; المجتمع الثقافي (1458) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1458)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1458

نشر في الصفحة 48

السبت 07-يوليو-2001

قصة قصيرة 

رحلت صغيرتي 

كانت الشمس محجوبة بغبار أصفر.. والطرق مسدودة بالصبات الخرسانية بمشقة وصلت المشفى الذي يغص بالناس... مرضى ومرافقين والمصابين كل يوم وسيارات الإسعاف أمام المداخل الخارجية لبوابات المشفى.. قبل أن أقترب من الاستقبال رأيتهم جميعًا ينتظرونني... شعرت بمثل ما كنت أشعر في المغربيات التي أستيقظ بها من الحصبة... وشعرت للحظات بثقل قدمي وبركبتي تخوران وتعجزان عن حملي... نظروا إليّ واللون الأصفر يعلو وجوههم ويعلو كل شيء ويصعد إلى السماء...

تقدم الطبيب بهدوء وخلفه آخرون أو هالة من الصفار «لم أكن أرى الغبار يملأ عيني» كان يتمتم بكلام ويتأوه لم أسمعه جيدًا، كان الصفير الحاد يضج في أذني «أه... كبدي» وضعت يدي عليها كان ما لمسته حارًا يكوي أصابعي.. شعرت بها تنفطر.. قطعًا صغيرة.. غير مرتبة.. منفرثة...

عندما أدخلني الغرفة... رأيتها.. هناك.. مسجاة على السرير بلا غطاء.. وحول رأسها عصابة بيضاء.. أحسست بكبدي المنفرثة توطأ بقدم ثقيلة شعرت بذلك مرات عديدة وكأنه لا نهاية له..كفاها الصغيران.. ملقيان هكذا فقط إلى جانبها، كانت لا تكف عن الحركة حتى أثناء نومها.. وجهها الجميل.. فمها الصغير فمها مفتوح، وكأنها على وشك الحديث.. أمسكت بكفها الصغير كان باردًا قليلًا «لقد تركت دون غطاء» طـلـبـت مـنـهـم أن يحضروا لها غطاء بسرعة.. كانت العصابة الطبية حول رأسها تغطي كل شعرها الذي أربيه لكي أعمله لها ضفيرتين أو ذيل حصان...

ليتها تستيقظ الآن لتلعب قليلًا الاختباء أو أي لعبة تريد ربما هي متعبة وتفضل أن أحكي لها حكاية سنعيد ترتيب غرفتها وسنقوم معًا بتحميم الديناصور الصغير مع أمه، وسنذهب كل يوم لبستان جدو ونجمع الفراش والدود الأخضر، لدينا الكثير من الأعمال الرائعة سنقوم بها، لن يكون لدينا غيرها، لن أشغل عنها بأي شيء ولا حتى بإعداد شوربة العدس لجيراني المصابين بالقصف، ولن أذهب لمجالسة أسر الشهداء والجرحى أو لمواساتهم «سأصنع وقتًا لك»...

علت الأصوات خلفي.. «بأنها لم تتألم كثيرًا وهذه رحمة من الله نظرًا لإصابتها الخطيرة... وإنه هنيئًا لي فهي شهيدة وستشفع لي يوم القيامة وفي سبعين من أهلها».. كانوا جميعًا يتكلمون دفعة واحدة بما يشبه الهذيان وبعضهم يردد منذ دخلت «الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر»...

احتضنتها شعرت بها.. تلمس قلبي الفارغ... لم أشعر بذراعيها الصغيرين الطريين يتلفان حول عنقي... لم تحاول أن تلمس بيدها كتفي... ولما سمع صوت تنفسها الهادئ الرتيب، لم أشعر بنفسها الحار قرب أذني.. أه كان وجهها جامدًا.. وهي لا تتحرك أبدًا..

هل ذهبت هكذا.. كيف رحلت؟.. كيف ذهبت هذه الروح.. كيف استطاعت مغادرة هذا الجسد الطاهر بأي قوة.. بينما تسكن أجسادًا مثقلة بالذنوب والأنام بدون أن تتململ من ذلك... هل رحلت حقًّا هكذا بسرعة... قبل أن تذهب للمدرسة وقبل أن تركب الباص لقد «وعدتها بذلك»... قبل أن يكون لها معلمة تفضلها عن غيرها ولن يتسنى لي سؤالها بعد الآن أي زميلاتك الأحب لديك...

