العنوان رحلة مع كتاب
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
مشاهدات 82
نشر في العدد 498
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
محمد قطب الأب المربي، الكاتب الكبير، هو ممن أغنوا المكتبة الإسلامية بالنتاج الفذ الغزير.
بين دفتي هذا الكتاب حقيقة معنى لا إله إلا الله وصلتها الوثيقة التي لا تنفصل عن الحكم بما أنزل الله.
الأستاذ محمد قطب في كتابه منهج التربية الإسلامية يعطينا الصورة الصادقة الصحيحة لكيفية تكوين المجتمع المسلم.
الذي أسعده الحظ، وذهب لجمعية الإصلاح خلال معرض الكتاب -الذي أقيم خلال شهر رمضان المبارك- رأى أمرًا مفرحًا، رأى كتبًا ومكتبات تتزاحم في صالة المحاضرات، ورأى أكتاف المشترين تتلاصق مع عظم الحاضرين، كل هذا وغيره كثير يجعل الإنسان يعيش في نشوة لهذه الصحوة والإقبال على العلم، ويدعو الله على أثرها أن يعين المشترين على قراءة هذه الكتب، وترجمتها إلى واقع وسلوكيات الحياة، ومساهمة مني في هذا الأمر رأيت أن أعرف جمهور القراء بكتاب لا غنى للقارئ المسلم عنه إن كان والدًا أو والدة، مدرسًا أو مدرسة، داعيًا أو داعية، والمسلم لا يخرج من أحد هذه الأصناف الثلاثة؛ حيث إن هذا الكتاب يتحدث عن أمر خطير، ومجال عظيم، وقضية كبيرة ألا وهي التربية، هذا الكتاب «منهج التربية الإسلامية الجزء الثاني للأستاذ المربي الفاضل محمد قطب، وتأتي أهمية الكتاب من عدة أمور، منها:
اسم المؤلف:
فمن يعرف الأستاذ محمد قطب -حفظه الله، ونفع المسلمين بعلمه- يعرف به المربي من الطراز الأول من حقل الإخوان، وقوة المربي ورصانة رصيده، تعرف بالنظر إلى من تلقوا التربية عن طريقه من حيث عددهم ونوعيتهم، وتأتي قوته كذلك لكونه تلقى التربية على يد أخيه -رحمه الله- سيد قطب، وهذا غني عن التعريف.
كما أنه مارس التربية الأبوية عندما رزقه الله بابنه أسامة، جعله الله من أبناء السعادة، فهو عندما يتكلم كأب ليس غريبًا عن هذه الصفة، ومارس كذلك مهمة المربي في الفصل الدراسي؛ فهو المحاضر والمشرف في قسم الدراسات العليا في جامعة مكة، لهذه الأمور وغيرها تأتي أهمية الكتاب، وستتبين ذلك أخي القارئ عند استعراضك للكتاب وشرائك بعد ذلك لنسخة تجعلها مرجعًا في مكتبك، تسترشد بها وبتوجيهاتها في العملية التربوية التي تمارسها.
الكتاب يقع في ثلاث مائة وتسع وسبعين ورقة من القطع الكبير، ويحوي مقدمة، كيف تربت الجماعة الأولى، موضع القدوة في جماعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مع الطفولة حتى الصبا، من الصبا إلى الشباب الباكر، من الشباب الباكر إلى النضج، مرحلة النضوج.
المقدمة تقع من ص 5 إلى ص 13، ويتحدث الكاتب فيها عن عدة أمور، منها:
1) أن الإسلام هو الخير المعلق، والحق الذي لا مرية فيه، وبعد إقرار هذه القضية يطرح تساؤل: كيف نمارس الإسلام في حياتنا الخاصة في وسط أحوال مجتمع بعيدة كل البعد عن مبادئ الإسلام، بل مناوئة له في أكثر الأحيان؟ فيقرر جوابه لهذا الأمر في أنه لا بد من:
(أ) بذل الجهد، (ب) الصبر على الجهد، (ج) الصبر على المعاناة، (د) التوكل على الله، (هـ) التقوى لله.
ثم يذكر صنفين ممن يستبطؤون الطريق:
- الصنف الأول: يستبطؤون وهم يصرون على الإسلام، وهذا الفريق جاد مخلص، ولكن عجلته لا تؤدي به إلى شيء.
