ أحمد العسال زرعًا طبيعيًا ناضرًا عبقًا فواحًا، في بيئة سليمة، تحمل مواصفات الصدق والصفاء والإخلاص والحب والإيمان، حيث كان مولده بقرية الفرستق مركز بسيون بمحافظة الغربية، وحرص والده على تحفيظه القرآن في سن مبكرة، فأتم حفظ القرآن كاملا في سن العاشرة والنصف، وأثناء حفظه للقرآن حصل على الشهادة الابتدائية، ثم ألحقه والده بالمعهد الديني بطنطا ليرتشف من رحيق القرآن العلم النافع، الذي يربي الرجولة الحقة، ويزرع الإيمان في القلوب العطشى لليقين، وصدق «إقبال» إذ يقول:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان *** ولا دنيا لمن لم يحيي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين *** فقد جعل الفناء لها قرينا

وشاء الله أن يقيض د. العسال الرفقة الطيبة، فتزامل هو ود. القرضاوي في الدراسة في المعهد الديني، وتوافقت الأرواح وهي جنود مجندة، على العمل للإسلام، وصدقت في توجهها؛ فساق الله هذه الظروف الطيبة التي ألحقتها بدعوة الإسلام العظيمة في العصر الحديث، وهي دعوة الإخوان المسلمين.

يقول القرضاوي في مذكراته «ابن القرية والكتاب»: «من قرأ تلك المذكرات وجد أكثر الأسماء فيها بإطلاق هو اسم أحمد العسال، لأنه رفيق الدرب، وصديق العمر، وشقيق الروح، وأخو الدعوة والصاحب بالجنب في الدراسة والمحنة والوظيفة منذ نحو ثلثي قرن ٦٥ عامًا أو يزيد، حين كنا في مقتبل العمر، وفي نضرة الشباب».

ربيب المحن والمعتقلات

كان لا بد أن تبحث الأنظمة الفاسدة والقيادات الخربة عن خلاصة الأمة وعن تبعها الصالح، لا لتكرمهم.. ولكن لتودعهم السجون والمعتقلات، ولتحجبهم عن المجتمع؛ حتى يستمر الفساد والمفسدون، وينتشر الخراب والمخربون، ولهذا كان الشباب الناهض في الأمة يقبع في ظلمات السجون، ونال العسال من هذا هو وزميله القرضاوي الشيء الكثير، فزارا السجون والمعتقلات جميعها من السجن الحربي والطور وغيرهما من السجون العامة والخاصة في الأقاليم.

ومن الغريب أن العسال وزملاءه من الشباب الناهض تحملوا كل هذا العنت والظلم، وخرجوا منها أبطالًا وعباقرة وقادة للثقافة في العالم العربي والإسلامي، رغم أن خصمهم في ذلك كان دولة بل دول، وكانت تحظر عليهم الوظائف والمناصب، في دولهم، ورغم ذلك يحصلون على الدكتوراه، وتتخطفهم المراكز العلمية في العالم؛ لمكانتهم ونبوغهم وتفوقهم في كل شيء، فترى العسال تمتد همته - وهو طالب - بالمطالبة بقانون لإصلاح الأزهر، ثم بعد ذلك شارك هو ومجموعة من زملائه المطاردين والملاحقين مثل القرضاوي، وعلي عبد الحليم محمود، ومحمد المطراوي، ومحمد الراوي، وصلاح أبو إسماعيل، ومحمد الصفطاوي.. وغيرهم، في إنشاء لجنة «البعث الأزهري» التي قضي عليها فيما بعد لاعتقال أفرادها.

ثم لما لاحقت العسال وزملاءه الاعتقالات فروا إلى السعودية؛ فتلقفته جامعاتها، ورأس العسال قسم الدعوة في كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود عام ١٩٨٤م، ثم اختير ليكون نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية العالمية، ثم رئيسًا لها، ثم مستشارًا لجامعات اتحاد العالم الإسلامي، هذا رغم المهام الكثيرة التي كان يشغلها ويشرف عليها مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والهيئة الإسلامية العالمية، هذا عدا الإشراف على تربية 5 آلاف طالب وتربيتهم ورعايتهم رعاية لصيقة، من شتى بقاع العالم، وغير ذلك الكثير من المهام، كل هذا رغم كلفة الدعوة إلى الله وعشقه لها وتضحيته في سبيلها، وطاعته وهو القمة لرؤسائها، حتى قال فيه مرشد الإخوان عمر التلمساني: «الدكتور العسال رجل يمثل نموذجًا للشخصية المسلمة المخلصة القادرة على التأثير بسلوكها في الآخرين، متفائلًا دائمًا، شديد التأثر بالقرآن الكريم، عميقًا في إسلامه، صلبًا في مصريته، وعالميًا في أفقه».

كان الرجل يتسم بالوعي المتيقظ، والذكاء الوقاد، وكانت الحكمة تهيمن على تصرفاته، وكان من أقواله: «اللبيب من تغافل لا من غفل»، ورغم ذلك كان وقّافًا عند الحق لا يكتمه، وكان يتمثل بقول القائل: «من كتم داء قتله»، وكان مغرمًا بمعرفة الناس وحل مشكلاتهم؛ متمثلًا قول أبي هريرة: «رأس العقل بعد الإيمان، التودد إلى الناس».

وارتبط العسال برموز الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي، وكان له المنزلة العالية عندهم وكان الرجل بمعرفته الواسعة وعقله الراجح شاهدًا على عصره، وجزءًا من تاريخ أمته، ورمزا كبيرًا وعظيمًا من رموز الحركة الإسلامية، بل كان صانع الكثير من المواقف والأحداث، كما كان جزءًا من التاريخ الفكري والدعوي لأحوال الأمة وتاريخها المعاصر.

وكان يرحمه الله رغم ذلك قمة في التربية وفي سلوكه وصبره وهدونه وتواضعه وخلقه.

فالمجد والشرف العظيم صحيفة *** جعلت لها الأخلاق كالعنوان

أخي أحمد، لقد هبّ الجميع جزعًا لموتك وحزنًا لفراقك، وهيمن جلال الموت وجلال ذكراك على مواقف الجميع وعلى قلوبهم، ولكنها إرادة الله وقضاؤه.

ومشى جلال الموت وهو حقيقته *** وجلالك المصدوق يلتقيان

والخلق حولك خاشعون كعهدهم *** إذ ينصتون لخطبة وبيان

في ذمة الله الكريم وبره *** ما ضم من عرف ومن إحسان

يا صب دعوة وشهيد غرامها *** هذا رضا رحمن فنم بأمان

وسلام عليك يوم ولدت يا أحمد ويوم مت ويوم تبعث حيا.

الرابط المختصر :