يبدو حقيقيًّا ما يقولونه... إنها شهيدة... تطير في عليين الآن إن ما أمامي فقط جثتها، أما روحها الجميلة تطلق هناك في عدن، أه نعم... لا بأس بذلك.. إن ما عليّ الآن أن أعيش بعدها ... من دونها.. وأرى قتلتها أمام عيني يستمتعون بكل نفس حرموها منه هي أحق به منهم.. أراهم يقبلون أطفالهم.. يوصلونهم للمدرسة يستقبلونهم منها.. ويسألونهم ماذا درسوا اليوم، بينما حرموني من كل ذلك. أعيش فقط لأتحسس مكان قلبي الفارغ.

منيرة سالم الأزيمع- كاتبة سعودية

 

البعد الديني من تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

  • قناة لنشر الإسلام.. ومعهد لتخريج البديل الحسن للمستشرق

د. فتح الله نوار (*)

أفرد علماء الأصول مباحث نفيسة للغة العربية ودلالاتها باعتبارها الوعاء اللغوي للقرآن الذي صانها وكتب لها الخلود، فهي أقدم لغة حية في العالم لم يطرأ على كيانها التبديل والتغيير، وهي وسيلة طيعة لفهم الشريعة وأحكام الدين وقناة تنطوي على معاني الإسلام وقيمه الروحية وبمفردات تلمس القلب وتحركه ليتذوق حلاوة الإيمان وشفافية الروح وطهارة العبودية، كما أنها في آن واحد وعاء تراث الأمة، ومنبر لعرض الحضارة الإسلامية، ومعهد لتخريج البديل الحسن للمستشرقين الذين احتكروا هذه اللغة في بلاد الغرب عقودًا طويلة، بل تجاوز تأثيرهم ليرسم الخطوط العريضة لبعض المفكرين والأدباء من البلاد العربية، الذين سخروا أقلامهم في وقت مضى لتشويه تلك الصورة الناصعة لروح الإسلام وتعاليمه النقية، وهي في الوقت نفسه الموصل الجيد لحقائق الإسلام، كما أنها ليست لغة دين وحضارة فحسب، بل هي لغة اتصال عالمي كذلك.

ولقد منح الله تعالى المسلمين هذه اللغة كشعيرة من شعائر الإسلام ليتحقق التفاهم والترابط بينهم في أنحاء الأرض؛ فهي تعمل على كسر الحواجز الإقليمية بين الأمم وعوامل التباين بين الشعوب لتقيم صرحًا من التفاهم والتلاحم ينعكس إيجابًا على ارتقاء الحضارة الإنسانية مع إقامة روح التفاهم والتعارف، كما تكمن في جوهرها القيم الروحية، التي يتشبع بها المسلم كلما ارتقى في سلم الإيمان، كما تعمل على نشر روح الألفة والمودة والأخوة التي تربط بين قلوب المسلمين برباط وثيق، وبالتالي، فإن التقصير في نشرها إضعاف للدعوة الإسلامية وتمكين لثقافة الإقصاء والتذويب من تحقيق مراميها.

وفي تراثنا الإسلامي، نجد نصوصًا حافلة بما يدعم البعد الديني لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ ففي الموافقات للشاطبي «إن هذه الشريعة المباركة عربية، فمن أراد تفهمها فمن جهة لسان العرب يفهم»، وهذا الفاروق يقول: «تعلموا العربية فإنها من دينكم»، ومن بعده الشافعي يقول: «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده»، وابن تيمية: «فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، أما فقيه اللغة د. إبراهيم أنيس، فإنه يقول: «تعليم العربية فرض عين القادرين على ذلك وفرض كفاية على الجميع».

