; رحلة في كتاب الصوم (1) | مجلة المجتمع

العنوان رحلة في كتاب الصوم (1)

الكاتب محمد شعبان أيوب

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012

مشاهدات 80

نشر في العدد 2014

نشر في الصفحة 18

السبت 04-أغسطس-2012

تزخر مؤلفات السيرة والسنة النبوية الصحيحة بأحاديث ومواقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه في شهر رمضان الكريم، هذه الأحاديث غالبًا ما تجمع في «كتب»؛ أي أبواب خاصة ليسهل للقارئ العودة إليها، ويتعرف بشيء من التفصيل والإسهاب كيف كان شأن نبينا صلى الله عليه وسلم في رمضان، وكيف وضع لنا الأسوة لنتأسي، والقدوة لنقتدي به في هذا الشهر المبارك.

منها كتاب الصوم.. إن الصيام - في مغزاه - ليس مجرد فرض فرض علينا بل هو ركن من أركان الإسلام التي يُعرف هذا الدين بها عن غيره, ومن ثم فإن أداء هذه الفريضة على الشكل اللائق بها ليس مجرد ترف على مستوى الفاعلين أو المكلفين من المسلمين, وإنما هو استشعار عظيم لمعنى الانصياع والاتباع والاهتداء بما أمرنا الله تعالي به.

انضباط واجب

ثمة أحاديث نبوية شريفة تناولت شهر رمضان من أوله إلى آخره، منها ما يتعلق به, وبيان أهميته، وضرورة الانضباط بضوابط محددة كي يُقبل الصيام، ويثبت الأجر.

من هذه الأحاديث النبوية الكريمة ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام جنة فإن كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك, يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي.. الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها» (صحيح البخاري, كتاب الصوم، ١٧٩٥).

وقد علق العلامة النووي يرحمه الله تعالى على هذا الحديث بقوله: «سبب إضافته (أي الصيام) إلى الله تعالى أنه لم يعبد أحد غير الله تعالى به, فلم يعظم الكفار في عصر الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة وغيرها من العبادات الظاهرة وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ, وقيل: إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى فتقرب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء..» (النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 8/29).

ولتشجيع الناس على الإقبال على هذه الطاعة بكل جوارحهم, بالترغيب وإبراز حجم المكافأة الكبيرة ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من رمضان، صُفدت الشياطين ومردة الجن, وغُلقت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب, وفتحت أبواب الجنة, فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة» (سنن الترمذي، ٦٨٢).

وقد نقل المباركفوري عن السندي تعليقه على هذا الحديث بقوله: «إن قلت: أي فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع للناس؟ قلت: قد علم الناس به بإخبار الصادق وبه يحصل المطلوب بأن يتذكر الإنسان كل ليلة بأنها ليلة المناداة فيتعظ بها «يا باغي الخير»؛ أي طالب الخير «أقبل»؛ أي على فعل الخير فإنك تُعطي جزيلًا بعمل قليل، وذلك لشرف الشهر» (المباركفوري, مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 6/413).

إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هديه في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أول ليلة من رمضان: «أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم فيه صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» (سنن النسائي الكبرى, ٢٤١٦).

 كالريح المرسلة

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل, وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (صحيح البخاري: كتاب الصوم, 1803).

ومقالة ابن عباس رضي الله عنهما إنما تكشف لنا بجوار المشهور والمتواتر من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الذي وصفه بالريح المرسلة لكثرته ووفرته واستمراره، رغم ما نعلمه عن فقر رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته، إنما تكشف لنا عن بُعد آخر هو ارتباط هذا الشهر العظيم بالسماء، ارتباطه بالإله الذي أمر جبريل عليه السلام بالنزول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يوميًا في هذا الشهر الفضيل لمعارضة القرآن ومراجعته, وهذه السنة التي نفهم منها أهمية الإكثار من قراءة كتاب الله تعالى, هذه السنة التي ارتبطت فيها السماء والأرض بموقف لم نسمع ولم نقرأ عنه من قبل, إنما تعطي لنا ملمحًا جديدًا يتلخص في الكرم الإلهي العميم، ورحماته الواسعة تلك التي رآها نبينا صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل، والذي جعله وهو الفقير مضرب المثل في البذل والتصدق حتى كأنه الريح المرسلة.

الرابط المختصر :