; رحلة، في مكتبتي | مجلة المجتمع

العنوان رحلة، في مكتبتي

الكاتب سلمان فهد العودة

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1976

مشاهدات 0

نشر في العدد 306

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-يونيو-1976

رحلة، في مكتبتي

بقلم: سليمان العودة

أخي القارئ العزيز: سأصحبك الآن وبعد الآن في سياحة ممتعة- إن شاء الله- عبر رفوف مكتبتي المتواضعة، سياحة فكرية وروحية تقوم فيها بمسح شامل لبعض ما تحتويه المكتبة الإسلامية المعاصرة، فكرًا، شعرًا، مسرحًا، قصصًا.

والآن، مع أولى خطوات هذه الرحلة المباركة، ومع قصة: جبل التوبة.

«جبل التوبة»

المؤلف: داوود سلمان العبيدي.

القصة تتكون من ثمانية فصول: الراهب- جريمة في الصومعة- الباب الضيق- بداية الطريق- يقظة القلب- قوم يعبدون الله- في طريق العودة- ثم هطلت الأمطار.

تتركز فكرة القصة حول رواية قديمة، قصة رجل قضى حياته في المنحدر في الأوحال، مجرمًا سفاكًا، ثم انتفضت فطرته من تحت ركام الخطيئة، حيث اندفع إلى صومعة راهب يسأله:

-         إني قتلت مئة نفس فهل لي من توبة؟؟

وذعر الراهب وهو ينظر إلى وجه الرجل الغريب، وأخذ يردد:

-أنت قاتل؟!

- ألم أقل لك اسمع قصتي؟

- لا، لا أريد أن أسمع قصتك فأنت مجرم...!

ونفد صبر الرجل وصرخ غاضبًا:

- أريد أن أتوب،

وأشار الراهب بيده..

- اخرج من هنا، اخرج، أي توبة هذه التي تستطيع أن تكفر ذنبك؟

اخرج، لا أريد أن أراك فأنت مجرم.

ورفع الرجل جسمه الكبير ونهض وهو يقول:

- لقد قتلت تسعة وتسعين نفسًا.

- اخرج، لا تدنس صومعتي بأقدامك، لا تلوث هوائي بأنفاسك..!

هتف المجرم بصوت كأنه حشرجة الموتى:

- أما وقد أغلق في وجهي باب التوبة فسأكمل بك المائة!

وأطبق يديه الفولاذيتين على عنق الراهب، حتى النهاية ومن جديد، تصاعد نداء الفطرة المخنوق يهتف بالمجرم.

عد إلى الله!

وتقاذفته أيدي الأقدار، حيث وقف وجهًا لوجه أمام أعلم رجل في الدنيا:

- إني قتلت مائة نفس؛ فهل لي من توبة؟

وظل العالم يركز نظراته الحاذقة على الذي أمامه.

وعاد صوت الرجل يتوسل:

- لقد ضاقت عليّ الدنيا وضاعت علي نفسي، إنني أشعر كأن جميع الأبواب قد أوصدت في وجهي وأن ألسنة اللهيب تنتظرني!.

واستند بظهره إلى الجدار، وأخذ يردد بيأس قاتل:

- أخبرني بالله عليك، هل لي من توبة؟؟

- نعم...! ومن يحول بينك وبين التوبة؟

ثم واصل: انطلق إلى قرية فإن بها ناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء!

ومضى يشتد صوب القرية وأمام عينيه أبواب الأمل العريضة وفي الطريق.

على أثر الجوع الذي ينهش جسدهوعلى أثر العطشوالتعب المنهكسقط، شعر بالإعياء والعجز عن مواصلة الطريق، ووضع رأسه على الأرض وراح يبكي، وأحس كان نفسه تغيب ثم تعود، أهذه هي سكرات الموت؟؟

وكان يغمض عينيه ويفتحهما.. وينأى بصدره نحو القرية وخيل إليه أنه يسمع الحوار بين الطرفين

- إنه جاء تائبًا، إلى الله..

- لكنه لم يعمل خيرًا قط!

وكان طرف ثالث يقول:

- قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له..!

وحاول أن يدفع نفسه، وأحس أنه تحرك فعلًا، لقد استطاع أن ينأى بصدره نحو القرية، وأسلم الروح لباريها.

- اللهم إني جئت إليك، عدت إليك، تبت إليك..

وشق الصوت، وسكت الجوارح، وسكنت دقات القلب المنهك،

وعاد الصوت من جديد

- إنه أدنى إلى الأرض التي أراد.

وكانت الغيوم قد سدت أفاق السماء وطوقت فم الرجل ابتسامة راضية وصعدت روحه واختفى الرعاة، ثم هطلت الأمطار..

-2-

مما لا شك فيه أن المؤلف أدى القصة بحبكة فنية بارعة.