ولا شك أن هذه النصوص مجتمعة مثلت الأمة عبر عصورها المتتالية، لنتبين الوحدة الفكرية للأمة في وجوب قيام مؤسسات تعمل على تعليم غير الناطقين بالعربية من أبناء أمتنا الإسلامية وتربيتهم، ليكونوا دعمًا لإخوانهم المسلمين الناطقين بالعربية، ولنفتح المجال ليتعمق البعض من هؤلاء، وليعيد التاريخ الإسلامي نفسه لتبرز على الساحة أسماء أعجمية بروح إسلامية متوقدة، وتحمل المشعل من جديد، ولتبرع في علوم شتى وتحيي سيرة السلف الصالح يوم كان لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والسيرة العطرة، والعلم الزاخر.

ونشير هنا إلى أن المستشرقين لو توافر لبعضهم المجال المنضبط بالقيم الإسلامية أثناء تعلمهم اللغة العربية، لكان حالهم غير ما ترى الآن ولما سخّروا أقلامهم لنفث السموم وقلب الحقائق وتضليل الناس.

ولعل بعض العاملين في حقل الدعوة الإسلامية من أبناء أمتنا المباركة، ومن الذين ينحدرون من أصول غير عربية، يقتصرون على توظيف اللغة الأم في الخطاب الدعوي، أي اللغة التي ينتمون إلى موطنها، ويتقاسمون مع أهلها ما لهم وما عليهم ورغم تفاؤلنا بأن مقولة: عجمة اللسان تقود إلى عجمة القلب والفكر لا تنطبق عليهم، إلا أن اقتصارهم على الترجمة يفقد العطاء الدعوي بريقه، ذلك أن الترجمة مهما كانت دقيقة ومعبرة، لا يمكن أن تعطي الصورة الصحيحة الدقيقة لمدلولات الألفاظ في لغة أخرى، وهذا لا ينفي قبول المترجمات ابتداء لتقود إلى ما بعدها، لكونها تغري بالبحث والمتابعة، وتقود المسلم إلى تعرف الإسلام من منابعه الأولى.

ولتحقيق الأهداف المرجوة من وراء هذه العملية التعليمية، يتطلب الاهتمام باللغة العربية في صورتها الحديثة مع مراعاة ألفاظ الثقافة الإسلامية، والاستفادة من الدراسات العالمية في تعليم اللغات لغير أهلها كما أن نشرها يحتاج إلى جهود أسرية وتعليمية وإعلامية ودعوية متكاثفة.

إن المحتوى من المادة اللغوية المستخدمة في تعليم غير الناطقين بالعربية يجب أن يكون قائمًا على أساس اهتماماتهم من جهة، ومرتبطًا بالحياة اليومية وتعاملاتها من جهة أخرى، ومرتبطًا في جزء منها أيضًا بالثقافة الإسلامية من جهة ثالثة ليفيد ذلك في تحقيق الطبيعة الوظيفية للغة بوصفها وسيط اتصال وأداة تفكير، فمن الخطأ الفادح، أن نصب قوالب تعليمية مستوردة من البلاد العربية شكلًا ومضمونًا، ونحاول من خلالها، تدريب الناشئة من غير العرب على كسب مهارات اللغة العربية.

فاللغة كائن حي يقوى بقوة الأمة، ويضعف بضعفها، ولتمكينها من قلوب أبنائها في هذه الديار، فلا بد حينئذ من صياغة تصور جديد ونظرية مستقبلية في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، لنتفادى ما آلت إليه تجارب سابقة في هذه الديار، دفعت بغير الناطقين بالعربية إلى النفور منها والإحباط من تحصيلها، والمجال مفتوح لإثراء والدراسة والتعقيب. 

(*) رئيس جمعية القلم- المجر 

تهافت العقل المحض 

في إدراك ما وراء الزمان والمكان 

محمود الكسواني

كثرت مع مطلع الثمانينيات، الأبحاث والدراسات القومية والإسلامية على حد سواء، والتي تعنى بالعقل العربي أو الإسلامي، أو ما يعرف بنقد العقل العربي، أو ما يسمى بالعقل الديني، وقد توهم المحللون العقلانيون في تلك الدراسات أن العقل وحده سبب سعادتنا، أو شقوتنا، فانكبوا على دراسته وتحليله ونقده وتوجيه اللوم له، باعتباره المصاب الوحيد الذي إن تم إخضاعه للنقد والسبر والتمحيص، يمكن المحلل من تشخيص دائه وبالتالي وضع العلاج الملائم له.

وقد انحرف كثير من الإسلاميين المخلصين وراء مقولة العقل والعقلانية حتى جردوا الإنسان من مقوماته الأخرى وأحالوا تلك المقومات إلى عقل محض لا يرقى الإنسان إلا من خلاله ولا ينهض إلا به وحده.

على كل حال فإن الأمل يحدونا ألا يفهم القارئ من خلال طرح الإشكالية على النحو السابق، أننا نهمل هذا المقوم العملاق من مقومات الإنسان، الذي ما من آية من القرآن الكريم ذكرته أو أشارت إليه إلا مدحته وذمت الناكب عن دربه، فالعقل هو الميزة الوحيدة التي تفصل بين الإنسان وغيره من الكائنات الحية، ولكن المعطيات العلمية المنبثقة عن الطريقة العقلية في التفكير تؤكد أن العقل وحده لن يتمكن من بعث النهضة المنشودة والإصلاح المأمول ما لم تعط مقومات الإنسان الأخرى حقها من السبر والنقد والاهتمام، والعقل نفسه، كذلك يحتم علينا التحرر من دائرته المحضة، ويعرف عن نفسه بأنه أداة أساسية وليست وحيدة للنهوض، وأن مقومات النهضة هي مقومات الإنسان نفسه، والتي يشكل العقل جزءًا منها؛ فالنقد لا يؤتي ثماره المرجوة بمنح الحصانة الكاملة للعقل المحض أو تتويجه حاكمًا ديكتاتوريًّا أو إلهًا لا يُسأل عما يفعل، وبخاصة أن معظم طروحات العقلانيين تجند العقل كخصم للوحي، حتى الذين جعلوه خصمًا للأفهام البشرية، ومنهم بعض المجتهدين، توهموا حربًا أو عداوة ما بين العقل والوحي، أو أظهروا الأمر - دون أن يشعروا - فيما يبدو، على أن هناك فجوة بين العقل والوحي، وبقي السؤال الذي لا يمكن التهرب منه، أنه لو كان العقل هو المرجع الأساس والوحيد للنهوض والإصلاح، فما الحكمة من الوحي والرسالات؟ وبعبارة أخرى: لو كان مفهوم العقل واحدًا فلماذا اختلف الناس وما زالوا يختلفون في تعريفه على الأقل؟ ناهيك عن محاولات سبره وتحليله وتعميم فهمه؟ فهناك عقل أفلاطون وعقل أرسطو وعقل أفلوطين وعقل الخوارج وعقل الحشوية والجبرية والإمامية وعقل المعتزلة والأشاعرة، وعقل ابن سينا، والفارابي في الشرق الإسلامي، وعقل ابن باجة وعقل ابن طفيل، وابن رشد في الغرب الإسلامي، وحتى عصرنا الحالي، ما زالت عقول الفلاسفة الغربيين والشرقيين تبدع تعريفات جديدة لهذا المبدَع المبدِع.

وليس من بدع القول أن نكرر ما يشهد به الواقع، من أن الركون إلى العقل كحكم وحيد، هو الذي مزق المسلمين إلى فرق ومذاهب يكفر بعضها بعضًا؛ لأن الوحي لا يظهر دوره بشكل واضح إلا لحظة وجود الاختلاف بين الناس، أي لحظة تدخل عقلي وعقلك وعقل فلان ورأي فلان ورأي فلانة، وقبل ذلك فإن حكم العقل يكون مطابقًا للشرع؛ فالكل يدرك عقلًا أن النار تحرق، والمطر يسقي الزرع، والشمس أكبر من القمر، وسائر الظواهر الطبيعية. ولكن الاختلاف في فهم الظواهر غير الطبيعية وبخاصة الاجتماعية، وتعميم النظام الصالح للناس، كل الناس لا مرجع آمن له سوى الوحي: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (النساء: 59).

ولا بأس بعد ذلك بالاختلاف الكيفي، لأن النظام كفكرة وطريقة هو شغل الوحي، أما النظام ككيف ووسيلة فللعقل الشوري، وهو ما أشار إليه الوحي ونبه عليه ومدحه، وجعله أصلًا من أصول النظام الاجتماعي ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى: 38)، أي وسائل وأساليب تنفيذ الفكرة والطريقة. فالفكرة الإسلامية على سبيل المثال هي التوحيد، توحيد الخالق وتنزيه صفاته والاطمئنان إلى مفارقتها ومخالفتها لصفات المخلوق، وأما الطريقة أو تفسير الفكرة فهو أن الله تعالى لا يكّلف نفسًا إلا وسعها، فالله حكيم عدل حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرمًا.

فالعدل هو الطريقة الوحيدة التي ارتضاها الله عز وجل لتفسير التوحيد، وعليه فإن النظام الاجتماعي الإسلامي يتميز بالعدل، فلا تكليف للناس إلا بقدر استطاعتهم، العقلية والبدنية، أي التفكير والعمل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا... الحديث».

 أي لا تظلموا أنفسكم بظلمكم لبعضكم البعض، فمن ظلم غيره كأنما ظلم نفسه، حيث كلفها ما لا يطاق من التأمل والعمل، فكان الحكم بغير ما أنزل الله، ظلمًا للحاكم والمحكوم، لأنها تكليف بما لا يُطاق، والباري تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

وما نشوء الفرقة والتمزق بين المسلمين عبر التاريخ الإسلامي، إلا بسبب البحث عن حقيقة الذات الإلهية وكيفيتها بما لا يحتمله العقل البشري المحدود، فيأتي الوحي لتخليص الناس من الظنون والأوهام والتأمل المحض ويضع البديل الأمن الذي يوافق محدودية العقل ويوافق مطلق العلم البشري.

ولكي يكون فهم الإنسان، مبنيًا على أسس علمية سليمة، لا بد أن ينظر لهذا المخلوق المتفرد على أنه نظام واحد، يعمل بأجهزة متعددة، وبعبارة أصح، بقوى متعددة متماسكة متناسقة، وبغير هذه النظرة، يبقى القصور غالبًا على المفاهيم المطروحة.

نعم، لا بد أن يدرك الإنسان نفسه قبل أن يدرك ما حوله، فمن لا يعرف نفسه لا يعرف الكون الذي يعيش فيه ولا يلمس قيمة الحياة التي يحياها، ولكن أي اختزال لجزء من مقومات الإنسان أثناء محاولة فهم الإنسان لنفسه، حتمًا سيكون فهمًا قاصرًا ومشوهًا، وسواء كانت النظرة للإنسان على أنه عقل محض أو أنه نفس محض، أو روح محض، أو غريزة محضة، فإن النتيجة واحدة، وهي قصور الفهم وتشوهه، فالإنسان كل ذلك معًا، وبتناسق تام، وأيضًا يظل الإنسان أكبر من ذلك، وخاصة فيما اصطلح عليه بالمشاعر، وما طوته الجينات الوراثية من مفاجآت غير متوقعة؛ لأنها غير معقولة، فهي قبل أن تظهر تكون كامنة في أعماق الإنسان تحسبها هامدة وهي تمر مر السحاب، فإذا ما آن أوانها غير المدرك أيضًا، قامت وقلبت كل أبحاثنا العقلانية رأسًا على عقب؛ لأنها قوة من قوى الإنسان لم ينتبه إليها العقلانيون الخلص في تحليلاتهم، فكانت مقبرة لمعظم أبحاثهم.

فالإنسان عقل ووجدان إذا صح التعبير وطاقة مدرك بعضها وكثير منها ما زال في مهده، وعلى هذا الأساس يمكن أن يسبر الإنسان، أما بتجريده من أشيائه على حساب أشياء كالعقل مثلاً فهو ظلم ما بعده ظلم، ولو كان زمام المبادرة المنطق وحده لكان أرسطو نهاية المطاف ومنطقه هو المحك، فلماذا جاء الوحي بعد أرسطو على لسان عيسى ومحمد عليهما الصلوات والسلام؟! أليس هذا دليلًا على أن الحكم الأول للناس هو الوحي وحده..؟

ولعل أهم ما يحد من قدرة العقل البشري ويبرهن على محدودية قدرته ويدلل على أن هذه القدرة موهوبة وممنوحة للإنسان من خالقه، أن هذه القدرة العقلية لا تعمل ولا تبدع إلا وفق الزمان والمكان، فالإنسان مخلوق ضمن زمان معين لم يختره بنفسه، ويتحرك إراديًّا ضمن مكان معين لا يملك النفاذ منه وهو هنا المجرة التي وجد فيها والتي تشكل الأرض جزءًا هامًا منها، لأنها منبته الأول، ومنها يستمد علمه ومعلوماته.

وبناء عليه، فإن العقل البشري لا يبرهن إلا على زمانه ومكانه، أي على بيئته التي يحيا فيها، وأن تطوره العلمي محدود كذلك بتلك البيئة، وأي تجرؤ من قبل العقل على ما وراء البيئة، سيكون تخيلًا محضًا، وإن أصاب بعض الحقائق، فلا تتجاوز تلك الحقائق غرفة ماء من بحر، والأدهى من ذلك أن الإنسان لن يتمكن من التعبير عن نتائج أبحاثه فيما تراء الزمان والمكان إلا بلغة ولسان تشكلا ضمن حدود الزمان والمكان الأرضيين، وهذا التعبير مهما كان متطورًا سيبقى قاصرًا عن إظهار وبيان المعنى والحقيقي لما وراء الزمان والمكان، فكان لا بد من الوحي والأنبياء لبناء التصور السليم بلغة سليمة تكون أقرب اللغات لبيان المعنى الحقيقي لما وراء الزمان والمكان، ولعل لسان العربية كان وما زال وسيظل أقرب الألسنة البشرية لإبانة المعنى الحقيقي لما وراء الزمان والمكان، فكان أن اختاره الله سبحانه وتعالى لبيان مراده: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف:2)، مما يمهد لبحث آخر حول عقلانية اللسان العربي، لا مجال له ضمن هذا البحث.

نخلص مما مضى إلى حقيقتين:

الأولى: أن العقل البشري المحض، له قدرة مبدعة على فهم حقائق الأشياء والأحداث الواقعة ضمن الزمان والمكان؛ لأنهما يعملان مع الإنسان ومن أجله يتحركان لحركته، وكذلك الإنسان، يتحرك ضمن حركتهما وقد أودع القدرة على تطويع ما سخر له وأن جميع علومه المكتسبة ستكون مطابقة لعلوم الزمان والمكان، والنتيجة المستفادة من هذه الحقيقة هي إيجابية العقل البشري في هذا المجال، وعدم محدودية إبداعه في هذا النطاق؛ فالعقل البشري بمثابة عاقل ومعقول حاكم ومحكوم، أعني حاكم على الأشياء والأحداث ومبدع لها، ومحكوم للزمان وللمكان.

أما الحقيقة الثانية: فإن أي خروج للتأمل والنظر (العقل) عن المعقولات وهي كل ما انطوى تحت الزمان والمكان، هو خروج تخيلي فرضي واهم لا محالة، فإذا ثبت للعقل أن ما وراء الزمان والمكان غير معقول بالنظر المباشر، وجب على ذوي الألباب، إدراك ما وراء الزمان والمكان من مصدر آخر غير العقل الزماني والمكاني ولا مصدر بهذا الشأن سوى الوحي والرسالات والنبوة وليس العقل ولا رؤى النوم والإلهامات النفسية والتصوف بمجيبة عما وراء الزمان والمكان دون سند معرفي من خالق الزمان والمكان.

وبناء على الحقيقتين السابقتين، فإن دلائل النبوة نوعان: نوع خارق للمعارف الأولية (الحسية) كإحياء الموتى، وفلق البحر، وشفاء المرضى، ونوع خارق للعقول، بمعنى أن العقول تستسلم له وتقبل به مذعنة وهو الإتيان بنظام اجتماعي صالح، وهذا النوع أرقى أنواع الأدلة، لأنه يحمل تكريمًا للنوع البشري أولًا، ولأن صلاحه لا يقف عند قوم معينين ولا لأزمنة وأماكن معينة، فكان أن ختم به الله عز وجل جميع الرسالات والنبوات، وأجاب من خلال الرسالة الموحى بها عن عالم ما وراء الزمان والمكان إجابة كافية شافية، لا مجال للعقل البشري لمفارقتها ومخالفتها، ودوره ينحصر بفهمها وفق أحكام اللسان العربي.

**********************

اللهم لا تحرمنا العقل والقلب معًا

قيل لأحدهم في برنامج متلفز قد كنت مناضلًا وثائرًا في شبابك، وذقت ما ذقت في سبيل أفكارك، فأجاب سيادته قائلًا:

عندما كنت شابًا كان لي قلب أما عندما كبرت فأصبح لي عقل، وما ندمت على مرحلة القلب السابقة، كما أنني غير نادم على مرحلة العقل التي أعيشها، ويبدو أن كثيرين من هؤلاء عاشوا إما بقلوبهم فقط أيام شبابهم حتى إذا ما وجدوا أن تلك العواطف المهتاجة لم تؤدبهم إلى ما كانوا يريدون «تعقلوا» أي أصبحوا ذوي عقول تنأى بهم عن مغامرات ذوي القلوب.

وهذه مأساة كثيرين من هذا الصنف أنهم يبدؤون بالعواطف غير المعقولة لينتهوا إلى العقول غير المعطوفة إلى روح وعاطفة. 

لذلك كان أولًا ثائرًا مناضلًا، وأصبح الآن واقعيًّا، مستسلمًا، فالعاطفة دفعتهم إلى المعاناة والحرمان والتضحية في سبيل مبادئ وأفكار غير سليمة ولا معقولة، فلما وجدوا أنفسهم أمام الحقائق الماثلة وأن عواطفهم المهتاجة غير المبنية على مبادئ صحيحة ولا أفكار سليمة قادتهم إلى الإخفاق دب فيهم الفشل فأحيط بهم بالإغراءات المادية والمطالب الدنيوية، والشهوات الأسرية لم يجدوا مندوحة عن الاعتصام بالعقل ويعنون به العقل الذي يفرض عليهم الاستسلام إلى الواقع والاعتراف بالهزيمة والتعايش مع الذل والهوان والإخلاد إلى السلامة والتمتع بالحياة الدنيا والاهتمام بمطالب الأولاد والأحفاد والتعمير وتحويش ما ينفع في الشيخوخة وقبول المهمات والوظائف والتكليفات الرسمية... والعدو قد درس نفسيات هؤلاء فكان الاختراق بهم ومن خلالهم؛ لذلك لا نستغرب أن يصموا ذوي القلوب والعقول معًا بعدم الواقعية وبالتطرف وبالإرهاب وبأعداء السلام، وبالانحراف العاطفي.

 الحمد لله على دعوة الإسلام التي تفرض في أصحابها العقل والقلب معًا المحكومين بميزان الشرع لا فرق بين مرحلة الشباب ومرحلة الكهولة والشيخوخة.

فاللهم أكرمنا بالعقل والروح معًا، وأدم علينا نعمتيهما حتى نلقاك يا رب.

د. عبد السلام الهراس 

لغويات سياسية (1)

«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة، واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء حتى السياسة».

كلم، لكم، ملك، هذه كلمات ثلاث حروفها واحدة، والترتيب مختلف ولكل منها مهمة تؤديها، وواجب تقوم به.

ففي الكلمة إيضاح وتبيين.

وفي اللكمة عدوان أو رد عدوان أو تأديب.

وفي الملكة تمييز بين معنى كل من الكلمة واللكمة ووظيفة كل منهما، والحاجة إلى كل منهما، حسب الظروف والملابسات المحيطة.

فمن فقد الثالثة (الملكة) اختلطت في ذهنه معاني الأشياء ووظائف المفردات.

ها هو ذا أبو زيد البطين، يلقي بالكلمات كأنها الصخور الصم، من بين شفتيه الغليظتين، دون أن يبالي أوقعت الكلمة (الصخرة) على رأس فلان، أو أصابت عين فلان الثاني، أو أدمت نفس فلان الثالث أو قلبه أو كبده! وحين تسأله ما هذا يا أبا زيد؟ ماذا فعلت؟.. يجيبيك ببساطة: يدًا ولا رجلًا لأحد.. لكن يبدو أن بعض الناس -سامحهم الله - ذوو مشاعر رقيقة يؤذيها الكلام..