- الصنف الثاني: يستنبطون، والإسلام ليس همهم، وهذا فريق العبيد المستبعدين بأرواحهم وأفكارهم «للسادة» في الشريق أو الغرب سواء.
ثم يطرح سؤالًا مهمًا، وهو لو كانت الحلول الجاهزة تحل مشكلاتنا بلا جهد، والإسلام لا يحلها إلا بالجهد المعنت فهل لنا في ذلك خيار؟
فيجيب بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب:36).
ثم يقرر حقيقة يجب الانتباه لها، وهي:
أن تربية طفل واحد كألف طفل، ككل الأطفال تحتاج إلى تغيير شامل لكل صور الحياة في المجتمع الجاهلي.
ثم يستنكر على الطغاة عندما يقولون: ما لكم ونظام الحكم؟ ربوا أنفسكم وأولادكم كما ترغبون، ولا تتعرضوا لنظام الحكم، فهل يتركون الفرصة الحقيقية للناس ليربوا أنفسهم وأولادهم على الإسلام؟
الفصل الأول كيف تربت الجماعة الأولى، ويقع من ص 15 إلى ص 76، يقرر في هذا الفصل أنه لا بد من دراسة وافية لتلك الجماعة لتتبين سر عظمتها، وبلوغها من بلغت إليه من قمم شامخة في كل مجال خاضته؟
ثم يتعرض لبعض الأسباب وتفنيدها، فيقول: وجود الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشخصه فهو العنصر الذي لن يتكرر في أي جيل آخر، فيبين أنه لا حجة في ذلك لأنه لدينا سيرته -صلى الله عليه وسلم- تجعله كأنه حي بين ظهرانينا، ويذكر ردًا آخر، وهو أنه لو كان وجوده «حي» شرطًا لما فرض الله -سبحانه وتعالى- على المسلمين إقامة المجتمع المسلم، وهو يعلم -سبحانه- بأن الرسول «حي» لن يخلد في الأرض، ثم يذكر عنصرًا آخرًا وهو «الجدة»، فكل حركة جديدة تكون في تكوينها وتحركها أنشطة، وأبلغ من الأجيال التي تخلفها.. ثم يبين وجود هذه العناصر في واقع حياتنا اليوم حيث إن الإسلام اليوم في غربة، وهذه الغربة تجعل محاولة العودة كأنها جولة جديدة.
ثم يقرر حقيقة يغفل عنها دعاة اليوم، وهي حتمية البدء بدراسة الجاهلية كما أشار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قوله: «لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية».
وذلك لنعرف أهو مجرد تعديل لحياة الجاهلية في بعض جوانبها، أم نشأة جديدة ومولد جديد».
ثم يبين المعاني التي جاءت فيها كلمة الجاهلية، وهي في معنى معنيين:
1- الجهل بحقيقة الألوهية.
2- الجهل بما ينبغي تجاه الله -سبحانه وتعالى- من خالص الطاعة والعبودية ثم يستعرض من بعد ذلك حقيقة وظواهر الجاهلية العربية ويذكر أربابهم الأربعة:
1- الأصنام المعبودة والجن والملائكة وما يقربهم إلى الله زلفى.
2- ربوبية القبيلة.
3- ربوبية العرف والموروث.
4- ربوبية الهوى والشهوات، ثم يبين كيف حولت الجاهلية الفضائل إلى رذائل فحولت:
1- الكرم إلى المفاخرة، وإنفاق المال رئاء الناس.
2- الشجاعة إلى غارات السلب والنهب.
ثم عرج على قضية الإسلام الأولى وأهميتها وكيفية علاجها، وهي «العقيدة»، وكيف توصل القرآن إلى استنبات البذرة الحية الجديدة للعقيدة في نفوس الأميين؟ ويذكر بأن هذا البناء العقيدي له خطوات، الخطوة الأولى حب الله ورسوله، والخطوة الثانية هي الالتقاء على حب الله ورسوله، وفي تبيان الخطوة الثانية يقول: إن المخلوق البشري خلقه الله كائنًا ذا شعبتين في آن واحد، شعبة فردية ذاتية، وشعب جماعية، وكلتاهما جزء منه، وهو يتكون منهما بلا انفصال، ومن أجل ذلك لا يمكن أن يتربى الإنسان تربية حقيقية متكاملة إلا في جماعته، وبذلك يستطيع المربي أن يعرف طبيعة الشخص الذي يربيه، فيراقب طريقة تصرفه، ويقوم ما يحتاج إلى تقويم.
وبعد ذلك يبين حقيقة التربية وأنها:
موهبة وعلم، وفن، والعملية التربوية لا يقوم بها إلا المربي الذي لا بد له من الصفات الآتية:
- أن يحس الشخص الذي يتلقى التربية أن مربيه أعلى منه، أي أن شخصيته أكبر من شخصية الذي يتلقى التربية على يديه.
- أن يحس المتلقي أن مربيه عنده ما يعطيه.
- ينبغي للمربي أن يكون حسن الإعطاء، والضمان لذلك:
- وجود الحب من قبل المربي.
- عدم الفظاظة وغلظ القلب.
- أن يكون عند المربي المقدرة على الاهتمام بالآخرين، والاهتمام بأن يعطيهم ما عنده من الخير.
- أن يكون المربي قادرًا على المتابعة والتوجيه المستمر، ومن هنا مشقة التربية وخطورتها وضرورتها في ذات الوقت، فإمّا هذا الجهد الدائب، وإما الضياع.
- أن يكون المربي قادرًا على القيادة، والقيادة موهبة توحي للمتلقي أن يتلقى أولًا، وأن يطمئن بما يتلقى ثانيًا ثم أن يطيع.
ثم يذكر قاعدة أساسية في هذه الصفات، وهي أنه كلما زادت رقعة التربية، وزاد عدد المتلقين؛ كانت الدرجة المطلوبة من هذه الخصال أكبر.
وبعد ذلك يبين ضرورة البناء الأخلاقي، ثم يذكر سنة من سنن الدعوة وهي الابتلاء، وأنه لا يتبين الإيمان على حقيقته إلا بالابتلاء في كل معنى من معاني العقيدة، وكذلك لا تتبين الأخلاقيات في الرخاء السهل، ولا تنكشف إلا في الشدة والضيق.
ثم يذكر فوائد الابتلاء للإنسان:
- إن الإنسان يكتشف في نفسه طاقته على الصبر والاحتمال لم يكن يظنها موجودة في نفسه.
- يكتشف أن كثيرًا من ضروريات الحياة التي ظنها من الرخاء ضرورة حياة أو موت ليست في الحقيقة كذلك.
- يرى الحياة الدنيا على حقيقتها وبحجمها الطبيعي.
وهو من ص 77 إلى ص 87.
الفصل الثاني: موضوع القدوة من جماعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
يطرح المؤلف -حفظه الله- في بداية الموضوع أسئلة ضرورية جدًا والإجابة عليها أكثر ضرورة، ومن هذه الأسئلة طبيعة المجتمع اليوم وحقيقته، فيقرر أنه مجتمع جاهلي، ويوضح هذا الأمر فيقول: إن حكمنا على هذا المجتمع بأنه مجتمع جاهلي ليس حكمًا على أفراده، وإنما معناه فقط أن «المظلة» التي تظلل الناس من هذا المجتمع مظلة جاهلية؛ لأن شريعة الله ليست هي الحكمة في الأرض، ولأن الصورة الغالبة على هذا المجتمع ليست هي الصورة الإسلامية، ولأن الأفكار والتقاليد وأنماط السلوك التي تحكم المجتمع ليست هي الأفكار ولا التقاليد ولا أنماط السلوك التي أمر بها الله ورسوله، ولكن هذه المظلة الجاهلية لا تلقي حكمها على كل الناس الواقفين تحتها، فهؤلاء كل منهم له حكمه الخاص بحسب موقفه الشعوري والفكري والعملي من هذه المظلة.
ثم يبين ضرورة البدء الصحيح في بيان حقيقة معنى لا إله إلا الله، وصلتها الوثيقة التي لا تنفصم عن الحكم بما أنزل الله، ويدلل على هذا الأمر بأوله من مسيرة الدعوة في العهد الأول.
ثانيًا- العمل على تحويل المجتمع الجاهلي إلى المنهج الإسلامي إلى أن تستقيم عليه أحواله.
الفصل الثالث مع الطفولة حتى الصبا:
من ص 88 إلى ص 195، وفي هذا الفصل وما يليه سيكون التفصيل للمنهج الإسلامي التربوي، وفي هذا الفصل يبين أثر تربية الآباء المسلمين لأبنائهم، وأن التربية تحتاج إلى البيت المسلم والشارع المسلم، والمدرسة والمسلمة، والمجتمع المسلم، ثم يبين عدم التعارض بين التربية والوارثات بشيء من التفصيل جميل.
وفي هذا الفصل يفصل في ركائز التربية التي ذكرها عن البيت تفصيل من وفقه الله لنقل الخبر إلى الناس، فيذكر القضايا الأساسية الآتية:
- إن البيت -بداهة- هو الحصن الذي ينشأ فيه الطفل حتى يكبر، ويلتقط منه الانطباع الأول الذي قد يؤثر فيه مدى الحياة.
- يناقش قضية المرأة وعملها وتخطيط اليهود لذلك.
- يبين ميراث الأنبياء للإسلام من الآباء، فيقول يجب أن يكون «ميراث حي، يورث بالتربية الواقعية فيصبح رصيدًا ذاتيًا للجيل الناشئ، يعيشونه في عالم الواقع».
- عمق التربية وبعدها، فيقول لا تبدأ تربية الطفل المسلم من وجود أبوين مسلمين هما ذاتهما قد تربيا على الإسلام.
- يبين ضرورة وجود الأم المتخصصة للتربية التي تعرف كيف تستفيد من الخطوط المتوازية المتضادة في الاتجاهات المولودة مع الإنسان، كالخوف، والرجاء، والحب، والكره، ثم لتوضيح أهمية تعويد الطفل على الضبط، وخطورة موضوع القدوة في التربية، ويوضح هذا الأمر بقوله: إن القدوة الطيبة هي دائمة قيمة موجبة، ويحذف بإزائها قدرًا مساويًا من الجهد، ويلفت النظر إلى عنصر آخر إلى جانب القدوة وهو التلقين، وحين تعرضه لهذا العنصر يعرج على التربية الغربية ونظريات التحليل النفسي، ويبدأ باستعراضها وتعددها، ثم يبين حتمية المنهجية في التلقين، وأن تكون مأخوذة من المنهج الرباني، وبعد أن يستعرض عناق التربية الأساسية، يوضح قضية مهمة كثر الجدل فيها، وهي مسألة المثوبة والعقوبة، ويركز على استقلال التربية بالأحداث واستغلال الفرص من قبل المربي، ويهتم بأثر القصة في التربية، ويوصي المربين بالاهتمام بالجهد الفائض، والوقت الفائض لدى الطفل.
ثانيًا- المدرسة:
يقرر أن المفروض في المجتمع المسلم أن تكون المدرسة إسلامية- بمعنى أنها:
- تربي تلاميذها ليكونوا مسلمين صالحين.
- فيها مدرسون متخصصون في التربية.
- أن تقدم المدرسة المدرس المسلم الذي يمارس الإسلام حقيقة، يعلم منهج التربية الإسلامية في صورته النظرية التطبيقية، مدرب على طريقة تطبيقها، هذا إلى جانب تخصصه العلمي في المادة التي يدرسها.
د- لا بد من اشتراك التلاميذ في إدارة المدرسة ليتدربوا على حمل التبعية.
هـ- أن تكون الروح العسكرية واضحة في مدارس البنين، والروح المنزلية واضحة في مدارس البنات.
ثم يعبر عن طبيعة المدرسة الإسلامية بأنها المصنع الذي ينشئ الأجيال المسلمة.
ثالثًا- الشارع المسلم:
ينتهي الكاتب بعد استطراد بسيط إلى أن الطفل سيتأثر تأثرًا لا محيص عنه بالمجتمع من حوله، وأنه لا يمكن فصله عنه، وليس من الأسلم ذلك، ففي المجتمع المسلم تكون حركة الطفل في مختلف قنواته وتياراته هي الحركة السليمة الصحية الواجبة، فالمجتمع هو الترجمة الواقعية لمبادئ الإسلام وقيمه وأخلاقه، ثم يبين مهمة المربي عندما يتعامل طفله مع المجتمع بأن عليه أن يقوم بعملية غسيل يومية لما يصيب الطفل من أقذار الجاهلية في الطريق.
هذا استعراض سريع لبعض فصول الكتاب، ونرجو أن يمكننا الله أن نكمل الفصول الأخرى.
وإني لأرجو من الله أن لا أكون أخطأت في حق المربي المؤلف محمد قطب من نقل فكره، أو أمر لا يريده من كلامه.