وأسبغ على الأحداث والأشياء من خياله المجنح روحًا فياضة متحركة وسبك أحداث القصة بحيث تبدو لأول وهلة مترابطة متسلسلة يأخذ بعضها برقاب بعض.

ومما لا شك فيه أن أفكارًا إسلامية حصيلة قيمة، تتجاوب بها جنبات القصة فهناك رحمة الله التي وسعت كل شيء، ورحمة الله قريبة من المحسنين التائبين وهناك حجة الله على الناس، وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا.

هناك الإيمان المركوز في الفطرة، والذي يترنح ويهتز تحت وطأة الضلال وهناك الطهر والبقاء في رحاب الملك القدوس، حيث الفيء الوريف والظل الظليل والسكينة المؤمنة، والروح والريحان، في ظل الإيمان والطاعة.

وهناك، وهناك.. وهذه كلها ولا شك حقائق أساسية في التصور الإسلامي تزخر بمفاهيمها آيات الكتاب الكريم..

بيد أن من ضرورات أي عمل فني، التكامل بين جميع جوانبه ونواحيه، ولي على هذا الجانب من القصة بعض الملاحظات:

فأولًا: في أكثر من موضع يحس القارئ بأن المؤلف لا يستشف نفسية الشخصية التي يحللها ويسرد الأحداث حولها، ولا يعطي صورة معقولة ورزينة لأحاسيسه التي تنفعل في داخله، هكذا أحس وأنا أعبر الأحداث التالية:

     «وأراد أن يعيد الثقة إلى نفسه، أن يذكر نفسه بمواقفه البطولية، بجرأته الفائقة، ولكنه تخيل كان المكان قد امتلأ بالرهبان والراهب الشهيد محمول على خشبة فوق رؤوسهم كانوا يتجهون إليه، كانت مسيرة صامتة، وغطى وجهه بكفيه الضخمتين ثم ضرب رأسه بقوة وقد ضاق بهذا الشعور بالضعف..»..

     ، «وظنه حيًّا فقال: يستعطفه:

- سيدي الراهب! اغفر لي!

ووضع يده على صدره ثم انحنى عليه ووضع أذنه اليمنى على موضع قلبه فلم يسمع شيئًا؛ إن الراهب قد فارق الحياة، وعاد مرة أخرى يسمع صوت الرجل الذي يستغيث، وبدلًا من أن يشعر بالخوف أحس بالهدوء، والسكينة لدرجة لم يشعر بمثلها في حياته»؟؟؟،

     ..وطرق الباب بقبضة يده، كان يريد أن يتمتع بشيء من الطمأنينة، وعاود الطرق، وظهر رجل قصير بدين صغير العينين وما إن رأى الرجل حتى اختفى وراء الباب وأغلقه بسرعة وثبت المزلاج وراءه. وتراجع عن الباب وهو يشعر بالحقد والكراهية واندفع يلقي بجسمه الكبير الثقيل عليه فلم يفلح في زعزعته ثم أخذ يضرب بقبضة يده ويصرخ كالوحش- افتح الباب، افتح

     «لا شك أنه يتصرف بجنون الليلة الماضية كان عليه أن يطرق الباب بكل لطف وإذا خرج رب البيت قابلة بابتسامة هادئة ثم رجاه بقوله:

- إنني رجل غريب ليس لي مأوى؛ هل تسمح لي بالمبيت هذه الليلة؟

 ويمضي تصوير المؤلف للمشاعر على هذا النمط، في ثنايا القصة.

وثمة نقطة ضعف أخرى، وهي كثرة الصدف كثرة مملة، حيث تقابلك في كل فصل من فصول القصة صدفة أو أكثر، وهذا السرد قد يرتاح معه القارئ شعورًا بأسطورية القصة وبعدها عن الواقع ومن ثم تتضاءل قيمتها التأثيرية لديه..

والملاحظة الثالثة في القصة هي الأسلوب التقريري المباشر الذي يلجأ إليه الكاتب في كثير من المواقف، وهذا السرد قد يرتاح معه القارئ العادي، ولكنه لا يخدم القصة لكونه من ألوان الأدب المعاصر، والذي نال حظه من الرقي وأصبح فنًا يقوم على قواعد وأسس منهجية..

وكثير من القصص المعاصر يعتمد على ملء الساحة بالأضواء المختلفة وتصوير الجوانب المتعددة والوقوف طويلًا أمام المشاعر النفسية والحوادث الجانبية الجذابة وأخيرًا:

فإن تطويل الحوار قد يسيء إلى القصة ويجعلها رتيبة أكثر ويفقدها الحركة وقوة الجذب، والقصة بعد ذلك كله تستحق الاهتمام والنظر من قبل أهل الأدب الإسلامي المتخصصين فيه؛ فهي نتاج جهد جهيد، وجزى الله مؤلفها عن الإسلام خيرًا، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الرابط المختصر :