 ثم يضحك أبو زيد ضحكة مجلجلة، بعد أن برأ نفسه، وأقام الحجة على ذوي المشاعر الرقيقة التي تتأذى بالكلام.

 فلو ملك أبو زيد ملكة التمييز بين «الكلمة» و«اللكمة» لما فرح بحجته التي أقامها، ولذهب إلى بيته خجلان أسفًا، يتصبب عرقًا، إذا لم يتح له الاعتذار ممن أساء إليهم. 

لكن.. أنى لأبي زيد هذه الملكة..

 لم يوهبها ابتداء.. ولم يمنحها إياه نصف قرن عاشه بين الناس. 

ولا يستطيع أحد أن ينصحه بالذهاب إلى مؤدب سليم الطبع والذوق، ليعيد تأديبه الذي تلقاه أيام الطفولة بصورة شائهه، لأن نصيحة له بهذا الأمر، تعد عدوانًا عليه، على فهمه وإدراكه، وعبقريته.. وعليه كله.. وسيرد عليها بقبضة اليد لأن الكلمة في نظره لا تعد رادعًا؛ لذا لا يستعلمها دفاعًا عن نفسه، لأنها مجرد كلمة وصدق رسول الله حين قال: «رب كلمة يقولها الرجل لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا».

عبد الله عيسى السلامة

واحة الشعر

حبل من الناس

شعر: محمد القرني

من أين يا قوم تستجدي المروءات؟!       وقد بدا الوهن فينا والصراعاتُ

وكيف يستجلب النصر المبين لنا؟!      إذا ألمـت بأوطاني الملماتُ

وكيف ينهض مكسور الجناح وقد؟!     تحكمت في قضاياه العصاباتُ

وأمة العرب والإسلام لاهية            ما نبهتها على الأخطار ويلاتُ

ضاعت حقيقة ما يجري فقد فهموا    إن القضية تنهيها الحواراتُ

ولقنوا أن نهج الـسـلـم مـشـرعـة       أبوابه وأضــلــتــهــم دعــايــاتُ

خمسون عامًا ومسرى المصطفى هدف    للعاديات وما تحصى الجراحاتُ

خمسون عامًا ولم نعرف مواقعنا    ولم تحدد لنا يومًا مساراتُ

حينا شام وأحيانًا يمانية       تبدد العمر أعيتنا المتاهاتُ

عدونا يحشد الطاقات مجتهدًا    لشل ما لم تنل منا العداواتُ

وكم سعينا إلى إظهار سوءتنا   وكم تهتك أستار وعوراتُ

هذي الصوافن أرتال معطلة    ما علقت بنواصيهن راياتُ

رماحنا لم تعد سمرًا مثقفة    بل فرغت من خباياها الكناناتُ

لمن تعد جيوش المسلمين إذا     ما كان منها على الأعداء غاراتُ

وألف مليون من أبناء أمتنا    توزعتهم دعايات مضلاتُ

يا ألف مليون أين العذر ويلكم   لما تولت بكم تلك الولاءاتُ

دماء أمتكم عار يجللكم    والقدس والمسجد الأقصى نهاياتُ

إن دُنس المسجد الأقصى فلا بقيت    منكم شعوب ولا عاشت قياداتُ

في كل مؤتمر أصداء ملحمة    ما كان من عيبها إلا القراراتُ 

فتى الحجارة مظلوم يناشدكم   أين الشهامة فيكم والمراءاتُ 

يستقبل الموت وضاء الجبين فيا    بشراه روح وريحان وجناتُ

عدوكم لم يزل في غيه وله    »حبل من الناس» ترخيه «الولاياتُ»

فليقطع الحبل وليحفظ لأمتنا    وقارها ولتصن منها الكراماتُ

هذي الحجارة في أفواههم لهب         ولن يحصنهم درع وخوذاتُ

والنصر والصبر مقرونان ما رفعت     في ساحة الحق والإيمان راياتُ

يا فتية القدس لا كلّت عزائمكم       وبوركت منكم تلك البطولاتُ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم