العنوان رحلة في الكون البديع الجولة الثالثة: الإنسان والكون
الكاتب أ.د. زغلول النجار
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1973
مشاهدات 94
نشر في العدد 148
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-مايو-1973
رحلة في الكون البديع
الجولة الثالثة: الإنسان والكون
- نظام
واحد.. تفسره قوانين ثابتة
- الرعاية
الإلهية.. تتبدى في كل شيء
- نظام
بناء الذرة.. ممثلًا في المجموعة الشمسية
|
الأستاذ زغلول راغب
محمد النجار أستاذ الجيولوجيا
بجامعة الكويت
|
إن الجسم الفلكي متماسك مع بعضه بفعل جاذبيته الخاصة. وقوة الجاذبية يوازنها إجهاد، ولعل الحاجة إلى توليد هذا الإجهاد هي التي تقرر حالة المادة، هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل: تأثير دوران الكوكب والمغناطيسية والإشعاع.
ففي كتلة من الصخر في حجم القمر توجد المادة في حالة صلبة شبه خاملة في معظمها، أما إذا تجمعت مادة القمر في كتلة وحجم تشبهان كتلة وحجم الأرض فإن قلبها مركزيًا سائلًا (كما يعتقد الآن غالبية العلماء) يتكون لها حركة، ونتيجة للحركة في هذا القلب السائل يتولد للأرض مجال مغناطيسي، وتشكل قشرتها على هيئة قارات مرتفعة وجبال شاهقة وقيعان محيطات منخفضة غائرة، ويستطيع بفعل جاذبيته أن يحتفظ بغلاف هوائي وبغلاف مائي.. بمعنى أن السلوك الفيزيائي للمادة يمكن أن يعتمد على مجرد كميتها إذا كانت كتلة الجرم الفلكي أكثر من حد معين (بضعة أجزاء من المائة من كتلة الشمس حيث لا يمكن لهذا الجسم أن يكون كوكبًا، ذلك لأنه كي تصبح ماء بهذا المقدار في حالة كثيفة ثابتة لابد أن تكون جميعها في حالة غازية). ولا يتمكن جسم غازي من الاستمرار في توليد (...) لأن لمركز يكون حارًا جدًّا، فإن الطاقة يجب أن تتسرب إلى خارجه، ولذا يكون الجسم مضيئًا وتكون نتيجته نجمًا.. وبذلك يتضح أن مجرد الزيادة في كمية مادة الجسم تؤدي إلى تغير تام في سلوكها، وأن السبب في إضاءة أي نجم من نجوم السماء هو: مجرد أنه مكون من كتلة وحجم معينين تمكنانه من عملية الاندماج النووي وتوليد الطاقة الحرارية النووية، فمصدر الطاقة في نجوم الكون هو نواة الذرة..
ويبدو لأسباب عديدة أنه لا يمكن أن يوجد أي شيء
شبيه بالنجم العادي وله كتلة تزيد عن حوالي مائة ضعف كتلة الشمس، وبالسماء ما يعرف
باسم: النجوم البيضاء القزمة ومادتها ذات كثافة هائلة، ويعتقد بأنه دور الشيخوخة
في حياة النجم العادي.. وفي مادة هذه النجوم القزمة يعتقد أن الإلكترونات في حالة
انحلال بمفهوم نظرية الكم وحتى بمفهوم النظرية النسبية في بعض الحالات.. وهناك
أيضًا حد أعلى لكتلة النجم التي تكون في وضع اتزان ميكانيكي في مثل هذه الحالات.
وحدة النظام في بناء الذرة والمجموعة الشمسية:
ثم يرتد البصر مرة أخرى إلى كوكبنا الأرض، فنجد أن
شبه كرة من الصخر ذات قلب مركزي.. «كما يعتقد الآن غالبية..» وقشرة صخرية صلبة..
على هيئة قارات.. قليلة الكثافة نسبيًا... القشرة الأرضية لا يسهل.. لعدم وضوح
الحد الفاصل.. وبين جوف الأرض، وقد.. العلماء في تقديره بين..، 100 كيلو متر وعلى
ذلك ويقدر في المتوسط بحوالي.. كيلومترًا، وتتكون هذه القشرة الأرضية من ثلاثة..
رئيسية من الصخور.. وأصلها كلها هي الصخور.. المتكونة عن تجمد صهارة...، وهي
بتفتيتها وترسيب.. تتكون الصخور الرسوبية، وبتحولها أو تحول فتاتها تتكون الصخور المتحولة.
والصخور مهما تباينت.. تتكون أساسًا من..، ومعادن
الأرض عديدة.. في صفاتها وخصائصها،.. الفلزية وغير الفلزية ومنها.. والرخيصة وما
هو بين... وتتكون المعادن من عناصر من مركبات من هذه العناصر.. وعناصر الأرض
فاقت.. بقليل. وليست المعادن.. هي التي تتكون من.... فكل شيء في مادة..... باطنها
وقشرتها،.. وماؤها، حيوانها.. وإنسانها... كل شيء.. يتألف من هذه العناصر.... ومن
المركبات..، ومنها ما هو غاية في التعقيد...
وأخف العناصر جميعًا هو غاز الهيدروجين يتبعه غاز
الهيليوم ثم مادة صلبة هي..، وأثقل العناصر التي.. في الأرض هي اليورانيوم.. رتبت
العناصر وفقًا.. في جدول دوري تندرج.. صفاتها. كان للهيدروجين «أخف العناصر»
الخانة الأولى ولليورانيوم «أثقل العناصر».. الثانية والتسعون.
والعناصر تتركب من جزيئات.. الجزيء من ذرات. الذرة
تتركب من نواة في الوسط بها شحنة كهربية موجبة.... كما تدور الكواكب السيارة حول
الشمس، والإلكترونات تحمل شحنة كهربية سالبة تعادل شحنة النواة الموجبة لتحتفظ
الذرة بحالة من التعادل.
ولنواة الذرة بروتونات تحمل الشحنة الموجبة، كما قد
توجد أجسام أخرى متعادلة هي النيوترونات يعتقد بأنها ناتجة عن اتحاد بروتون موجبة
مع إلكترون سالبة، كما قد يتحول النيوترون مرة أخرى إلى بروتون باتحاده بجسم موجب
يعرف بالبوزيترون يعادل الإلكترون في كتلته ولكن شحنته موجبة.
وتبلغ أجزاء الذرة من الدقة أنها تقاس بجزء من عشرة
ملايين من المليمتر وتسمى هذه الوحدة بـ الأنجستروم، كما تقدر أوزانها بجزء من
مليون مليون مليون مليون جزء من الجرام. وعلى سبيل المثال فإن الجرام الواحد من
عنصر اليورانيوم يحتوي على ألفي مليون مليون مليون ذرة، ويبلغ قطر الإلكترونات 1/
100000 من قطر الذرة، وكتلته بنحو 1/ 1838 من كتلة ذرة الهيدروجين، وقطر الذرة
يكبر قطر نواتها بعشرين ألف مرة مما يؤكد تشابه الفضاء الكوني بـفضاء الذرة.
وإذا حُست نواة الذرة بشعاع من النيوترونات فإنها
تنقسم، وإذا انقسمت النواة انفصمت البروتونات والنيوترونات وبانفصامها تخرج منها
الطاقة... هائلة مذهلة.
وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى لبنات ثلاث...
البروتون والإلكترون والنيوترون، ينادي بعض الفيزيائيين النظريين بأن البروتون
ذاته يتكون من جسيمات أصغر لم يحددها العلم بعد.
كذلك نجد الطاقة بصورها المختلفة: الضوء والحرارة
والأشعة السينية والأشعة اللاسلكية والأشعة الجاما وغيرها من إشعاعات، كلها صور
متعددة لقوة واحدة هي القوة المغناطيسية الكهربائية، وبذلك ترد الطاقة إلى أصل
واحد وإن تعددت صورها، وترد المادة إلى لبنات ثلاث وقد تكون في الأصل كلها واحدة.
الخاصة لتكافؤ بين المادة والطاقة وتنادي بأنهما
شيء سواء، وتصدق التجارب –وفي مقدمتها انفلاق الذرة في قنبلة اليورانيوم– هذه
النظرية.
وإذا تساوت المادة والطاقة فلم يبق من خصائص هذا
الكون إلا الجاذبية... والمكان والزمان. وتحاول النظرية النسبية العامة أن تربط
بين الزمان والمكان فتجعل منهما شيئًا متواصلًا، كما تحاول نظرية الحقل الواحد أن
تسوي بين الطاقة المغناطيسية الكهربائية وبين الجاذبية، وفي ذلك يقول أينشتاين:
«إن روح العقل النظري لا تحتمل أن يكون في الوجود الواحد شكلان للطاقة لا يلتقيان؛
شكل للجاذبية القياسية وشكل للمغناطيسية الكهربائية».
وهكذا تتحلل مركبات هذا الكون أجمع من مادة وطاقة
وزمان ومكان.. إلى شيء واحد لا تعرف كنهه ولكنه يمثل الوحدة العظمى التي تجري في
هذا الكون كله!
الرعاية الإلهية للكون
من كل ما سبق يتضح بجلاء أن للكون الذي نعيش فيه
وحدة واحدة تنتظمه، ونظامًا معجزًا لا يستطيع العقل البشري أن يحيط به، ولكن هذا
النظام تفسره قوانين ثابتة أو سنن دائمة بما لا يرقى إليه شك أن كل شيء في هذا
الكون قد خلق بقدر معلوم ودقة متناهية.. وحكمة سابقة: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).. ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن
تَفَاوُتٍ﴾ (الملك: 3).
فقد أثبتت الدراسات الحديثة في مادة هذا الكون هو
غاز الهيدروجين الذي تلتئم ذراته في درجات حرارة عالية جدًا، وتحت ضغوط كبيرة
لتكون مختلف العناصر المعروفة. وقد ثبت أن العناصر في مجرتنا وربما في مادة الكون
كله قد تكونت في الفترة من سبعة آلاف مليون سنة إلى ستة آلاف وخمسمائة مليون سنة
مضت، وأن الشمس قد تكثفت على هيئتها الحالية منذ ستة آلاف....... الحالية منذ
حوالي خمسة آلاف مليون سنة، وأن القشرة الخارجية للأرض قد تكونت بصورة دائمة منذ
أربعة آلاف مليون سنة، وأن أقدم أثر للحياة ظهر على الأرض منذ ثلاثة آلاف مليون
سنة، وظهرت أول ما ظهرت الحياة النباتية وتلتها الحياة الحيوانية، وكلاهما ظهر.. لأول
مرة في الماء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: 30).
والحياة بمختلف صورها تتكون من خلية واحدة أو من
مضاعفات هذه الخلية، والخلية الحية في بنائها تشبه بناء الذرة التي تكونت منها،
وبناء المجموعة الشمسية التي هي جزء منها: نواة في الوسط تحمل أسرار الحياة وتتحكم
في مختلف الوظائف وجسيمات... تدور حولها في حركة دائمة لا تتوقف. فهل هناك وحدة...
أو أعم أو أشمل من ذلك!
وتنتظم الخلايا في جسم الكائنات الحية في جسم الكائنات
الحية أنسجة متعددة، وتنتظم الأنسجة أجهزة متباينة وأعضاء مختلفة يقوم كل منها
بخدمة الجسم كله في توافق وتكامل ودقة وإعجاز.. وصور الحياة كلها مبنية على نفس
الوتيرة، وعلى نفس النظم وإن تباينت المخلوقات.. أكثر من ألف مليون مليون خلية.. يتجدد
منها في كل ثانية 125 مليون خلية في المتوسط: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا
تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21).
من هذا كله يتضح أن الكون النسيج الذي نعيش فيه لم
يكن أزليًا.. كانت له في الأصل بداية وإن كنا لا نعلم على وجه التحديد متى كانت
هذه البداية، وهو أيضًا ليس بأبدي فلابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية؛ لأن
قوانين الديناميكية الحرارية والطاقة المتاحة تؤكدان أن الحرارة تنتقل دائمًا من وجود
حراري إلى وجود غير حراري، وباستمرار هذه العملية لابد أن يأتي وقت تتساوى فيه
حرارة جميع الموجودات.. العمليات الكيميائية والطبيعية، وبانتهائها تنتهي تلقائيًا
الحياة.
وأن هذا الكون المعجز في بنائه.. المذهل في اتساعه..
الرائع في حركته واتزانه لانفرط عقد هذا الكون وانهار كل ما فيه ومن فيه، ولما كان
هذا الكون منذ ملايين السنين يسير على نفس السنن، فإن الذي يصونه -مما قد يتعرض له
من كوارث- هو: العناية الإلهية التي نحيا في ظلها وعطفها ورعايتها، والتي لو حجبت
عنا طرفة عين أو أقل من ذلك لهلكنا وهلك كل من معنا.
ويكفي أن نشير إلى الحكمة البالغة في أمر كوكبنا
الأرض، فلو كانت الأرض ضعف بعدها الحالي عن الشمس، لنقصت كمية الحرارة التي تصلها
إلى ربع كميتها الحالية ولقطعت الأرض دورتها حول الشمس في وقت أطول ولتضاعف تبعًا
لذلك طول فصل الشتاء، فتجمدت الكائنات الحية على سطح الأرض.
ولو اقتربت الأرض من الشمس إلى نصف المسافة التي
تفصلهما الآن، لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض من الشمس أربعة أمثال ما تتلقاه
منها الآن، مما يحول دون وجود حياة نباتية أو حيوانية، ولتضاعفت سرعة الأرض حول
الشمس وانعدمت الفصول واستحالت الحياة.
وكذلك لو كانت الأرض في ربع حجمها الحالي، لما أمكن
لها أن تحتفظ بغلافيها الجوي والمائي ولصارت درجة الحرارة على سطحها بالغة حد
الموت، وإذا تضاعف حجم الأرض، لتضاعفت جاذبيتها للأجسام وانخفض ارتفاع غلافها
الهوائي وزاد ضغطها مما يؤثر على صور الحياة ويحول دون وجود كائنات مفكرة عاقلة
كالإنسان.
والغلاف الغازي المحيط بالأرض يحميها من ملايين
الأطنان من الشهب التي تهبط عليها من الفضاء الخارجي، ويحميها أيضًا من الأشعة
الكونية التي لو قدر لها أن تصل إلى الأرض جميعها لأبادت الحياة، وهذا الغلاف
الغازي يحفظ الأرض في درجة مناسبة من الحرارة، وهو الوسط الذي يحمل بخار الماء
المتصاعد من البحار والمحيطات.. بخارًا ليتكثف منه مطرًا يسقي الأرض ويروي النبت
والحيوان والإنسان، ولولا هذه الدورة.. دورة المياه، لتحولت كل المياه الأرضية إلى
ماء عفن آسن في فترة زمنية قصيرة.
وهذا الغلاف الغازي له تركيب دقيق لو اختل قليلًا،
لما أمكن للحياة على الأرض أن تزدهر وتستمر، فلو زادت نسبة الأكسجين قليلًا في
الغلاف الغازي لأمكن لعود ثقاب واحد أن يحرق الأرض وما عليها، ولو قلت نسبة
الأكسجين قليلًا لاختنقت الحياة على الأرض.
والماء ذلك السائل المعجز الذي له من الصفات ما
يمكنه من إذابة أكبر قدر ممكن من مادة الأرض أو حملها إلى النبات ليحولها بدوره
إلى مادة صالحة لغذاء الإنسان والحيوان.
ثم إن هناك كميات كبيرة من الماء متجمدة على
القطبين، ولو قدر لهذا الماء المتجمد أن يسيل -وهذا لا يحتاج إلا لبضع درجات قليلة
من الحرارة- لارتفع منسوب الماء في البحار والمحيطات، ولأغرقت أغلبية مساحات
القارات وما عليها من حياة.
ألسنا بعد ذلك كله نحيا في هذا الكون تحت رحمة الله
وفي ظل من عنايته ورعايته..
وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول:
«اللهم لا تكلنا لأنفسنا ولا لأحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك».
ولا أجد أروع من الدعوة القرآنية لإمعان النظر في
هذا الكون: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191).
جعلنا الله ممن يتفكرون في خلق السموات والأرض،
فتزداد قلوبهم اطمئنانًا بذكر الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل